اقتصاد سوريا في عين العاصفة.. ماذا يعني استمرار التوترات الإقليمية لمسار التعافي؟

"ثمة تضخم إضافي نشأ خلال عام بسوريا نتيجة رفع سقف التوقعات والطموحات الاقتصادية"
في وقت كانت فيه سوريا تراهن على تدفق الاستثمارات لإطلاق مرحلة التعافي الاقتصادي بعد سنوات طويلة من الحرب والعزلة، جاءت الحرب الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية لتضع هذه الرهانات الاقتصادية أمام اختبار صعب.
فمع تصاعد التوترات، بدأت المؤشرات تشير إلى احتمال إعادة نظر دول الخليج في التزاماتها الاستثمارية الخارجية، في وقت كانت دمشق تعتمد على تدفق رؤوس الأموال من هذه الدول الشقيقة لدفع مسار إعادة الإعمار قدما.

ترقب في سوريا
وفي ظل حالة الترقب التي تعيشها سوريا، فإن أي تحول في أولويات الاستثمارات الإقليمية نحو دمشق قد يربك خطط التعافي وإعادة الإعمار، خاصة مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وتشير مؤشرات متزايدة إلى احتمال إعادة دول الخليج النظر في التزاماتها الاستثمارية الخارجية، في وقت تعول فيه دمشق على تدفق رؤوس الأموال الخليجية لدعم مسار إعادة الإعمار وتحفيز الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن أي تراجع في شهية الاستثمارات الخليجية قد يشكل تحديا مباشرا لخطط التعافي السورية، خصوصا أن جزءا كبيرا من التوقعات الاقتصادية الرسمية في دمشق يعتمد على استمرار تدفق الاستثمارات المستقبلية. كما تتصاعد المخاوف من احتمال إعادة تشكيل دور رأس المال الخليجي في الاقتصاد الإقليمي إذا استمرت الحرب بالوتيرة الحالية.
وكانت صحيفة فاينانشال تايمز قد ذكرت في تقرير نشر في 6 مارس 2026 أن دول الخليج قد تبدأ مراجعة استثماراتها الخارجية والتزاماتها المستقبلية، في إطار دراسة خيارات تخفيف الضغوط على الميزانيات الوطنية نتيجة الحرب الجارية في المنطقة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول خليجي قوله: إن الصراع الحالي قد ينعكس على مختلف أوجه النشاط الاقتصادي، بدءاً من تعهدات الاستثمار المقدمة لدول أو شركات أجنبية، مروراً برعاية الفعاليات الرياضية والعقود التجارية، وصولاً إلى احتمال إعادة النظر في بعض الأصول الاستثمارية، خاصة إذا استمرت التكاليف المرتبطة بالحرب على نفس الوتيرة.
وعلى مدى عقود، ارتكز الصعود الاقتصادي لدول الخليج على ركيزتين أساسيتين؛ تتمثل الأولى في تحول مدنها سريع النمو إلى ملاذات آمنة في منطقة مضطربة، بينما تتمثل الثانية في استمرار تدفق عائدات صادرات الطاقة دون انقطاع. إلا أن التطورات الأخيرة بدأت تثير تساؤلات حول مدى صمود هاتين الركيزتين في ظل تصاعد الصراعات الإقليمية.
وأوضح المسؤول الخليجي أن عدداً من دول الخليج تجري مراجعات داخلية لتقييم إمكانية تفعيل بنود القوة القاهرة في بعض العقود القائمة، إضافة إلى إعادة النظر في الالتزامات الاستثمارية الحالية والمستقبلية بهدف تقليل الضغوط الاقتصادية المحتملة الناتجة عن استمرار الحرب.
ومنذ نهاية حكم بشار الأسد في أواخر عام 2024، شهدت سوريا تحولا اقتصاديا نسبيا بعد سنوات من العزلة والعقوبات الغربية؛ حيث سعت الحكومة السورية إلى إعادة تأكيد دور البلاد كبيئة جاذبة لرجال الأعمال والمستثمرين المحليين والخارجيين.
وترافق ذلك مع انفتاح عربي ودولي نسبي لدعم الاقتصاد السوري بعد التحرر من جزء من القيود الاقتصادية السابقة، في محاولة لتسهيل عملية إعادة الإعمار ورفع مستوى النشاط الاقتصادي وتحسين الدخل الوطني وتعزيز القوة الشرائية.
