مواجهة على ضفتي الخليج.. طهران تستهدف منشآت الطاقة وترامب يلوّح بتدمير "بارس"

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في تصعيد لافت يعكس اتساع رقعة المواجهة الإقليمية، كثّفت إيران هجماتها على منطقة الخليج العربي، مستهدفة منشآت حيوية في قطاعي النفط والغاز بكل من قطر والإمارات والسعودية، وذلك في سياق ردها على ضربات سابقة طالت بنيتها التحتية، لا سيما في حقل "بارس الجنوبي".

ويحمل هذا التصعيد دلالات خطيرة على صعيد أمن الطاقة العالمي، إذ يهدد باضطراب غير مسبوق في إمدادات الغاز والنفط، في ظل استهداف أحد أهم الشرايين الحيوية لإنتاج الطاقة في العالم.

ويُعد حقل "بارس الجنوبي" من أكبر حقول الغاز الطبيعي عالميًا، إذ تتقاسمه إيران مع قطر عبر مياه الخليج، ويشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الإيراني، حيث يسهم بنحو 8 بالمئة من الإنتاج العالمي للغاز، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على الأسواق الدولية.

وفي هذا السياق، أعلنت شركة "قطر للطاقة"، في 18 مارس/آذار 2026، عن تعرض مرافق بمدينة رأس لفان الصناعية لأضرار جسيمة جراء هجمات صاروخية إيرانية، في وقت متزامن مع إعلان الإمارات تعليق العمليات في بعض منشآت الغاز عقب التصدي لهجمات مماثلة.

وتُعد رأس لفان، الواقعة على بعد نحو 80 كيلومترًا شمال العاصمة الدوحة، مركزًا إستراتيجيًا لصناعة الغاز الطبيعي المسال، حيث تضم منشآت وشركات عالمية كبرى، من بينها شركة "شل" التي تُعد أكبر متداول للغاز الطبيعي المسال في العالم.

وتملك "شل" حصة تبلغ 30 بالمئة في إحدى منشآت الغاز الطبيعي المسال بطاقة إنتاجية تصل إلى 7.8 ملايين طن سنويًا، إلى جانب استثمارات أخرى في مرافق تشغيلية داخل رأس لفان، فضلًا عن امتلاكها الكامل لمصنع "اللؤلؤة" لتحويل الغاز إلى سوائل، القادر على معالجة نحو 1.6 مليار قدم مكعبة يوميًا.

وتنتج قطر نحو 77 مليون طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعلها ثاني أكبر مصدر عالمي لهذا المورد الحيوي المستخدم في توليد الكهرباء والصناعات المختلفة، فيما تضطلع مصفاة لفان بدور محوري في معالجة المكثفات وإنتاج مشتقات مكررة، من بينها وقود الطائرات.

"بارس الجنوبي"

وجاءت هذه الهجمات في أعقاب تحذيرات إيرانية بإخلاء منشآت نفطية في عدد من دول الخليج، في خطوة بدت تمهيدًا للتصعيد، خاصة بعد تعرض منشآت إيرانية في "بارس الجنوبي" وعسلوية لضربات سابقة.

ورغم خطورة الاستهداف، أعلنت وزارة الداخلية القطرية أن فرق الدفاع المدني تمكنت من السيطرة الكاملة على الحرائق التي اندلعت في رأس لفان دون تسجيل أي إصابات، مع استمرار عمليات التبريد والتأمين، بينما تولت فرق متخصصة التعامل مع المخلفات الخطرة في المواقع المتضررة.

في المقابل، أثارت الهجمات ردود فعل دولية حادة، حيث صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته تجاه طهران، محذرًا من استهداف منشآت الغاز القطرية مجددًا، ومهددًا بتدمير حقل "بارس الجنوبي" بالكامل في حال تكرار الهجمات، في مؤشر على احتمالات انزلاق الأزمة نحو مواجهة أوسع.

