حكم بالسجن 20 عاما للغنوشي.. قرار سياسي أم عدالة على المقاس؟

"شيخ العقد التاسع انتزع بفضل غباء سلطة المنقلب قيس سعيد لقب سجين كل العصور"
تواصل السلطة القضائية التابعة للرئيس التونسي قيس سعيد تأكيد اصطفافها طرفاً في مواجهة رموز الثورة والعمل الإسلامي والسياسي، وعلى رأسهم راشد الغنوشي.
وأصدرت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية في تونس، يوم الثلاثاء 14 أبريل/نيسان 2026، فيما يُعرف بقضية "المسامرة الرمضانية"، حكماً بالسجن لمدة عشرين عاماً بحق رئيس البرلمان السابق ورئيس حركة النهضة الغنوشي.
وذكرت الحركة، في بيان لها بالمناسبة، أن "الأحكام الجائرة في هذه القضية نالت عدداً من القيادات السياسية، من بينهم النواب السابقون أحمد المشرقي وبلقاسم حسن ومحمد القوماني، ووزير الخارجية السابق رفيق عبد السلام، وعضو مجلس الشورى يوسف النوري، والمسؤول السابق لشباب النهضة بالجامعة محمد شنيبة، إلى جانب عدد من الشخصيات المستقلة".
وأدانت الحركة "بشدة هذه المحاكمة الظالمة والكيدية"، مشيرة إلى أن هيئة الدفاع أثبتت أن مجريات القضية انطلقت من فيديو مفبرك وغير مطابق للفيديو الحقيقي للمسامرة الرمضانية، فضلاً عما شاب عملية الإيقاف من خروقات، إذ تمت دون استدعاء مسبق، مع تعمّد حرمان الأستاذ راشد وبقية الموقوفين من حقهم في حضور محاميهم.
وأضافت أنه "تم، عقب ذلك مباشرة، غلق المقر المركزي للحزب دون إذن قضائي بدعوى التفتيش، ولا يزال مغلقاً حتى اليوم خارج أي إطار قانوني، رغم انتهاء أعمال التفتيش وتحرير محضر في الغرض منذ سنوات".
وجدّدت الحركة التأكيد على أن سياق الدعوة التي أطلقها الغنوشي خلال المسامرة الرمضانية، وبحضور رموز من المعارضة السياسية، كان يدعو إلى الوحدة الوطنية ونبذ الإقصاء والعنف والتحذير من الفرقة، خلافاً لما ذهبت إليه تأويلات التحقيق في القضية.
كما عبّرت عن رفضها القاطع لطبيعة هذه المحاكمة السياسية التي يُحاكم فيها الرأي المخالف، ويُصادر فيها الحق في التنظيم، وتُنتهك فيها الحقوق الدستورية، لا سيما حرية التعبير والرأي وحرية التنظيم وممارسة العمل السياسي.
وأدانت الحركة توظيف القضاء وقانون مكافحة الإرهاب لإقصاء المعارضين السياسيين، واستهداف حرية الرأي والتعبير والنشاط السياسي، مقدرة أن ذلك يأتي في إطار ترهيب المواطنين والتغطية على الفشل في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والعجز عن الحد من تدهور الظروف المعيشية للتونسيين.
انزلاق خطير
عدد من الهيئات والمؤسسات والقوى عبرت عن رفضها للأحكام التي القضائية التي استهدفت راشد الغنوشي ومن معه في القضية.
وفي هذا الصدد، عبرت "جبهة الخلاص الوطني" المعارضة للرئيس قيس سعيد، عن بالغ الاستنكار والاستهجان للأحكام القضائية.
وأشارت الجبهة في بيان بتاريخ 15 أبريل 2026، أن القضيّة تعود إلى مسامرة رمضانية جرى تنظيمها منذ ثلاث سنوات في إطار إحياء الذكرى الأولى لتأسيس جبهة الخلاص الوطني.
وذكرت أن "هذه الأحكام تمثّل حلقة جديدة في مسار توظيف القضاء لتجريم العمل السياسي السلمي والتضييق على حرية الرأي والتعبير والتنظّم".
ورأت الجبهة أن "خطورة هذه الأحكام لا تكمن فقط في قساوتها، بل في دلالتها الواضحة على تواصل الانزلاق الخطير نحو تجريم أبسط أشكال الفعل السياسي والمدني، بما يهدّد أسس دولة القانون ويقوّض ما تبقّى من ضمانات المحاكمة العادلة".
