توازنات جديدة في كركوك بين طالباني والجبهة التركمانية العراقية.. ما القصة؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

جمع لقاء لافت في 22 فبراير/ شباط 2026 بين زعيم الجبهة التركمانية العراقية محمد سِمان آغا ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني.

وفي السياق نشر مركز “أورسام” للدراسات مقالا للكاتب التركي سلجوق باجالان تناول فيه هذا اللقاء غير المعتاد بين جانحين لطالما كانا متعارضين، لا سيما بخصوص مدينة كركوك العراقية.

وعلى الرغم من أن مثل هذه اللقاءات قد تبدو في ظاهرها اعتيادية ضمن تعقيدات المشهد السياسي العراقي، فإن توقيت هذا الاجتماع وسياقه السياسي يمنحانه دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي؛ إذ يعكس مؤشرات على تحولات محتملة في موازين القوى داخل كركوك، وعلى مسار تشكيل الحكومة في بغداد، فضلاً عن إعادة ترتيب العلاقات بين القوى الكردية والتركمانية في ظل متغيرات إقليمية أوسع.

تحولات منتظرة

وذكر الكاتب التركي أن مدينة كركوك ما تزال تعيش حالة من التوتر السياسي والإداري، خاصة في ظل استمرار الجدل حول شرعية مجلس المحافظة وآليّات إدارة السلطة المحلية. 

لذلك، تتغير موازين القوى بين الفاعلين السياسيين تدريجيا، وهو ما يدفع بعض الأطراف إلى البحث عن تحالفات أو تفاهمات جديدة.

وأشار الكاتب إلى أن قيام الاتحاد الوطني الكردستاني بإقامة تواصل مباشر مع الجبهة التركمانية العراقية يشير إلى احتمال حدوث مراجعة في مقاربته السياسية تجاه التركمان. 

فالتواصل المؤسسي العلني مع الجبهة التركمانية يوحي بأن الاتحاد الوطني الكردستاني لم يعد متمسكا بالكامل بمعادلته السياسية في كركوك، والتي تقوم على تهميش التركمان أو إقصائهم من مراكز القرار.

وقد يُفهم هذا التحول على أنه محاولة للانتقال من سياسة الاصطفاف الحاد ضمن تكتلات سياسية محددة، خصوصا تلك المرتبطة بالمحور الإيراني، إلى سياسة توازنات أكثر مرونة، بحيث تسمح للاتحاد الوطني الكردستاني بالمناورة بين مختلف القوى الإقليمية والداخلية.

كما أن القضايا التي نوقشت خلال اللقاء تعكس اتساع نطاق الحوار بين الطرفين؛ فالمباحثات لم تقتصر على شؤون إدارة كركوك المحلية، بل شملت أيضاً مسار تشكيل الحكومة في بغداد والتطورات المرتبطة بمنصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء. 

وهذا يعني أن الاتحاد الوطني الكردستاني يحاول الربط بين التوازنات السياسية في بغداد وبين معادلات القوة في كركوك.

ومن المعروف أن منصب رئاسة الجمهورية في العراق يُعد تقليديا من حصة الأكراد، وهو أحد أهم المناصب السياسية في النظام العراقي. 

لذلك فإنّ سعي الاتحاد الوطني الكردستاني للاحتفاظ بهذا المنصب يتطلب منه الحفاظ على علاقات متوازنة مع الكتل الشيعية في بغداد، في الوقت نفسه يجب عليه تجنب الدخول في صدام مع تركيا التي تعد لاعبا مؤثرا في الملف العراقي، خاصة في المناطق التي تضم التركمان.

في هذا السياق، يمكن قراءة اللقاء أيضا في ضوء التحسن النسبي الذي بدأ يظهر في العلاقة بين أنقرة والسليمانية، خاصة مع طرح مبادرة "تركيا بلا إرهاب". 

من هذا المنطلق قد يكون اللقاء بمثابة رسالة انفتاح غير مباشرة من الاتحاد الوطني الكردستاني تجاه تركيا.

جسر سياسي

ولفت الكاتب إلى أنّ هذه التطورات تتزامن مع محاولة تركيا إعادة صياغة مقاربتها الأمنية والسياسية تجاه العراق ضمن إطار مبادرة "تركيا بلا إرهاب"؛ حيث إنّ أنقرة تسعى إلى تعزيز الاستقرار في المناطق القريبة من حدودها، لا سيما كركوك وسنجار وشمال العراق عموما.

بذلك يمثّل التركمان جسرا طبيعيا للتواصل بين أنقرة وبغداد، نظراً لروابطهم الثقافية والاجتماعية مع تركيا. 

لهذا، فإن التقارب بين الاتحاد الوطني الكردستاني والجبهة التركمانية قد يُفسَّر أيضاً على أنه رسالة تهدئة غير مباشرة لأنقرة، خصوصا في ظل تحسن نسبي في العلاقات بين تركيا ومدينة السليمانية، معقل الاتحاد الوطني.

