من الرادارات الضخمة إلى حرب الشبكات.. هكذا غيّرت إيران عقيدة دفاعها الجوي

"اتجهت طهران نحو شبكة لا مركزية تعتمد على الطائرات المسيرة وتعمل بشكل مستقل في أسلوب أقرب إلى حرب العصابات"
أعادت إيران هيكلة منظومة دفاعها الجوي بشكل شامل بعد حرب الاثني عشر يوماً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تخلت عن الرادارات الكبيرة وتوجهت نحو منصات إطلاق ذاتية التشغيل وطائرات مسيرة. بحسب موقع "تيليبوليس".
وأشار الموقع الألماني إلى أن صور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركتا “بلانت لابز” و"إيرباص" تكشف مشهدا يبدو عادياً، لكنه يحمل دلالات مهمة، إذ تظهر منصات إطلاق صواريخ عادت للظهور بعد شهور من الاختفاء.
وتتعلق هذه المنصات بصواريخ S-300 الروسية، التي يصل طولها إلى نحو خمسة عشر إلى ستة عشر متراً، وتشبه تماماً وحدات إطلاق الصواريخ من طراز 5P85 التي سبق توثيقها في مواقع إيرانية.

إخفاء متعمد
وبحسب الموقع الألماني "تكشف صور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركتا بلانت لابز وإيرباص مشهدا يبدو عاديا في ظاهره، لكنه يحمل دلالات عميقة".
وتابع موضحا: "فهي تظهر منصات إطلاق صواريخ عادت للظهور بعد أشهر من الاختفاء".
وأردف: "هذه المنصات هي S-300 التي يبلغ طولها نحو خمسة عشر إلى ستة عشر مترا، وتطابق تماما وحدات إطلاق الصواريخ من طراز 5P85 التي سبق توثيقها في مواقع إيرانية".
وأبرز الموقع اختلاف الوضع قبل حرب الاثني عشر يوما وبين الحرب الحالية، وقال: "كان محلل شؤون التسلح سام لاير قد وصف الوضع قبل حرب الأيام الاثني عشر بصورة مختلفة تماما".
فبحسب تقديره آنذاك، لم يكن هناك أي أثر يُذكر في المواقع السابقة لمنظومات S-300، وكأن تلك الأنظمة اختفت من الوجود أو ابتلعتها الأرض.
وأضاف الموقع: "أما اليوم، ومع ظهور هذه المنصات مجددا، يتضح أن ما بدا في السابق وكأنه اختفاء كامل لم يكن سوى مرحلة من الإخفاء المتعمد، وهو ما يُشكك بشكل جوهري في أحد الادعاءات الرئيسة للجيش الإسرائيلي بعد حرب يونيو/ حزيران 2025".
وتابع: "فقد أعلنت إسرائيل أنها دمرت جميع منظومات S-300، لكن صور الأقمار الصناعية تقدم صورة أكثر تعقيدا".
فبحسب ما نشره موقع "آرمي ريكوجنيشن" العسكري، "تفتقر المواقع التي أعيد تفعيلها إلى رادارات التوجيه 30N6E1، لكن منصات الإطلاق نفسها ما زالت قائمة".
واستطرد: "من دون رادار يصبح نظام S-300 أعمى، لكنه لا يكون قد دمر، أي بمعنى آخر، تشير هذه الصور إلى أن إيران لم تفقد دفاعها الجوي، بل أخفته".
"أما ما سبق ذلك، فهو موثق على نطاق واسع، ففي الساعات الأولى من صباح 13 يونيو/ حزيران 2025، تمكن جهاز الموساد من تحييد الدفاعات الجوية الإيرانية من الداخل، عبر أسلحة دقيقة جرى تهريبها، وبمشاركة أكثر من خمسين فريقا انتشروا في عمق الأراضي الإيرانية، بالتوازي مع الضربات الجوية الإسرائيلية من الخارج"، يقول التقرير.
وأكمل: "وفي الوقت نفسه، أدى التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي "جي بي إس" إلى شل قدرة التوجيه لدى الأنظمة الإيرانية، فيما انهار نظام القيادة المركزي".
