"حظر الجزيرة".. كيف صُنعت الحملة المشبوهة ضد قناة قطر؟ ومن يقف خلفها؟

ييغال كارمون، هو عقيد متقاعد من جهاز الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيل
في ظل استمرار الحرب التي يصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة بأنها "حرب على سبع جبهات"، بما فيها غزة، واتساع رقعة التوتر من غزة إلى لبنان وإيران والضفة الغربية وما وراءها، تعود قناة الجزيرة لتتصدر مجددًا واجهة الجدل، ليس في سياق تغطية الصراع فحسب، بل بوصفها جزءًا من معركة إعلامية متصاعدة.
ففي 13 أبريل/نيسان 2026، نشر "معهد جيتستون" الأميركي تقريرًا بعنوان: "لماذا يجب حظر قناة الجزيرة القطرية"، دعا فيه صراحة صناع القرار في الغرب إلى بحث إمكانية تصنيف الشبكة ككيان داعم للإرهاب، في طرح يتجاوز حدود النقد الإعلامي إلى دعوة لاتخاذ إجراءات سياسية وأمنية ضدها.
ولا يُنظر إلى هذا التقرير بوصفه مادة تحليلية عابرة، بل كحلقة جديدة ضمن مسار أوسع يهدف إلى نزع الشرعية عن واحدة من أكثر الشبكات العربية حضورًا في تغطية الحروب، وإعادة تعريفها من مؤسسة إعلامية إلى هدف في الخطاب الغربي المحافظ والمتشدد.
وتكتسب هذه التطورات دلالة إضافية عند قراءتها في سياق قرار إسرائيل إغلاق مكاتب الجزيرة داخل أراضيها في مايو/أيار 2024، بموجب قانون قالت إنه يرتبط بالأمن القومي، في حين ردت الشبكة بأن تلك الاتهامات "كاذبة وخطيرة" وتعرض سلامة صحفييها للخطر.
ويستند تقرير "جيتستون"، الذي كتبه بسام طويل إلى بنية خطابية تبدأ باتهامات إسرائيلية لصحفيين في الجزيرة، ثم تتوسع لاتهام الشبكة بأنها منصة دعائية لحركة "حماس"، قبل أن تنتهي بالدعوة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة ضدها.
كما يستعرض أسماء عدد من الصحفيين والمراسلين العاملين في الشبكة الذين قتلوا خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، مثل محمد وشاح وأنس الشريف وإسماعيل الغول وآخرين، بصفتهم في سياق رواية التقرير أمثلة على ما يصفه باستخدام الغطاء الصحفي لأغراض غير مهنية.
إلا أن التقرير، بحسب ما يورد خصومه، لا يقدم أدلة مستقلة جديدة بقدر ما يعيد إنتاج روايات صادرة عن الجيش الإسرائيلي أو جهات أمنية إسرائيلية، ثم يبني عليها استنتاجًا سياسيًا يدعو إلى حظر الشبكة.
وبذلك، ينتقل الجدل من اتهامات تنال أفرادًا إلى استهداف مؤسسة إعلامية كاملة، في محاولة لوضعها من خانة "المؤسسات المزعجة" إلى خانة "الأهداف السياسية والأمنية".

كيف صنع التقرير؟
الأكثر دلالة أن التقرير لا يخفي مصادر مادته الأساسية، بل يعتمد بكثافة على "معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط" المعروف اختصارًا بـMEMRI، ويضع تصريحات رئيسه ييغال كارمون في صلب بنيته التحليلية.
ويستعيد النص، إلى حد كبير، المقولات التي ينسبها إلى كارمون، والتي تصف قناة الجزيرة بأنها دعمت على مدى سنوات جماعات متطرفة، وأنها منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحولت إلى منصة دعائية تخدم حركة "حماس" على مدار الساعة.
وتكمن أهمية ذلك في طبيعة البناء ذاته؛ إذ لا يقدم كاتب "جيتستون" تحقيقًا ميدانيًا مستقلاً، ولا ينشر وثائق جديدة، بل يعيد تركيب ملف اتهامي قائم على اقتباسات جاهزة سبق إنتاجها في مؤسسات ذات مواقف سياسية معلنة تجاه قطر وقناة الجزيرة وحركات الإسلام السياسي.
وبذلك، لا يبدو التقرير في جوهره كشفًا جديدًا بقدر ما هو إعادة تدوير لمواد دعائية سابقة، أُعيد ترتيبها وتقديمها في سياق جديد يخدم دعوة سياسية واضحة: المطالبة بحظر القناة.

وفي هذا الإطار، يورد التقرير فقرة يحرص خصوم الجزيرة عادة على توظيفها، لا لإدانتها فقط، بل لأنها تكشف – من حيث لا يقصد النص – حجم الانتشار والتأثير الذي تتمتع به الشبكة.
وجاء فيه: "وفقًا لموقعها الإلكتروني، تمتلك الجزيرة أكثر من 70 مكتبًا حول العالم، وهي واحدة من أكبر وأكثر الشبكات الإخبارية الدولية تأثيرًا في العالم".
وأضاف: "بين عامي 2004 و2020، حصدت فيديوهات AJ+ على فيسبوك أكثر من 10 مليارات مشاهدة، وجمعت أكثر من 11 مليون متابع".
كما نقل عن المعلقة الباكستانية أمنا كوثر قولها في مارس/آذار 2026: "لقد تجاوزت الجزيرة قناتي CNN وBBC لتصبح الشبكة الإخبارية الدولية الأكثر مشاهدة في العالم؛ حيث وصلت القناة العربية إلى 400 مليون مشاهد أسبوعيًا".
وتكمن المفارقة في أن هذا الاقتباس ذاته يعكس جوهر الجدل؛ فالمسألة بالنسبة لخصوم الجزيرة لا تتعلق فقط بالخط التحريري، بل أيضًا بحجم النفوذ والانتشار العالمي وقدرة الشبكة على منافسة المؤسسات الإعلامية الغربية الكبرى في سياق صراع سرديات محتدم على الوعي الدولي.

استهداف عسكري
ورغم ذلك، لا تبدو المادة المنشورة في “جيتستون” معزولة عن السياق الحربي العام، بل منسجمة معه إلى حدّ كبير. فإسرائيل، التي تواصل اتهام الشبكة بالتحريض، هي نفسها التي قتلت خلال الحرب عددا من صحفيي الجزيرة في غزة والضفة الغربية، وسط نفي متكرر من الشبكة لتلك الاتهامات، وتنديد مستمر من منظمات حماية الصحفيين بسقوط الإعلاميين في ساحة الحرب دون مساءلة.
وكانت وكالة “رويترز” قد نقلت في 8 أبريل/نيسان 2026 مقتل مراسل الجزيرة محمد وشاح في غارة إسرائيلية، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي كان قد اتهمه في فبراير/شباط 2024 بالارتباط بكتائب القسام، وهو ما نفته كل من حماس والجزيرة في حينه. كما أكدت لجنة حماية الصحفيين أن إسرائيل قتلت عدداً كبيراً من الصحفيين منذ بدء الحرب، دون أن تُسجّل محاسبة واضحة في أي من هذه الوقائع.
وبهذا المعنى، لا يظهر تقرير “جيتستون” كوثيقة منفصلة عن الميدان، بل كجزء من بيئة سياسية وإعلامية أوسع تتعامل مع الرواية الصحفية المستقلة بصفتها تهديداً ينبغي تطويقه.

