مجلة أميركية: هل فقد السيسي السيطرة على مفاتيح استقرار مصر بعد حرب إيران؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

قالت باحثة تعمل لدى منظمة تابعة للوبي الصهيوني بالولايات المتحدة: إن رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، يواجه موجة غضب محدودة في خضم الحرب على طهران. مشيرة إلى أن تداعيات الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران تكشف ضعف "ديكتاتور مصر".

جاء ذلك في مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية للباحثة في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، مريم وهبة، أكدت فيه أن "هامش المناورة يضيق أمام السيسي".

وذكرت الباحثة مصرية الأصل أن "السيسي مُجبَل على معايشة الأزمات؛ فقد استولى على السلطة بانقلاب عسكري، وقضى أكثر من عقد من الزمن في مواجهة الانهيار الاقتصادي والاضطرابات السياسية والحروب التي امتدت عبر معظم حدود مصر".

ورت أن “وعده الوحيد للمصريين يتمثل في أن الفوضى مهما أحاطت بهم، فإن النظام داخل البلاد سيبقى قائما”.

ضغط الجبهات

لكن الهجوم المشترك الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، "بدأت تختبر هذا الوعد بطرق يصعب على السيسي التعامل معها". وفق وهبة.

وفي خطاب ألقاه مطلع مارس/آذار 2026 أمام قيادات عسكرية، تحدث السيسي بنبرة مترددة على غير العادة.

وبينما كان يصفّي حَلْقه ويختار كلماته ببطء، قال: إن استهداف إيران للخليج "من الحسابات الخاطئة"، وإنه لم يكن ينبغي لها مهاجمة دول عربية "تحت أي اعتبار أو أسباب".

وبحسب وهبة، فإن ذلك شكّل مشهدا لافتا من شخص يحرص عادة على إظهار الحزم والقوة، فمصر تجد نفسها اليوم تحت ضغط من عدة جبهات في آن واحد، بينما تتقلص خيارات الخروج من هذا المأزق.

ولفتت إلى أن "الحرب أدت إلى إرباك إمدادات الطاقة في مصر، وأعادت إحياء حالة انعدام الأمن في البحر الأحمر، كما منحت خصوم النظام في الداخل شعارا جاهزا للحشد والتعبئة".

وعقب اندلاع الحرب، أوقفت إسرائيل صادرات الغاز الطبيعي إلى مصر لأسباب أمنية. 

وقد تكرر هذا خلال حرب الأيام الاثنى عشر في يونيو/حزيران 2025، حين أُغلقت حقول الغاز الإسرائيلية خشية استهدافها من قبل إيران.

ويُشكّل الغاز الإسرائيلي ما بين 15 و20 بالمئة من إجمالي استهلاك مصر، وما يصل إلى 60 بالمئة من وارداتها. 

وفي أغسطس/آب 2025، وقّعت القاهرة اتفاقية بقيمة 35 مليار دولار مع شركة "نيوميد إنرجي" الإسرائيلية لمضاعفة تدفق الغاز من حقل "ليفياتان" ثلاث مرات.

وهي صفقة "مثّلت خطوة مهمة نحو استقرار الطاقة في مصر على المدى الطويل". وفق زعم وهبة.

وقالت: إن "الاضطراب الحالي لا يُعزى إلى فشل تلك الشراكة، بل إلى تدخّل حرب إقليمية في مسارها، ويعكس قرار إسرائيل بتعليق الصادرات مخاوف أمنية بشأن بنيتها التحتية، وليس انسحابا من التزاماتها تجاه مصر".

وأضافت أن "الاتفاقية لا تزال قائمة، ومن المتوقع أن تُعزز مكانة مصر في قطاع الطاقة بشكل كبير مع مرور الوقت".

"أما بالنسبة للقاهرة، فإن تبعات أي نقص في الإمدادات، حتى لو كان قصير الأجل، سرعان ما تتحول من مشكلة فنية إلى مشكلة سياسية"، بحسب وهبة.

واستطردت: "فحالات انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار في مصر لا تبقى في نطاق إدارة البنية التحتية، بل تتحول إلى وقود يغذي حالة السخط الشعبي وخطاب المعارضة في بلد أنهكته سنوات من التضخم".

عواقب وخيمة

وتابعت وهبة: "ثم هناك البحر الأحمر، فقد تعهد الحوثيون بالتصعيد تضامنا مع طهران، وإذا ما نفذوا تهديدهم، ستكون العواقب وخيمة على مصر وخارجة تماما عن سيطرتها".