ودعا البيان إلى "الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين على خلفية سياسية، ووضع حدّ لتوظيف القضاء في الصراعات السياسية"، محملا "السلطة القائمة المسؤولية الكاملة عن انسداد آفاق العمل السياسي وتدهور الأوضاع الاجتماعية واعتماد القضايا والمحاكمات أداة وحيدة في التعامل مع معارضيها".
كما دعت الجبهة القوى الوطنية الديمقراطية كافة إلى توحيد الجهود من أجل الدفاع عن الحريات واستعادة المسار الديمقراطي، في إطار نضال سلمي مسؤول.
من جانبها، أكدت هيئة الدفاع عن راشد الغنوشي أن الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بتونس في حق الغنوشي يفتقر إلى أسس المحاكمة العادلة، معتبرة أن القضية ذات خلفية سياسية وتمسّ من حرية الرأي والتعبير.
وأوضحت الهيئة، وفق ما نقل موقع "توميديا" المحلي بتاريخ 16 أبريل 2026، أن منوبها قاطع كامل أطوار المحاكمة منذ إيقافه في 17 أبريل 2023، احتجاجا على ما وصفته بخروقات إجرائية، من بينها عدم توجيه استدعاء مسبق له، ومنع المحامين من حضور الاستماع الأولي، إضافة إلى اعتماد قانون مكافحة الإرهاب في قضية لا تندرج ضمن هذا الإطار.
كما شددت هيئة الدفاع أن التصريحات المنسوبة إلى الغنوشي خلال “المسامرة الرمضانية” تم تحريفها، مؤكدة أنها كانت تدعو إلى التعايش والوحدة الوطنية ونبذ الإقصاء.
وأكدت الهيئة تمسكها بحقوق منوبها القانونية، بما في ذلك الطعن في الحكم، رغم ترجيحها أن يرفض الغنوشي سلوك هذا المسار.

سجين كل العصور
أكد المحلل السياسي والناشط الإعلامي التونسي نصر الدين سويلمي، أن هذا الحكم الجديد ضد الشيخ الغنوشي يأتي في الذكرى الثالثة لسجنه، حيث مازال الشيخ الأسير يراكم جهاده، ويدثر رصيده، ويجابه خصومه بالأرقام والإنجازات.
وأضاف سويلمي لـ "الاستقلال" أن شيخ العقد التاسع انتزع بفضل غباء سلطة المنقلب قيس سعيد لقب سجين كل العصور، سجين كل الدكتاتوريات، سجين الأحكام الثقيلة وشبح الإعدامات.
واسترسل، فالزعيم الإسلامي الذي وصلت الأحكام الصادرة في حقه من طرف الدكتاتورية الجارية إلى 60 سنة، سبق وحكمت عليه دكتاتورية بورقيبة في عام 1981 بالسجن 11 عاما.
وتابع سويلمي، "كما حكمت عليه نفس الدكتاتورية في العام 1987 بنفس الحكم، كما طالب بورقيبة بإعدامه. أما دكتاتورية بن علي فقد حكمت عليه في العام 1991 بالسجن مدى الحياة. ومرة أخرى بنفس الحكم في العام 1998".
وأردف، بعد النشأة القومية في بداية شبابه، بدأت النشأة الإسلامية للشيخ السجين في عام 1965، حين ذهب في رحلة لمدة ستة أشهر إلى أوروبا، حيث زار تركيا، بلغاريا، يوغسلافيا، النمسا، ألمانيا، وفرنسا...
ويرى الناشط السياسي أن رحلة الشيخ في هذه العقود يمكن وصفها برحلة انتصار لثوابت الأمة وهويتها، رحلة انتصار للحرية وللإنسان، رحلة طويلة قوامها 60 سنة من الكفاح.
وأشار سويلمي إل أن الغنوشي صارع الدكتاتوريات، أسس حركة تصدرت المعارضة من عام 1980، وأسندت الثورة والانتقال في عشرية الصمود، وفازت في كل أو جل المنافسات الانتخابية من 1989 إلى 2019، كما أسهم في تكوين وتأطير شباب الصحوة...
ونبه المتحدث ذاته إلى أن الغنوشي كان تحت عدسات مخابرات الغرب وأيديولوجياتهم وعبيدهم وخدمهم وثوراتهم المضادة وفى الاستئصال دون أن يجدوا ما يدينه.
ورأى سويلمي أن الغنوشي يدفع الآن بهذه الأحكام الظالمة والجائرة ثمن وقفه ضد الانقلاب ورفضه له، وهو في هذا السن، مما ضاعف حقد خصومه عليه.
أحكام مسخرة
مع ورود اسمه ضمن المحكوم عليهم في "قضية المسامرة"، رأى وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام، أن "النظام الانقلابي فقد عقله وصوابه بعدما حول القضاء إلى مسخرة عالمية لا نظير لها في أي دولة في العالم لشدة عبثه".
