المرشد الثالث.. كيف سيقود مجتبى خامنئي إيران بعد الحرب؟

"لا يمكن النظر إلى صعود مجتبى خامنئي باعتباره مجرد انتقال تقليدي للسلطة"
أحدث مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في عدوان إسرائيلي أميركي، صدمة كبيرة داخل البلاد وخارجها، وسط تكهنات عديدة بشأن مستقبل القيادة في الجمهورية الإسلامية.
وفي خضم، ذلك جرى انتخاب مجتبى خامنئي لخلافة والده، وهو ما طرح تساؤلات ليس فقط حول انتقال السلطة، بل أيضا حول طبيعة المرحلة الجديدة التي قد تدخلها إيران في ظل قيادة جيل جديد من النخبة الحاكمة.
مركز "إيرام" للدراسات، نشر مقالا للكاتب التركي "رحيم فرزام"، سلط فيه الضوء على السيناريوهات المتوقعة للمرحلة المقبلة في إيران التي تتعرض لعدوان أميركي إسرائيلي غير مسبوق في الوقت الراهن

صعود مجتبى
وفي مستهل المقال ذكر الكاتب أن مجتبى خامنئي وُلد في 8 سبتمبر/ أيلول 1969 في مدينة مشهد، ونشأ في بيئة سياسية ارتبطت مباشرة بتأسيس الجمهورية الإسلامية.
فقد تزامنت طفولته مع السنوات الأولى للثورة الإيرانية، كما عاش مرحلة شبابه خلال الحرب العراقية–الإيرانية، وهي تجربة تركت أثرا عميقا في تكوين جيل كامل من النخب السياسية والأمنية في البلاد.
خلال تلك الحرب شارك ضمن صفوف الحرس الثوري الإيراني، وهو ما ساعده على بناء شبكة علاقات مبكرة مع شخصيات صعدت لاحقاً إلى مواقع مؤثرة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
وعلى الرغم من أن مجتبى خامنئي لم يشغل مناصب سياسية رسمية لفترة طويلة، إلّا أنّ اسمه بدأ يظهر تدريجياً في النقاشات السياسية منذ مطلع الألفية الجديدة.
فقد أثيرت تساؤلات حول دوره في بعض التطورات السياسية الحساسة، خاصة خلال انتخابات الرئاسة عام 2005 التي انتهت بفوز محمود أحمدي نجاد، وكذلك خلال انتخابات عام 2009 التي أعقبتها احتجاجات واسعة عُرفت باسم "الحركة الخضراء".
وفي تلك الفترة اتهمه بعض المعارضين بامتلاك نفوذ داخل الأجهزة الأمنية ومكتب المرشد الأعلى.
كما ارتبط اسم مجتبى خامنئي في بعض التقارير بشبكات اقتصادية ومالية، تعمل في ظل العقوبات الدولية المفروضة على إيران، خصوصا تلك المرتبطة بالحرس الثوري.
وقد أدرجته وزارة الخزانة الأمريكية عام 2019 ضمن قائمة العقوبات مع عدد من الشخصيات المرتبطة بمكتب المرشد الأعلى.
ومع مرور الوقت تزايد الحديث عن تأثيره داخل مكتب المرشد الأعلى، وهو المؤسسة التي تلعب دورا محوريا في النظام السياسي الإيراني من خلال التنسيق بين المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
وقد تحول هذا المكتب خلال عقود قيادة علي خامنئي إلى جهاز بيروقراطي واسع، يتمتع بتأثير كبير في عملية صنع القرار.
ويرى العديد من المراقبين أن مجتبى خامنئي تمكن من بناء نفوذ مهم داخل هذا الجهاز، خاصة في الدائرة الضيقة التي تتحكم في الوصول إلى المرشد الأعلى.
كما تُعد علاقاته بالمؤسسة العسكرية، خصوصاً الحرس الثوري، أحد أبرز مصادر قوته السياسية. ففي النظام الإيراني تلعب هذه المؤسسة دورا محورياً ليس فقط في المجال العسكري، بل أيضاً في الاقتصاد والسياسة الإقليمية.
وقد ساعدت علاقاته القديمة مع بعض قيادات الحرس الثوري في تعزيز موقعه داخل هذه الشبكة المعقدة من مراكز النفوذ.
وتوليه منصب المرشد الأعلى، يمثل لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. بحسب الكاتب التركي.

إيران في عهد مجتبى
وذكر الكاتب التركي أنه من غير المتوقع أن يشكّل وصول مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى مجرد انتقال تقليدي للسلطة داخل النظام الإيراني، بل قد يعكس بداية مرحلة جديدة في طريقة عمل مؤسسات الدولة وتوازناتها الداخلية.
فالتغيير في قمة هرم السلطة غالباً ما ينعكس على طبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية والأمنية، وعلى توجهات السياسة الداخلية والخارجية للدولة.
وعلى المستوى الداخلي، يرى بعض المسؤولين وحتى بعض الشخصيات المعارضة أن قيادة مجتبى خامنئي قد تفتح المجال أمام بعض الإصلاحات المحدودة التي قد تساعد النظام على تجاوز أزماته المتراكمة.
وإنّ إيران تواجه اليوم تحديات اقتصادية عميقة إلى جانب عزلة دولية وضغوط اجتماعية متزايدة، فضلاً عن اتساع الفجوة بين النظام والأجيال الشابة.
ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن موقع مجتبى داخل شبكة السلطة وعلاقاته الوثيقة بالمؤسسات الأمنية قد يمنحانه القدرة على تنفيذ إصلاحات جزئية لم تكن ممكنة في السابق.
لهذا ذهب بعض المعارضين مثل فائزة هاشمي، وهي ابنة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني إلى القول بأنّ مجتبى خامنئي قد يتحول إلى ما يشبه "محمد بن سلمان إيران"، وذلك في إشارة إلى إمكانية إدخال تغييرات من داخل النظام نفسه.
ومع ذلك، ينبغي النظر إلى هذه التوقعات بحذر في ضوء طبيعة النظام السياسي الإيراني. فمن المرجح أن يشهد عهد مجتبى خامنئي استمرار الدور المركزي للحرس الثوري، وربما تعزيزه بشكل أكبر في السياسة والاقتصاد.
فالمؤسسات الأمنية والعسكرية أصبحت خلال العقود الماضية جزءاً أساسياً من بنية السلطة في إيران، ومن غير المتوقع أن يتراجع نفوذها في المرحلة المقبلة.

انتقادات داخلية
وقد تواجه قيادة مجتبى خامنئي تحدياً مهماً يتعلق بالشرعية السياسية. بحسب الكاتب التركي؛ إذ إنّ انتقال منصب المرشد الأعلى من الأب إلى الابن قد يثير انتقادات داخلية ويُفسَّر بوصفه نوعاً من الوراثة السياسية، وهو ما يتعارض مع الخطاب الثوري الذي تأسست عليه الجمهورية الإسلامية.
أما في السياسة الخارجية، فمن المحتمل أن تميل إيران في عهده إلى تبني نهج أكثر تشددا قائما على الاعتبارات الأمنية.
فالتوترات المستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد تدفع القيادة الإيرانية إلى التركيز بشكل أكبر على تطوير القدرات العسكرية، خاصة برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إضافة إلى الحفاظ على شبكة الحلفاء الإقليميين التي تُعد جزءا أساسيا من إستراتيجية الردع الإيرانية.
كما قد يتصاعد النقاش داخل إيران حول مسألة امتلاك سلاح نووي بوصفه وسيلة لتعزيز الأمن القومي في ظل الضغوط الدولية.
من جهةٍ أخرى، من المرجح أن يميل النظام في الداخل على المدى القريب إلى تعزيز أدوات الضبط الأمني للحفاظ على الاستقرار، خاصة في ظل الاحتجاجات الاجتماعية والأزمة الاقتصادية.
غير أن ذلك قد يترافق مع محاولات لإطلاق بعض المبادرات الاقتصادية أو الاجتماعية المحدودة، وذلك بهدف تخفيف الضغوط الداخلية وإعادة تعزيز القاعدة الشعبية للنظام.
وبذلك، قد يتسم عهد مجتبى خامنئي بمزيج من الاستمرارية والتكيف؛ فبينما ستبقى البنية الأساسية للنظام الإيراني قائمة، قد تسعى القيادة الجديدة إلى إعادة ترتيب بعض أدوات الحكم، وذلك لمواجهة التحديات المتزايدة التي تواجه الجمهورية الإسلامية في الداخل والخارج.
وختم الكاتب مقاله قائلا: لا يمكن النظر إلى صعود مجتبى خامنئي باعتباره مجرد انتقال تقليدي للسلطة، بل هو تطور قد يعكس تحولاً أعمق في بنية النظام الإيراني.
فبين استمرار المؤسسات القائمة ومحاولة التكيف مع تحديات جديدة، ستحدد السنوات الأولى من قيادته المسار الذي ستسلكه الجمهورية الإسلامية في المرحلة المقبلة.