وعند تناول التقرير لصحفيي الجزيرة الذين قُتلوا في الحرب، فإنه يعتمد على آلية مزدوجة: أولاً عبر توصيفهم كأهداف عسكرية، ثم إعادة صياغة روايات تبرّر استهدافهم بعد مقتلهم.
ففي حالة محمد وشاح، تورد إسرائيل رواية أمنية تزعم ارتباطه بكتائب القسام، غير أن “رويترز” أوضحت أن هذه المزاعم صادرة عن الجيش الإسرائيلي، بينما نفتها حماس والجزيرة، دون صدور تعليق فوري من الجيش على واقعة مقتله يوم الضربة.
وبالمنطق ذاته، يُستدعى اسم الصحفي أنس الشريف ضمن روايات سابقة تحدثت عن دوره المزعوم في قيادة خلية تابعة لحماس، وهي اتهامات رفضتها الجزيرة، فيما أعادت وكالة “رويترز” التذكير بها بصفتها مزاعم إسرائيلية غير محسومة.
أما إسماعيل الغول، فيرد اسمه في تقرير “جيتستون” ضمن قائمة يُراد من خلالها تثبيت نمط اتهامي عام، رغم أن هذا النمط لا يستند إلى تحقيقات قضائية مستقلة، بل إلى روايات عسكرية تصدر عن طرف منخرط مباشرة في الحرب.
وتكتسب هذه الإشكالية خطورتها من كونها تأتي في سياق موثق بصفته شديد الخطورة على الصحفيين. فبيان شبكة الجزيرة عقب مقتل محمد وشاح لم يتعامل مع الحادثة كواقعة معزولة، بل كجزء من سياسة أوسع تستهدف الإعلاميين وإسكات التغطية الميدانية، مشيراً إلى أسماء عدد من صحفيي الشبكة الذين قُتلوا في غزة، من بينهم إسماعيل الغول وأنس الشريف.
وفي المقابل، تؤكد إسرائيل أنها تستهدف مقاتلين وبنى عسكرية، وأن وجود الصحفيين في مناطق القتال يعرّضهم بطبيعته للخطر. بينما تشير لجنة حماية الصحفيين إلى أن إسرائيل لم تُحاسب أي جهة على مقتل صحفيين على يد قواتها.
وهكذا، يصبح السؤال الجوهري أقل ارتباطاً بتكرار الاتهامات، وأكثر تعلقاً بطبيعة السردية التي تُبنى بعد كل استهداف: هل الهدف هو التحقيق في الوقائع، أم إعادة صياغتها بما يجرّد الضحية من صفته الصحفية ويحوّلها إلى هدف مشروع؟ في هذا السياق، يبدو تقرير “جيتستون” أقرب إلى إعادة إنتاج لهذه السردية، لا إلى مساءلتها.

من يقف خلف جيتستون؟
ويقود تفكيك خطاب المقال بالضرورة إلى تفكيك المنصة التي نشرته. فمعهد معهد جيتستون يعرّف نفسه بأنه مؤسسة أميركية غير ربحية، غير أن مراجعة موقعه الرسمي تكشف بوضوح تموضعه داخل بيئة فكرية محافظة تتبنى مواقف متشددة حيال قضايا الشرق الأوسط والهجرة والإسلام. كما تظهر نينا روزنوالد رئيسةً للمؤسسة.
واللافت أن مقال “لماذا يجب حظر قناة الجزيرة” تصدّر الصفحة الرئيسة للمعهد، إلى جانب محتوى آخر يركز بشكل مكثف على إيران وحركة حماس، إضافة إلى قضايا الهجرة في أوروبا من دول ذات غالبية مسلمة، وهو ما يعكس بوضوح أولويات المؤسسة وخطها التحريري والسياسي.
وفي هذا السياق، لا يقدم المعهد نفسه كمؤسسة أكاديمية محايدة تعمل وفق معايير بحثية صارمة، بل كمنصة ذات طابع أيديولوجي تسعى للتأثير في دوائر القرار وصناعة الرأي العام، خصوصًا داخل الأوساط المحافظة في الولايات المتحدة وأوروبا.
كما تكشف البيانات المنشورة على موقعه عن ارتباط جون بولتون بالمعهد؛ حيث شغل موقعًا قياديًا فيه. ويُعد بولتون من أبرز الشخصيات الجمهورية المعروفة بمواقفها المتشددة تجاه الشرق الأوسط وإيران، إضافة إلى تبنيه نهجًا صداميًا في السياسة الخارجية الأميركية.
ويشير الموقع أيضًا إلى أحد أبرز إنجازاته السياسية، والمتمثل في دعمه لإلغاء قرار الأمم المتحدة الذي كان قد ساوى بين الصهيونية والعنصرية، وهو ما يعكس بدوره الإطار الفكري والسياسي الذي يتحرك داخله عدد من الشخصيات المرتبطة بالمؤسسة.
وبحسب ما أورده منتقدون وتقارير متعددة، فقد وُجهت إلى “جيتستون” اتهامات متكررة بالانحياز ضد العرب والمسلمين والمهاجرين؛ حيث عده بعض الباحثين جزءًا من تيار أوسع ينتمي إلى اليمين المتشدد أو الخطاب المناهض للإسلام في الولايات المتحدة وأوروبا، خصوصًا فيما يتعلق بتناوله قضايا الهجرة وصورة المسلمين في المجتمعات الغربية.