وشدد عبد السلام في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك بتاريخ 15 أبريل 2026، أن الأحكام بعقدين من الزمن ضد رئيس البرلمان الشرعي بعقدين، وأحكام أخرى متفاوتة بحق قيادات أخرى من النهضة، في مسامرة رمضانية لم تخرج عن نطاق النقاش الفكري والسياسي.
وأردف، "أما العبد الفقير إلى ربه فكان نصيبه عقدين من الزمن في مسامرة لم أكن موجودا فيها، بل لم أكن موجودا في تونس أصلا، وهذا يضاف إلى ما يزيد عن قرن من الأحكام السابقة".
وأكد عبد السلام أن "ما يجري في تونس خارج مقتضيات المنطق والعقل وبديهيات السياسة ومبادئ القضاء، ولست متأكدا إن كان هذا الجنون يصدر عن الحاكم بأمره ونزواته المنفلتة من عقالها، أم أن كل المنظومة تدفع باتجاه هذا الضرب من العبث والجنون لغاية في نفس يعقوب".
كما نشر حساب راشد الغنوشي على فيسبوك منشورا للصحفية والناشطة البريطانية إيفون ريدلي، عبرت خلاله عن إدانتها لما وصفته بـ "جبن من يزجّون بكبار السن والحكماء في السجون".
وذكرت ريدلي أن "احتجاز الشيخ راشد الغنوشي ليس مجرد إخفاق قانوني، بل هو حرب على قيم الأمة في عمر 84 عاما، حيث يقف الشيخ الغنوشي شامخا أكثر من أيٍّ من آسريه".
وقالت الناشطة البريطانية: إن الأحكام تراكمت على الغنوشي بأحكام بالسجن عشرات السنين هي محاولة يائسة لإسكات صوته، مشددة أن "الرجل الذي قضى عقودا بين المنفى والسجن بسبب إيمانه لا يخشى القضبان الحديدية".
ووصفت ريدلي الغنوشي بأنه "أسد يرفض الخضوع لوهم الوصاية ويختار الزنزانة على قيود دكتاتورية جديدة"، مطالبة بالإفراج الفوري عنه واستعادة العدالة في تونس.
جبر الضرر
النهج الانتقامي من السلطات التونسية في حق راشد الغنوشي انتقده فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي في الرأي رقم 63/2025، والذي خلص فيه إلى أن احتجاز رئيس البرلمان التونسي المنحلّ، هو احتجاز تعسفي، داعيا إلى الإفراج الفوري عنه.
جاء هذا القرار عقب طلب مشترك قدمته "منظمة الكرامة" و"جمعية ضحايا التعذيب في تونس" (AVTT) نُشر بتاريخ 23 مارس/آذار 2026.
وأشار الفريق الأممي إلى أن اعتقال الغنوشي في 17 أبريل 2023 من داخل منزله تم دون مذكرة توقيف، وتبعه احتجاز سري لمدة 48 ساعة، حيث لم يتم الكشف عن مكان احتجازه لعائلته أو لمحاميه.
وذكّر الخبراء أن احتجاز الغنوشي ناتج عن ممارسته السلمية لحقوقه، لا سيما حرية التعبير، وأن ظروف احتجازه انتهكت حقه في محاكمة عادلة، من خلال حرمانه من إعداد دفاعه، وعرقلة حصوله على مساعدة محامٍ، وعقد جلسات محاكمة في غيابه.
وبحسب فريق العمل الأممي، فإن هذه الإخلالات الجسيمة تجعل الحرمان من الحرية تعسفيا وغير قانوني.
وأكد فريق العمل أيضا أن هذا الاحتجاز ذو دوافع سياسية. ففي رأيه، أوضح أن احتجاز الغنوشي بصفته قائدا لحزب النهضة يهدف إلى معاقبة أعضاء الجماعات السياسية لإسكات مطالبهم.
وبعبارة أخرى، ووفقا لخبراء الأمم المتحدة، فإن الغنوشي مستهدف بسبب دوره السياسي وانتمائه إلى حزب النهضة، وليس لسبب قانوني مشروع.
كما ذكّر الخبراء بأن الغنوشي، البالغ من العمر 84 عاما والمصاب بمرض باركنسون، يجب أن يُعامل "بإنسانية وباحترام الكرامة المتأصلة في الإنسان لذاته".
وقد أعلن فريق العمل أن "الإجراء المناسب يتمثل في الإفراج الفوري عن الغنوشي ومنحه الحق في جبر الضرر"، داعيا إلى فتح تحقيق مستقل بشأن الانتهاكات التي تم توثيقها.