وتُعزى خسائر إيرادات قناة السويس إلى قرارات شركات التأمين وشركات الخدمات اللوجستية ومشغلي السفن استجابة للمخاطر المتوقعة.

ومنذ أن بدأت قوات الحوثيين استهداف الملاحة الدولية عام 2023، تُقدّر مصر خسائرها من عائدات قناة السويس بأكثر من 9 مليارات دولار.

ففي السنة الأولى من الهجمات وحدها، انخفضت العائدات بنسبة 60 بالمئة على الأقل؛ حيث تراجعت حركة الملاحة من حوالي 75 سفينة يوميا إلى 32 سفينة فقط.

وتعد القناة المصدر الأكثر أهمية للعملة الصعبة بالنسبة إلى القاهرة، كما تمثل شريانا حيويا لحكومة تواجه التزامات كبيرة من الديون الخارجية وتعاني نقصا مزمنا في النقد الأجنبي. وفق المقال.

وقالت وهبة: "يكفي إطلاق أي صاروخ قرب باب المندب، المضيق الواقع في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، لرفع أقساط تأمين السفن، وتغيير مساراتها، واستنزاف خزائن القاهرة".

وأضافت: "حتى لو مارس الحوثيون ضبط النفس والتزموا الحياد، فإنّ الشعور بتزايد المخاطر يُعيد تشكيل أنماط الشحن العالمية بطرق قد تستغرق شهورا أو سنوات للتعافي منها".

واسترسلت: "ولن تعود حركة الشحن إلى طبيعتها سريعا حتى مع تحسّن الوضع الأمني، وبالتالي، فإنّ مصر ليست عرضة فقط للتحرّك الحوثي المباشر، بل أيضا لتداعيات التهديد نفسه".

فرصة للمعارضة

هذه الضغوط الاقتصادية المتلاحقة -بحسب وهبة- “تخلق مجالا لمعارضي السيسي داخل البلاد".

وتابعت: “يكفي طرح سؤال يُراود المصريين العاديين الذين يواجهون ارتفاعا في الأسعار وتراجعا في الخدمات: هل جعل السيسي مصر ضعيفة ومعتمدة على غيرها؟”

وترى وهبة أن "نموذج السيسي في الحكم يقوم على عقد ضمني مع المصريين يقبلون بموجبه الحكم الاستبدادي مقابل الاستقرار والخدمات المدنية الأساسية".

ورأت  أن "هذا العقد قد كان دائما تحت الضغط، ولكنه يبقى قائما طالما استطاعت الدولة أن تُصوّر نفسها على أنها الحاجز الوحيد بين مصر والفوضى التي تلوح في الأفق عبر حدودها مع السودان وليبيا وغزة".

وعلى هذا، أوضحت وهبة أن الهجوم على إيران تسبب “في ضغوط هائلة على نقاط ضعف نظام السيسي، فلطالما كان نقص الطاقة خطرا كامنا، ولكنه أصبح حاليا خطرا قائما”.

وذكرت أنه “مع وقف إطلاق النار في غزة، بدا أن انكشاف القناة أمام تصعيد الحوثيين قد انتهى، ولكنه الآن قد يُكبّد مصر خسائر بمليارات الدولارات”.

ووفق تقييم وهبة، فإن "أيّا من هذه الضغوط لا يُشكّل منفردا تهديدا للدولة المصرية، فمؤسساتها ما زالت سليمة، وأجهزتها الأمنية تُحكم قبضتها على زمام الأمور. إلا أن الصدمات المتزامنة التي تُصيب إمدادات الطاقة والإيرادات والثقة السياسية تُضيّق هامش المناورة أمام السيسي".

وأضافت: "لا تقتصر المخاطر على السياسة الداخلية لمصر فحسب، فالقاهرة لا تزال أحد أهم شركاء واشنطن الإقليميين، وركيزة أساسية في بنية الأمن الإقليمي، وعنصرا حاسما في أي نظام قوي للشرق الأوسط".

لكنها استدركت: "مصر المنشغلة بضغوط اقتصادية متراكمة ومعارضة داخلية، ستكون أقل قدرة على أداء هذا الدور، وإذا اضطر السيسي لإنفاق رأس المال السياسي لإدارة الاستياء الداخلي، فسيقل ما يمكنه تخصيصه للتعاون الأمني ​​الذي تعتمد عليه واشنطن".

وختمت وهبة بالقول: "لقد شهدت مصر ما هو أسوأ من ذلك بالتأكيد، لكن عملية ضد إيران تمثل اختبارا لرجل قوي أمضى عقدا من الزمن يعد بالاستقرار الذي قد لا يكون قادرا على تحقيقه بعد الآن".