ومنذ ذلك الحين، تبنت الحكومة السورية سياسات تهدف إلى جذب الاستثمارات عبر تحسين بيئة الأعمال وتحديث التشريعات الاقتصادية، وكان من أبرزها إصدار المرسوم رقم (114) لعام 2025 الذي عدل بعض مواد قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021، بهدف معالجة التحديات السابقة التي حدّت من تدفق رؤوس الأموال، مثل ضعف الضمانات القانونية وتعقيد الإجراءات الإدارية.
وتسعى دمشق إلى جذب استثمارات تفوق التعهدات المعلنة فعليا من قبل قطر والسعودية؛ حيث أكد الرئيس السوري أحمد الشرع في أكثر من مناسبة أن الحكومة تجري محادثات مع عدة دول، من بينها الكويت والبحرين والأردن وتركيا، بهدف توسيع قاعدة الاستثمارات الأجنبية.
وفي هذا الإطار، أعلن رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي أن حجم الاستثمارات المسجلة خلال عام 2025 بلغ نحو 56 مليار دولار أميركي، مشيراً إلى أنها شملت قطاعات التطوير العقاري والطاقة والسياحة والزراعة والصناعة وغيرها من القطاعات الحيوية.
وأكد الهلالي وجود توجه استثماري لتعزيز قطاع الزراعة، نظراً لوجود نحو 500 مليون شجرة زيتون في سوريا، إضافة إلى ما يتمتع به زيت الزيتون السوري من جودة عالية تجعله منتجاً تصديرياً من الدرجة الأولى.
كما أشار إلى خطط لإعادة تأهيل معامل إنتاج السكر، إلى جانب استثمارات مرتقبة في قطاعي النفط والغاز وقطاعات اقتصادية أخرى، موضحاً أن الفرص الاستثمارية متاحة حالياً في مختلف المناطق السورية، وأن هذه المرحلة تُعد محفزة وجاذبة للمستثمرين، رغم توقع اشتداد المنافسة خلال السنوات المقبلة.

زعزعة الرهانات
في ظل اقتصاد هش وتكاليف إعادة إعمار تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات، تبدو سوريا أكثر عرضة لارتدادات الصراع الإقليمي؛ إذ قد لا تقتصر تداعيات الحرب على ساحات القتال فحسب، بل تمتد إلى موازين الاستثمار والتمويل في المنطقة، ما يهدد أحد أبرز رهانات المرحلة الجديدة في البلاد.
ويُقدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نحو 16.5 مليون سوري يحتاجون إلى دعم إنساني، أي ما يقرب من 70 بالمئة من السكان، في ظل تدهور واضح في مستويات المعيشة. كما صنّف برنامج الأغذية العالمي سوريا ضمن 18 بؤرة ساخنة للجوع في العالم لعام 2026، مشيرا إلى الأضرار العميقة التي لحقت بالقطاع الزراعي، وضعف الاقتصاد، وتدهور الوضع الأمني، وارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي.
ومنذ التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024، عاد نحو 1.2 مليون سوري طوعا من الدول المجاورة، وفق تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في حين عاد نحو مليوني نازح داخلي إلى مناطقهم من أصل نحو خمسة ملايين نازح داخليا. ويأتي ذلك وسط ضغط متزايد على الخدمات المحلية وفرص العمل ومتطلبات إعادة الإعمار.
وتتراوح كلفة إعادة إعمار سوريا، وفق تقديرات مؤسسات دولية، بين 250 و400 مليار دولار، بينما أشار تقرير لـالبنك الدولي صدر في أكتوبر 2025 إلى أن تكلفة الأضرار الاقتصادية تجاوزت 216 مليار دولار، مع احتمال أن يكون الرقم الفعلي أعلى من ذلك. وتركزت معظم الخسائر في البنية التحتية وقطاع الإسكان، إلى جانب قطاعات النقل والطاقة والمياه والصرف الصحي.
وعلى مدى أكثر من عقد، انكمش الاقتصاد السوري بأكثر من 50 بالمئة، فيما فقدت العملة المحلية نحو 99 بالمئة من قيمتها، ما عمّق الأزمة الاقتصادية ورفع معدلات الفقر.