ضابط استخبارات إسرائيلي
لكن بيت القصيد في هذه الحملة لا يقف عند “جيتستون” وحده، بل يمتد إلى المصدر الذي استند إليه المقال مرارًا، وهو معهد معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط (ميمري).
فالمعهد، بحسب تعريفه الرسمي، يتخذ من واشنطن مقرًا له، ويعلن أن هدفه هو “جسر فجوة اللغة بين الشرق الأوسط والغرب عبر ترجمة ومتابعة وتحليل الإعلام العربي والفارسي والتركي والأردي وغيرها”.
غير أن السيرة الرسمية المقدمة إلى الكونغرس الأميركي تشير بوضوح إلى أن مؤسس المعهد ورئيسه ييغال كارمون هو عقيد متقاعد في جهاز الاستخبارات العسكرية بالجيش الإسرائيلي.
وتوضح المصادر أنه عمل مستشارًا لمكافحة الإرهاب لدى رئيسي وزراء إسرائيليين، كما شارك ضمن الوفد الإسرائيلي في مفاوضات مع سوريا في مدريد وواشنطن، قبل أن يؤسس “ميمري” عام 1998.
وبذلك، فإن الشخصية التي يُستشهد بها اليوم في تقرير “جيتستون” بوصفها مرجعًا بحثيًا محايدًا، تحمل خلفية أمنية وسياسية تجعل من مداخلاتها جزءًا من سياق الصراع ذاته، لا تعليقًا خارجه.
ولا يقتصر الأمر على كارمون وحده؛ إذ تأسس المعهد أيضًا على يد ميراف وورمسر، وهي باحثة إسرائيلية أميركية شغلت مناصب في مراكز فكرية محافظة في واشنطن، وتُعد من الأسماء المؤسسة والمديرة التنفيذية السابقة للمعهد.
وتصف مصادر بحثية وإعلامية متعددة “ميمري” بأنه مؤسسة أثارت جدلًا واسعًا بسبب انتقائية موادها وتركيزها على أكثر المضامين العربية والإسلامية تطرفًا، بما يُسهم في تقديم صورة مختزلة ومشوّهة عن المنطقة للجمهور الغربي.
وقد أشار عدد من الأكاديميين والصحفيين، من بينهم الصحفي البريطاني في “الغارديان” براين ويتاكر، إلى أن المعهد يعتمد على انتقاء نصوص شديدة التطرف أو اقتطاعها من سياقاتها، مقابل تهميش الأصوات المعتدلة، بما يجعل ما يُقدَّم على أنه “جسر لغوي” أقرب إلى قناة ذات اتجاه أيديولوجي واحد، تنقل من الشرق إلى الغرب وفق غربلة انتقائية تخدم سردية سياسية محددة.
ومن هذا المنظور، يبدو تقرير “جيتستون” أقرب إلى منتج دعائي داخل شبكة متداخلة من المؤسسات والشخصيات ذات التوجهات المؤيدة لإسرائيل؛ حيث تستند منصة يمينية إلى مؤسسة ترجمة وتحليل أسسها ضابط استخبارات عسكرية إسرائيلي سابق وباحثة مرتبطة بالتيار المحافظ في واشنطن.
ثم تُبنى فوق ذلك دعوة سياسية صريحة إلى حظر قناة الجزيرة، بذريعة أنها باتت ـ بحسب التقرير ـ منصة يصعب احتواؤها أو إسكات تأثيرها.
وفي المحصلة، لا تكمن الإشكالية فقط في الخطاب المعادي للجزيرة، بل في المبدأ الذي يفترض أن تقوم عليه الصحافة في زمن الحروب: أن تكون شاهدًا على الوقائع، لا طرفًا في إعادة إنتاجها أو تبريرها.


