شبكة لامركزية
وفي إطار تحديث سياستها الدفاعية، أشار الموقع الألماني إلى "أنه بعد حرب الاثني عشر يوما، كشفت عدة دلائل أن إيران ربما أعادت بناء دفاعها الجوي على نحو جذري، على غرار ما فعله النزاع في أوكرانيا".
فلقد أوضح الموقع أنه "بدلا من منصات مركزية معرضة للرادار، اتجهت طهران نحو شبكة لا مركزية تعتمد على الطائرات المسيرة وتعمل بشكل مستقل في أسلوب أقرب إلى حرب العصابات".
ومع أنه يرى أن "هذه فرضية لم تثبت بعد"، لكنها تبدو وفقا لتقديره "منطقية في ضوء المعطيات المتاحة التي تسير في هذا الاتجاه".
ولفت إلى أن "ذلك النموذج حاضر في إقليم دونباس، ففي أوكرانيا تحولت المدفعية الثقيلة البطيئة المعتمدة على توجيه مركزي إلى منظومة مختلفة جذريا لدى الطرفين".
وأردف: "تولت الطائرات المسيرة مهمة رصد الأهداف، وعملت الوحدات بصورة مستقلة ولا مركزية، وأصبح الإطلاق وتغيير الموقع رد فعل تكتيكي واحدا. من يطلق النار يتحرك فورا".
واسترسل: "رادارات كشف المدفعية المضادة لم تعد تجد سوى أرض خالية، ويبدو أن إيران تسعى اليوم إلى نقل هذا المنطق إلى دفاعها الجوي، بحيث يصمم خصيصا لمواجهة خصم تعرف طهران جيدا أسلوب هجومه".
ما غيرته إيران في منظومة دفاعها الجوي تحدده المحللة العسكرية البرازيلية باتريسيا مارينز بتفصيل لافت، فقد ذكرت أن "قلب المنظومة الجديدة هو نظام باور-373-II، وهو تطوير لمنظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى التي دخلت الخدمة في فبراير/ شباط 2025، وحصلت على تعديلات إضافية بعد حرب الأيام الاثني عشر".
وأضاف الموقع: "الفرق الحاسم عن النسخة السابقة هو التخلي عن الرادار المركزي، بحيث باتت كل منصة إطلاق مزودة برادار AESA خاص بها، من دون كابلات أو محطة قيادة مشتركة أو هوائي مركزي يمكن استهدافه".
"أما الصواريخ الجديدة (صياد 4 بي بلس) الجديدة، فلها باحثان مزدوجان يجمعان بين الرادار النشط والتوجيه بالأشعة تحت الحمراء، بهدف تقليل قابلية التأثر بالتشويش"، وفقا له.
وبحسبه، "يتراوح مداها بين 300 و400 كيلومتر، فيما يفترض أن تتراوح قدرة كشف الطائرات الشبحية بين 85 و150 كيلومترا".

كمين الرادار
ويقدر الموقع الألماني أن الأكثر أهمية من ذلك كله هو العقيدة التكتيكية الكامنة وراء هذا التحول، فطائرات مسيرة مثل مهاجر 10 وكرار تؤدي دور رادارات طائرة.
حيث تقوم بدوريات وترصد الأهداف بصورة سلبية وتعتمد على نظام الملاحة الصيني (بيدو) الذي حل محل نظام تحديد المواقع العالمي جي بي إس بالكامل بعد كارثة التشويش في حرب الاثني عشر يوما.
ويقصد برصد الأهداف بصورة سلبية، قيام الطائرات المسيرة برصد الأهداف من دون إصدار أي إشارات، أي أنها تحدد مواقعها وحركاتها من خلال متابعة نشاطها الطبيعي.
ما يجعل من الصعب على الأعداء اكتشاف أنهم تحت المراقبة، ويقلل من إمكانية استهداف الطائرات نفسها.
أما الرادارات الأرضية، فقد كشف الموقع أنها "لا تعمل إلا لثوان معدودة في المرحلة النهائية لتحديد الهدف، وهي مدة قصيرة لا تسمح برصدها بدقة أو استهدافها بصواريخ مضادة للإشعاع".