كما أشار ترامب إلى أن الضربة التي استهدفت الحقل الإيراني نُفذت من قبل إسرائيل دون علم مسبق من واشنطن أو الدوحة، في تصريح يعكس تعقيد المشهد وتداخل الأدوار بين الأطراف المنخرطة في الصراع.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، اتخذت قطر خطوات تصعيدية تمثلت في إبلاغ الملحقين الأمني والعسكري الإيرانيين بضرورة مغادرة البلاد خلال 24 ساعة، وعدهما شخصين غير مرغوب فيهما، مع إدانة الهجوم على رأس لفان وعده "تهديدًا مباشرًا" للأمن الوطني، واتهام طهران باتباع "نهج غير مسؤول".

ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ أعلنت "قطر للطاقة" لاحقًا تعرض مزيد من مرافقها لهجمات صاروخية جديدة، ما أسفر عن اندلاع حرائق إضافية وأضرار جسيمة، دون تسجيل إصابات، في ظل تدخل سريع لفرق الطوارئ لاحتواء الوضع.

وفي الإمارات، أفادت السلطات بالتعامل مع حوادث سقوط شظايا ناجمة عن اعتراض صواريخ استهدفت منشآت "حبشان" للغاز وحقل "باب"، فيما تقرر تعليق العمليات في هذه المنشآت كإجراء احترازي.

ويُعد مجمع حبشان، الذي تديره شركة "أدنوك"، من أكبر مرافق معالجة الغاز عالميًا، إذ يضم خمس محطات بطاقة إجمالية تصل إلى 6.1 مليارات قدم مكعبة يوميًا، ما يعكس حجم المخاطر التي تهدد البنية التحتية للطاقة في المنطقة.

وفي خضم هذا التصعيد، حذّر وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان من أن صبر دول المنطقة على "الاعتداءات الإيرانية" ليس بلا حدود، داعيًا طهران إلى وقف هجماتها، ومؤكدًا أن أي تصعيد سيُقابل برد مماثل.

وجاءت تصريحاته عقب اجتماع وزاري تشاوري طارئ في الرياض، ضم عددًا من الدول العربية والإسلامية، شدد خلاله المشاركون على إدانة الهجمات الإيرانية وضرورة التصدي لها، مقدرين أنها تقوّض الأمن الإقليمي وتزيد من عزلة طهران.

بدورها، أدانت قطر الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة في السعودية والإمارات، ووصفتها بأنها "غاشمة" وتجاوزت الخطوط الحمراء كافة، من خلال استهداف المدنيين والبنية التحتية الحيوية.

وأكدت أن هذه الاعتداءات تمثل "انتهاكًا سافرًا للقانون الدولي"، وتشكل تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة العالمي والملاحة والبيئة، داعية إلى احتواء التصعيد وتجنب انزلاق المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، حيث لم يعد الصراع محصورًا في نطاق جغرافي ضيق، بل بات ينال مفاصل حيوية للاقتصاد العالمي، وعلى رأسها إمدادات الطاقة، ما يرفع منسوب القلق الدولي من تداعيات قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط.

تصعيد خطير

أثار الاستهداف الإيراني لمنشآت حيوية في قطاعي النفط والغاز بدول الخليج العربي موجة واسعة من الغضب والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر ناشطون عن تضامنهم مع الدول الخليجية، مقدرين أن هذه الهجمات تمثل تصعيدًا خطيرًا وتهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة العالمي.

وفي هذا السياق، وصف عدد من المستخدمين الهجمات بأنها "عمل جبان" يستهدف البنية التحتية الاقتصادية، محذرين من تداعياتها المحتملة على استقرار الأسواق الدولية، خاصة في ظل حساسية قطاع الطاقة العالمي لأي اضطرابات في منطقة الخليج.

وشهدت منصات التواصل، وعلى رأسها "إكس" و"فيسبوك"، تداولًا واسعًا للصور ومقاطع الفيديو التي أظهرت حرائق في منشآت نفطية وغازية في قطر والإمارات، إلى جانب مشاهد لفرق الدفاع المدني أثناء تعاملها مع الحرائق، حيث أكدت الجهات الرسمية لاحقًا السيطرة عليها بالكامل.

كما تصدرت وسوم مثل #رأس_لفان و#حبشان و#حقل_باب و#قطر و#الإمارات و#السعودية و#إيران قوائم التفاعل، في مؤشر على حجم الاهتمام الشعبي والإقليمي بالتصعيد، وسط دعوات متزايدة لاحتواء الأزمة ووقف الانزلاق نحو مزيد من التوتر.