وفي هذا السياق، قال الرئيس السوري أحمد الشرع في نوفمبر 2025: إنّ بلاده نجحت في جذب استثمارات بنحو 28 مليار دولار خلال عشرة أشهر. مشيرا إلى تعديل التشريعات الاستثمارية للسماح للمستثمرين الأجانب بتحويل رؤوس أموالهم إلى الخارج.
كما أكّد خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، بحضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أن الحكومة السورية تعمل على تحسين البيئة الاستثمارية وتسهيل حركة رؤوس الأموال.
ترقب اقتصادي
يرى الباحث السوري ومدير موقع “اقتصادي” يونس الكريم أن التصعيد العسكري في المنطقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، قد يشكل ضغطا مباشرا على الاقتصاد السوري.
ويشير الكريم إلى أن البنية الإنتاجية للاقتصاد السوري باتت شديدة الهشاشة بعد سنوات الحرب، مع اعتماد واسع على الاستيراد لتأمين الاحتياجات الأساسية. كما أن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تبنتها الحكومة الحالية تهدف إلى تحقيق قدر من التعويم السياسي والاقتصادي، لكنها جعلت الاقتصاد أكثر حساسية للتقلبات الإقليمية.
ويضيف أن الاقتصاد السوري يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، خاصة بعد تراجع النفوذ الاقتصادي للحلفاء السابقين، ما دفع بعض الدول العربية إلى محاولة تعويض هذا الفراغ عبر تقديم أشكال مختلفة من المساندة.
ويرى الباحث أن الرهان السوري يتجه بشكل أساسي نحو رؤوس الأموال الخليجية، خصوصا من السعودية وقطر، وإلى حد أقل من الإمارات العربية المتحدة، باعتبارها الجهات القادرة على تمويل مشاريع إعادة الإعمار واسعة النطاق.
ويحذر الكريم من أن استمرار عدم الاستقرار الإقليمي قد يدفع المستثمرين إلى تجميد المشروعات عالية المخاطر، خاصة في بيئة تتسم بضعف الأمن، وتراجع القوة الشرائية، وتدهور البنية التحتية.
كما أشار إلى احتمال انتقال جزء من رؤوس الأموال الخليجية إلى مراكز مالية أكثر استقرارا مثل سنغافورة ووجهات اقتصادية في شرق آسيا.
وفي ظل هذه المعطيات، قد تضطر الحكومات الخليجية إلى إعادة توجيه مواردها نحو دعم اقتصاداتها الداخلية ومشاريعها الوطنية، ما قد يؤدي إلى تأجيل الاستثمارات الخارجية المرتبطة بسوريا إلى حين اتضاح ملامح الاستقرار الإقليمي.
ويلفت الكريم إلى أن شهية المستثمرين للاستثمار في سوريا ما تزال محدودة رغم رفع جزء من العقوبات الغربية، إذ لا تزال القيود الإجرائية والبيروقراطية تشكل عائقا أمام الاستفادة الفعلية من هذا التغيير.
ويشير إلى ما وصفه بـ"العقوبات السلبية"، أي استمرار تأثير العقوبات الاقتصادية رغم الإعلان الرسمي عن تخفيفها، نتيجة تعقيدات التعاملات المالية والتجارية.
كما يؤكد أن الإطار القانوني للاستثمار في سوريا ما زال يعاني ضعفا واضحا؛ إذ تعتمد بعض المعاملات على العلاقات الشخصية أو النفوذ الإداري في ظل غياب مؤسسات تنظيمية قوية تضمن حقوق المستثمرين.
ويضيف أن الحكومة السورية لم تضع حتى الآن خطة شاملة واضحة لإعادة إعمار المناطق المتضررة، ما يكرس حالة من عدم اليقين الاقتصادي والسياسي.
ويختم الكريم بأن انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر، إلى جانب ضعف برامج التأهيل والتدريب في سوق العمل، عوامل تجعل البيئة الاستثمارية أقل جاذبية للشركات الدولية، حيث قد تكون التكاليف غير المباشرة للاستثمار أعلى من العوائد المتوقعة، ما يحد من تدفق رؤوس الأموال إلى السوق السورية في المرحلة الراهنة.