وتصف الخبيرة العسكرية مارينز هذا الأسلوب بـ" كمين الرادار، أي هجوم مباغت ينطلق من الصمت".
وتابع التقرير الألماني: "أصبحت وحدات الدفاع موزعة جغرافيا على مساحات تتراوح بين عشرة وخمسة عشر كيلومترا مربعا، ومخبأة في أنفاق ومبان مدنية، لتجنب الرصد المباشر".
وأردف: "يعتقد الخبراء أن هذه الوحدات قادرة على تغيير مواقعها خلال أقل من أربع دقائق، في تطبيق عملي لأسلوب (أطلق وتحرك) المعروف في المدفعية وراجمات الصواريخ".
واستدرك: "لكنه يُستخدم هنا لأول مرة في منظومة دفاع جوي بعيدة المدى، ما يمنحها قدرة أكبر على المناورة وتجنب الاستهداف".
وعقبت مارينز: "لم أر من قبل هذا النوع من التكتيكات مطبقا على منظومة بعيدة المدى مماثلة".
في هذا السياق، تساءل الموقع: هل تمكنت إيران فعلا من تنفيذ هذا التحول الجذري خلال ثمانية أشهر فقط؟"
وبحسبه، فإن "الشكوك هنا مشروعة، فإعادة بناء وحدات مستقلة مرتبطة بشبكات طائرات مسيرة يُعد مهمة ضخمة حتى بالنسبة لجيوش تمتلك قدرات هندسية هائلة".
مع ذلك، أقر الموقع أن "هذه القدرة موجودة بالفعل، فطهران تُصنف ضمن الدول العشر الأولى عالميا في أعداد المهندسين، وتخرّج نسبة من الكفاءات العلمية تفوق ما تنتجه كثير من الدول الغربية".
ويضاف إلى ذلك "عامل نفسي حاسم، فإيران كانت تتوقع هجوما أميركيا وشيكا، لا في المستقبل البعيد بل قريبا جدا".
هذا التوقع -وفق الموقع- "جعلها تركز مواردها بشكل مكثف على بناء منظومة دفاعية تناسب هذا التهديد المعروف".
أما من الناحية العملية، فأشار إلى أن بعض هذه المكونات التقنية كانت موجودة مسبقا، فالنظام الصيني (بيدو) يحتمل أنه كان قد استُخدم بالفعل كبديل لنظام جي بي إس في الأسلحة الدقيقة.
وقال: "السؤال الآن: هل نجحت إيران في دمج هذا النظام بعمق داخل بنية الدفاع الجوي التكتيكية، بحيث تُرسل الطائرات المسيرة بيانات الأهداف في الوقت الفعلي عبر الأقمار الصناعية إلى منصات باور-373-II المستقلة؟ إذا تحقق ذلك، فسيكون هو القفزة الحقيقية".

نقاط ضعف
ويعتقد الموقع الألماني أن "هنا يظهر التحفظ الأساسي، فالعقيدة العسكرية شيء، والقدرة العملية شيء آخر".
وذكر أنه "لا أحد يعرف على وجه اليقين إن كانت هذه المنظومة قادرة فعلا على العمل بشكل مستقل تحت ضغط الحرب الإلكترونية، أو إن كانت سلسلة الطائرات المسيرة والرادارات والأقمار الصناعية ستصمد في مواجهة قتال فعلي".
مضيفا: "على الرغم من أن العقيدة الجديدة تبدو مثيرة للإعجاب على الورق، إلا أنها تحمل نقاط ضعف واضحة، كما أشارت باتريسيا مارينز".
وأوضح أن "أبرز هذه النقاط، هي روابط البيانات، فصحيح أن نظام (بيدو) وشبكات الطائرات المسيرة قد يكونان أكثر صلابة، لكن الولايات المتحدة تمتلك قدرات هائلة في الحرب الإلكترونية من تشويش واختراق وتضليل".
وأردف: "مدى قدرة النظام الإيراني على الصمود أمام ذلك يبقى مجهولا".