مناصرة دولية
في السياق، وبمناسبة الذكرى الثالثة لاعتقاله التعسفي أدانت الهيئة الدولية لمناصرة راشد الغنوشي بأشد العبارات استمرار احتجازه التعسفي والتفكيك المتسارع للحريات الأساسية في تونس.
وقالت الهيئة في بيان بتاريخ 17 أبريل 2026، إن الغنوشي، وبعد ثلاث سنوات من اعتقاله، ما يزال محتجزا ظلما وعدوانا، مشددة أن احتجازه لا تعد مسألة قضائية معزولة، بل يندرج ضمن مسعى ممنهج لضرب مكاسب الثورة وإسكات المعارضة، وتقويض ما تبقى من ظلال باهتة للتعددية السياسية، وترسيخ الحكم الاستبدادي.
ورأى المصدر ذاته أن قضية الغنوشي تعكس نمطا أوسع ومقلقا للغاية، حيث شهدت تونس منذ 2021 حملة غير مسبوقة ضد المعارضين السياسيين والصحفيين والمحامين والنقابيين ونشطاء المجتمع المدني، مع تضييق متزايد على الفضاء المدني.
ونبهت الهيئة إلى أن استمرار احتجاز الغنوشي يُمثل تجسيدا لاعتداء أوسع على الديمقراطية وانتهاكا جسيما لالتزامات تونس بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
هذا وحمل البيان توقيع عدد من رموز العمل السياسي والحقوقي والأكاديمي والإسلامي وفي مقدمتهم محمد المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية التونسية الأسبق، وحارث سيلاديتش وبكير علي عزت بيكوفيتش رئيسا المجلس الرئاسي سابقا للبوسنة والهرسك.
وكذا مصطفى شنطوب رئيس البرلمان التركي السابق، وفريد حجاب رئيس الحكومة السورية الأسبق، وعبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني رئيسا الحكومة المغربية السابقة والأسبق، ومصطفى أبو شاقور رئيس الحكومة الليبية الأسبق، وطارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية العراقية الأسبق.
ومنهم أيضا السفير دافيد ل ماك نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى الأسبق، والمفكر العربي عزمي بشارة، ورئيس منتدى الشرق وضاح خنفر رئيس منتدى الشرق، واللورد جون ألدردايس رئيس البرلمان الإرلندي السابق، واللورد دانيال هانن عضو مجلس اللوردات البريطاني.
كما حمل توقيع الدكتورة نورحياتي علي السقاف نائبة رئيس الإتحاد البرلماني الدولي سابقا، والبروفيسور ريتشارد فولك المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة للأراضي الفلسطينية، وتوكل كرمان حائزة على جائزة نوبل للسلام، وماندلا مانديلا نائب برلمان وحفيد الرئيس نلسون مانديلا.
ومن الموقعين أيضا بلال رجب طيب أردوغان رئيس الاتحاد الدولي للرياضة الشعبية، ونور العزة أنور إبراهيم نائبة سابقة في البرلمان الماليزي، والسفير جيزابي سكوناميليو سفير سابق ورئيس مؤسسة الشرق والغرب بإيطاليا، وأيمن نور رئيس إتحاد القوى الوطنية المصرية والمرشح السابق للرئاسة.
هذا ووقع البيان شخصيات أخرى من مثل ياسين أقطاي، إبراهيم رسول، كمال الجندوبي، المصطفى الرميد، إدريس الأزمي الإدريسي، عبدالمجيد مناصرة، نعيم الغرياني، محمد صالح بن عمار، أحمد القديدي، عبدالرزاق المقري، مروى قاوقجي، عبدالوهاب الأفندي، أنا قوماز، محمد الفقي، محمد دنقور، وحسين كافازوفيتش.
ومنهم أيضا مصطفى سيريتش، برهان غليون، محمد المختار الشنقيطي، البروفيسور جون إسبوزيتو أكاديمي، البروفيسور نادر هاشمي، البروفيسور تامارا صان، البروفيسور جون كين، سارة لي، البروفيسور لاري دايموند أكاديمي، السفير رضا بن خلدون، البروفيسور فرنسوا بورغا، أوليفار مكترنان، البروفيسور لين والشمان، البروفيسور جوسيلين سيزاري، والبروفيسور ميشال دان، البروفيسور جون أنتيليس، البروفيسور أندرو مارش، البروفيسور فواز جرجس، البروفيسور فيليب شميتر، البروفيسور جون دان، والبروفيسور بيورن أولاف أوتفيك، والبروفيسور هالة الباجي.

