تفاقم المخاطر
خلال زيارة وفد من صندوق النقد الدولي إلى سوريا في نوفمبر 2025، أشار إلى وجود مؤشرات على "التعافي وتحسن الآفاق"، وأرجع ذلك إلى الرفع التدريجي للعقوبات، وعودة اللاجئين، وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
ومع ذلك، حذر المحللون من مخاطر الفساد وغياب خطة وطنية أو دولية واضحة لتوجيه الاستثمار وإعادة الإعمار. ويشير ذلك إلى أن إعادة هيكلة الاقتصاد السوري وإعادة توزيع الأصول التي كانت تحت سيطرة نظام بشار الأسد تعتمد على العديد من الشخصيات التجارية نفسها التي كانت موجودة في عهد النظام السابق.
ولا يزال ربع السوريين تقريبا يعيشون في فقر مدقع، وسط محدودية فرص العمل للعاطلين، ورغم ذلك، توقع تقرير للبنك الدولي نشر في يوليو 2025 أن ينمو الاقتصاد السوري بنسبة 1 بالمئة خلال العام نفسه.
ويشير الباحث يونس الكريم إلى أن "هذا الواقع يضعف القدرة على التنبؤ بالمستقبل الاقتصادي؛ إذ لا يعرف السوريون ولا المستثمرون الاتجاه الذي ستسلكه السياسة الخارجية للبلاد". ويتساءل: "هل ستتجه سوريا نحو الغرب وتنخرط في الصراع ضد إيران، بما قد يفتح الباب أمام تصعيد جديد داخل البلاد؟ أم ستتجه نحو روسيا؟ أم ستسعى إلى البقاء على الحياد؟"
ويضيف الكريم أن "هذا الغموض وغياب الشفافية يثيران مخاوف المستثمرين ويجعلان البيئة الاستثمارية أكثر خطورة".
كما يشير إلى التضخم المتراكم، الذي "ينعكس في عدة مظاهر اقتصادية، أبرزها التضخم الموروث من مرحلة حكم نظام الأسد، ثم تضخم إضافي نشأ خلال العام الماضي نتيجة رفع سقف التوقعات والطموحات الاقتصادية دون وجود موارد حقيقية كافية، إضافة إلى سياسات أسهمت في تبديد الموارد المالية ورفع توقعات السوق".
وفي الوقت نفسه، شهدت الأسواق إنفاقًا محدودًا على بعض السلع الكمالية، خاصة من قبل السوريين القادمين من الخارج، ما أسهم في ارتفاع التكاليف الداخلية المرتبطة بإعادة الإعمار. ويؤكد الكريم أن "ارتفاع الأسعار بدلًا من خفض القدرة الشرائية أدى إلى جعل مشاريع إعادة الإعمار أقل جدوى اقتصاديًا، مع زيادة تكاليف العمالة ومواد البناء".
وعلى المستوى الخارجي، يشير إلى أن الحرب الإقليمية وعدم الاستقرار الأمني أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار مواد البناء وتعقيد سلاسل التوريد، حيث ارتفعت بعض السلع بنسب تتراوح بين 15 و50 في المئة، فيما زادت أسعار المواد المرتبطة بالطاقة بنسبة قد تصل إلى 125 في المئة، ما أسهم في تضخم كلفة المشاريع.
ويخلص الكريم إلى أن "هذه العوامل مجتمعة تؤثر على إعادة الإعمار في سوريا وتضعف فرص الاستقرار الاقتصادي، وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار هو الانطلاق من الداخل عبر إصلاحات بنيوية حقيقية".
ويؤكد أن "الرهان على الانطلاق من الخارج، عبر إعادة إدماج سوريا في النظام الإقليمي وفتح الباب أمام الاستثمارات العربية والتركية، أثبت محدوديته، وربما أسهم في خلق حالة سياسية هشة قد تؤدي إلى انتكاسات جديدة".
ويختم الكريم بالقول: إن "التطورات الإقليمية الحالية قد تمثل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات داخليًا، عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز دورها وصلاحياتها، والعمل على إصلاح البنية الاقتصادية والقانونية، أما في حال عدم حدوث ذلك، فمن المرجح أن يستمر الفشل، خاصة أن أحد أهم رهانات السلطة الحالية كان يعتمد على الاستثمارات الخليجية".


