إلى جانب ذلك، تحدث الموقع عن "مشكلة البصمة الحرارية، فهياكل المركبات تولد حرارة يمكن رصدها من أقمار صناعية منخفضة المدار، ما يجعل أي محاولة للتخفي محدودة".
ونوه إلى أن "هذه ليست مشكلة خاصة بإيران وحدها، بل تحد عام لكل الأنظمة المتحركة".
"يبقى أيضا البُعد الاستخباراتي، وهو ربما الأكثر غموضا، فقد أثبت الموساد خلال حرب الأيام الاثني عشر أنه قادر على بناء شبكة واسعة تضم أكثر من 1300 متعاون داخل إيران، وتهريب أسلحة دقيقة إلى العمق، وتعطيل مكونات الدفاع الجوي من الداخل قبل أن تبدأ الطائرات الإسرائيلية هجماتها"، يقول التقرير.
وتابع: "لكن العقيدة الإيرانية الجديدة تهدف إلى جعل هذا النوع من التخريب بلا جدوى، ففي عام 2025 كان يكفي ضرب عدد محدود من الرادارات المركزية ومراكز القيادة لشل المنظومة بأكملها".
أما الآن، فيرى أنه "مع شبكة موزعة من عشرات الوحدات المستقلة المنتشرة في أنحاء البلاد، فإن هذه التكتيكات لم تعد فعالة".
وتابع: "فكيف يمكن لأسلحة مهربة أن تواجه مئات المنصات المتحركة؟ الحساب بسيط: إذا لم يعد هناك مركز، فلا يمكن ضربه".
من زاوية تحليلية أوسع، تساءل الموقع: "هل يمكن للصين أن تلعب دورا مباشرا في هذا التحول؟ حيث تشير عدة تقارير إلى أن بكين بدأت منذ مطلع 2026 باستبدال البرمجيات الإيرانية بأنظمة صينية مشفرة/ إضافة إلى نشاط استخباراتي مضاد لعمليات الموساد في طهران".
ويقدر التقرير أنه "إذا صح ذلك، فإن إسرائيل لن تواجه فقط منظومة جديدة، بل أيضا لاعبا جديدا يقف خلفها".
في المحصلة، قال الموقع: "لا أحد يعرف على وجه اليقين إن كانت هذه الثورة في الدفاع الجوي الإيراني قد نجحت بالفعل".
وعزا ذلك بالقول: "فحرب الأيام الاثني عشر انتهت في يونيو/ حزيران 2025، أي قبل ثمانية أشهر فقط".
واستطرد: "ثمانية أشهر لثورة عسكرية بهذا الحجم: دفاع جوي بأسلوب حرب العصابات، منصات مستقلة تعمل وفق تكتيك "أطلق وتحرك"، ودمج نظام "بيدو" في الوقت الفعلي؛ إنها فترة زمنية قصيرة للغاية".
المحللة باتريسيا مارينز تلخص الأمر بوضوح: "المنظومة الجديدة ما زالت بحاجة إلى إثبات نفسها في الميدان".
"ومع ذلك، وحتى مع كل التحفظات، فإن ما جرى يمثل تحولا جذريا، من منطق المنصات المركزية في حقبة الحرب الباردة -رادار ضخم، هدف ضخم، قابلية عالية للاستهداف- إلى منطق الشبكات في القرن الحادي والعشرين، حيث لم يعد هناك هدف واحد واضح، بل شبكة معقدة من منصات مستقلة وطائرات مسيرة ورادارات متنقلة"، يقول الموقع.
وتابع: "الهجوم الحالي على إيران ليس تكرارا لحرب الأيام الاثني عشر، فالرادارات التي كانت أهدافا رئيسة آنذاك لم تعد قلب المنظومة اليوم".
واختتم قائلا: “من يضرب الرادارات فقط قد لا يحقق شيئا حاسما، والسؤال الكبير الآن: هل يكفي هذا التحول لردع الهجوم الأميركي والإسرائيلي والصمود أمامه؟”

