وفي موازاة ذلك، حرص عدد من الناشطين على تسليط الضوء على الأهمية الإستراتيجية لمنطقة رأس لفان، بوصفها أحد أبرز مراكز إنتاج الغاز الطبيعي المسال عالميًا، حيث تنتج نحو 77 مليون طن سنويًا، ما يجعل أي استهداف لها ذا انعكاسات مباشرة على سوق الطاقة الدولية.

كما عبّر آخرون عن مخاوف متزايدة من انعكاسات اقتصادية أوسع، لا سيما احتمال ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، في ظل استمرار التوترات، مع دعوات متكررة لتعزيز التنسيق والوحدة الخليجية في مواجهة التصعيد.

إيران ترد

في المقابل، برزت أصوات مؤيدة للهجمات الإيرانية، رأت فيها ردًا "رادعًا" على الولايات المتحدة وإسرائيل، مقدرة أن استهداف المنشآت النفطية في دول الخليج يندرج ضمن ضرب المصالح المرتبطة بهما، لا سيما في ظل وجود استثمارات وشراكات لشركات أميركية في هذه المنشآت.

ورأى أصحاب هذا الطرح أن الهجمات تمثل رسالة إستراتيجية مباشرة، تستهدف مراكز النفوذ الاقتصادي، في محاولة للرد على الضغوط العسكرية والسياسية التي تتعرض لها طهران، وهو ما يعكس حالة الانقسام الواضحة في الرأي العام الرقمي حول طبيعة التصعيد وأهدافه.

أهداف أوسع

وفي قراءة أعمق لطبيعة التصعيد، ربط عدد من الناشطين والمحللين بين ما يجري في الخليج وبين صراع جيوسياسي أوسع، مقدرين أن المواجهة لا تقتصر على إيران، بل تمتد لتشمل قوى دولية كبرى، وعلى رأسها الصين.

ووفق هذا الطرح، فإن استهداف منشآت الطاقة في الخليج قد يكون جزءًا من إستراتيجية غير مباشرة للضغط على بكين، عبر تهديد إمدادات النفط والغاز التي تعتمد عليها بشكل كبير، ما يضعها أمام تحديات اقتصادية متزايدة.

كما أشار آخرون إلى أن السيطرة على موارد الطاقة في الخليج تمنح نفوذًا واسعًا في توجيه الاقتصاد العالمي، سواء تجاه أوروبا أو آسيا، وهو ما يجعل المنطقة ساحة مركزية في صراع القوى الكبرى على النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي.

وفي هذا الإطار، رأى بعض المعلقين أن الولايات المتحدة تسعى إلى توظيف التوترات في المنطقة للضغط على خصومها الدوليين، خاصة في ظل صعوبة المواجهة المباشرة مع الصين، ما يضيف بعدًا جديدًا للصراع يتجاوز حدوده التقليدية.

تهديدات ترامب

وعلى صعيد التفاعل مع التصريحات الأميركية، انقسمت الآراء بشأن تهديدات الرئيس ترامب بتدمير حقل "بارس الجنوبي"، حيث رأى مؤيدون أن هذه التصريحات تمثل عامل ردع قويًا قد يسهم في حماية أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.

في المقابل، حذر منتقدون من أن مثل هذه التهديدات قد تدفع نحو مزيد من التصعيد، وربما تفتح الباب أمام أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة، في حال تحولت إلى واقع ميداني.

وشهدت هذه التصريحات تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل، حيث ربط عدد من المستخدمين بين التهديدات الأميركية والتطورات المتسارعة في المنطقة، مشيرين إلى أن أي استهداف لحقل "بارس الجنوبي" قد تكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي، نظرًا لمكانته كأحد أكبر حقول الغاز في العالم.

وفي ظل هذا الانقسام، بدا واضحًا أن المشهد الإقليمي لم يعد يُقرأ فقط من زاوية الصراع العسكري المباشر، بل بات يُنظر إليه كجزء من معادلة دولية معقدة، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، ما يجعل أي تصعيد جديد محفوفًا بتداعيات تتجاوز حدود المنطقة.