كما يشير هذا التقارب إلى رغبة الاتحاد الوطني في تنويع علاقاته الإقليمية، وعدم الاعتماد الكامل على المحور الإيراني في العراق، خاصة مع تراجع هامش النفوذ الإيراني نسبي نتيجة التغيرات الإقليمية.

ويشير هذا اللقاء أيضاً إلى إدراك متزايد بأن استبعاد التركمان من إدارة كركوك ليس خيارا مستداما على المدى الطويل. 

من هذا المنطلق، فإن انفتاح بافل طالباني على التواصل مع أطراف أخرى، مع إبقاء الباب مفتوحا لتحسين العلاقات مع تركيا، يمكن عدّه خيارا إستراتيجيا يهدف إلى توسيع هامش المناورة السياسية للاتحاد الوطني الكردستاني.

مكاسب محتملة

وبالنسبة للجبهة التركمانية العراقية، فإن هذا اللقاء يمثل تأكيدا مهما على مكانتها السياسية داخل النظام السياسي العراقي. 

فالجبهة ليست مجرد قوة سياسية هامشية، بل هي جزء من ائتلاف إدارة الدولة الذي يشارك بدوره في صنع القرار الحكومي في بغداد.

بالتالي فإن التواصل بين الجبهة التركمانية والاتحاد الوطني الكردستاني يعكس حقيقة أن التركمان باتوا فاعلا سياسيا مندمجا في النظام السياسي العراقي، وليسوا مجرد طرف خارجي يسعى إلى التأثير من خارج المؤسسات.

كما يدل هذا اللقاء على أن قضية تمثيل التركمان لم تعد محصورة في إطار النزاع المحلي حول كركوك، بل أصبحت جزءا من معادلة أوسع لتقاسم السلطة في العراق. 

ويمكن أيضاً عدّ هذا اللقاء حلقة ضمن سلسلة من المشاورات السياسية التي يجريها رئيس الجبهة التركمانية مع مختلف القوى العراقية، سواء الشيعية أو السنية أو الكردية.

وإذا استمرّ هذا الحوار بين الجانبين وتحول إلى تفاهمات سياسية عملية، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل مجلس محافظة كركوك على أسس أكثر توازناً، وربما إعادة طرح نماذج لتقاسم السلطة بين المكونات المختلفة.

وأضاف الكاتب أنه من منظور تركيا، فإن أي نموذج سياسي في كركوك يقوم على تهميش التركمان بشكل منهجي لا يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية، خاصة في ظل تأكيدها المتكرر على ضرورة تحقيق تمثيل عادل لجميع مكونات العراق.

لذلك من المرجح أن تحاول أنقرة استثمار أي تحول محتمل في موقف الاتحاد الوطني الكردستاني، من أجل الدفع نحو صيغة سياسية أكثر شمولا في كركوك، وقد تلعب الانقسامات داخل الكتلة العربية في المحافظة دورا مهما في تحديد مآلات هذه العملية.

وفي حال نجح التركمان في تعزيز موقعهم السياسي، فقد يفتح ذلك الطريق أمامهم تولي منصب محافظ كركوك في المستقبل. 

كما قد يمنحهم ذلك أفضلية سياسية مهمة قبل انتخابات مجالس المحافظات المقررة عام 2027.

فمنصب المحافظ يمتلك صلاحيات واسعة تشمل إدارة الميزانية، والتعيينات الإدارية، وتوزيع الموارد العامة. وبالتالي فإنّ تولي التركمان لهذا المنصب قد يشكل مكسبا إستراتيجيا كبيرا من حيث تعزيز حضورهم المؤسسي وقدرتهم على تعبئة الناخبين.

وتكشف التطورات السياسية في كركوك عن نقاش أوسع يتعلق بكيفية إدارة الدولة العراقية متعددة القوميات والطوائف؛ فالتراجع النسبي في نفوذ إيران الإقليمي يدفع القوى السياسية العراقية إلى البحث عن توازنات جديدة.

وقد يشكل انفتاح بافل طالباني على مقاربات سياسية أكثر مرونة خطوة نحو إعادة تشكيل البنية السياسية في كركوك. لكن من الخطأ اختزال مستقبل المحافظة في الحسابات المحلية فقط؛ لأن توازناتها ستتأثر أيضاً بالتفاعلات الإقليمية بين أنقرة وطهران وبغداد.

وهكذا تبقى كركوك نموذجا مصغرا للتوازنات السياسية في العراق؛ حيث تعكس كل تطوراتها المحلية صدى التنافس الإقليمي بين القوى الكبرى في المنطقة. وكل تحول جديد في هذه المدينة يعكس، بدرجة أو بأخرى، ملامح الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط.