ضربة في ظهر "حزب الله" اللبناني.. هل تخلى نبيه بري عن حليف الأمس؟

"التاريخ اللبناني حافل بالتفكك السريع للجماعات السياسية"
في خضمّ تصاعد حرب إقليمية، مرّ تطور مهم دون أن يحظى باهتمام واسع؛ فبعد أن شنّ حزب الله هجوما على إسرائيل، وردّت الأخيرة بضربة انتقامية واسعة، أبدى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري دعمه لقرار حكومي يقضي بحظر أسلحة حزب الله.
ويعدّ هذا التطور ذا أهمية كبيرة، بحسب مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية؛ إذ كان حزب الله يعتمد بدرجة كبيرة على نفوذ بري السياسي لمواجهة الضغوط التي تمارسها الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي من أجل نزع سلاحه.
ومع هذا الموقف الجديد لبري، قد يتراجع هذا الغطاء السياسي، الأمر الذي قد يزيد من عزلة حزب الله في توقيت بالغ الحساسية. كما قد يمنح ذلك دفعة لخصومه المطالبين بحلّ مليشياته، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء والرئيس اللبناني. وفق ما خلص إليه المقال.
المقال كتبه فيصل عيتاني، الباحث البارز في "معهد نيو لاينز للإستراتيجية والسياسة"، ودانيا عريسي، المحللة البارزة في المعهد.
حملة غير مسبوقة
وقال: "في الواقع، أفادت التقارير بأن الجيش اللبناني قد بدأ بالفعل حملة غير مسبوقة لاعتقال أعضاء حزب الله بعد قرار الحكومة حظر أسلحته. صحيح أن هذا التقدم هشّ، لكنه ذو دلالة".
بري، المحامي بالأساس، هو أقدم مسؤول في لبنان يشغل منصب رئيس البرلمان منذ 34 عاما، ولا يبدو أنه سيتوقف عن العمل السياسي رغم بلوغه 88 عاما.
ورغم أنه يعدّ من أبرز الشخصيات السياسية في الدولة، إلا أن له تاريخا حافلا كعضو وقائد في حركة أمل، وهي جماعة شيعية مسلحة ركزت على قتال إسرائيل إلى جانب تمكين الشيعة اللبنانيين.
وتابع المقال: "على عكس التطرف الشيعي الذي تتبناه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان مذهب بري الشيعي علمانيا في جوهره، رغم هويته الطائفية".
"وخاض بري ورجاله سلسلة من المعارك ضد حزب الله للسيطرة على بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية. ورغم الخسائر العسكرية التي مُنيت بها حركة أمل، ترسّخت مكانة بري القوية في الساحة السياسية اللبنانية خلال الاحتلال السوري الذي كان في صالح أمل".
"وبدعم من سوريا، فاز بري برئاسة البرلمان، وأنشأ شبكة واسعة من المحسوبية والفساد. ونتيجة لذلك، أصبح بري شخصية بارزة في الحياة العامة اللبنانية، ورجلا فاحش الثراء". وفق وصف المقال.
وأضاف: "مع مرور الوقت، طغا حزب الله على حركة أمل. وقد أسهم رحيل حافظ الأسد، ثم صعود بشار، الأكثر ولاء للحزب، بالإضافة إلى الدعم الإيراني المتواصل، في ترسيخ هذا التحول".
"وبنى حزب الله شبكة واسعة مخصصة لتقديم الخدمات العامة، كما نسب لنفسه الفضل في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 2000، مع أن حركة أمل لعبت دورا مهما في القتال". بحسب المقال.
"ولكن بينما استغل حزب الله هذه الإنجازات الحقيقية والمعلنة للهيمنة على الحياة السياسية الشيعية في لبنان، حافظت حركة أمل على قاعدة شعبية كبيرة، مستندةً إلى شرعية تاريخية وشبكة علاقات مشبوهة".
وأردف: "بري، المعروف ببراغماتيته، تقبّل هيمنة حزب الله، وركّز على جمع المال واستغلال منصبه كرئيس لمجلس النواب ليصبح صانع ملوك، بحيث بات في نهاية المطاف صوتا حاسما".
"مع ذلك، لم يكن بري محايدا أو منصفا. ففي إطار تكيّفه مع صعود حزب الله، كان مستعدا لعرقلة التشريعات والانتخابات، عندما يخدم ذلك مصالح الحزب".
"وبذلك، شكّل كتلة شيعية مع الحزب. ومن خلال سيطرته على جدول أعمال المجلس التشريعي، ساعد في حماية حزب الله في قضايا رئيسة، مثل مقاومة محاولات نزع سلاح الحزب وإزالة ترسانته".
وبحسب المقال، تنتشر في لبنان نكات لا حصر لها حول طول عمر بري وفساده الشخصي، وكلاهما في محله.
وفي الآونة الأخيرة، يُصوَّر بري غالبا على أنه محتال موالٍ لحزب الله. لكن هذه ليست الصورة الكاملة -بحسب تأكيد المقال- فقد أدرك بري حاجة الغرب إلى وسطاء شيعة في لبنان، وظهر كأبرز نظير شيعي للدبلوماسيين الساعين إلى الوصول غير المباشر إلى حزب الله أو الراغبين ببساطة في فهم المجتمع الشيعي.

تحول غير متوقع
واستطرد: "هذا يقودنا إلى قراره بشأن تسليح حزب الله. بالنظر إلى تقدمه في السن، من المرجح أن بري قلق بشأن إرثه السياسي، بما في ذلك مكانته بين الشيعة وموقع حزبه في مستقبل لبنان".
وأشار المقال إلى أن نأيه بنفسه عن عمليات حزب الله المتهورة، بل وتأييده لحظر أسلحته، قد يبرز اعتقاد بري بأن حزب الله يُنَفِّر الشيعة اللبنانيين، عبر شن حروب لا داعي لها تُلحق بهم ضررا بالغا.
وفي هذا السياق، لا تزال العمليات الإسرائيلية في لبنان تتصاعد، حيث يأمر الجيش الإسرائيلي مئات الآلاف من اللبنانيين، معظمهم من الشيعة، بإخلاء منازلهم في بيروت، على الأرجح تحسبا لغارات جوية مكثفة.
وتدور تكهنات واسعة النطاق حول تراجع شعبية حزب الله بين الشيعة اللبنانيين. وبري في وضع أفضل بكثير من غيره ليدرك هذا الأمر.
وأوضح المقال: "لا نعلم إلى أي مدى قد يصل هذا التحول. من الصعب التنبؤ بمشاعر الشيعة وسط الفوضى والتغيرات الجذرية".
وتشير التقارير إلى أن إسرائيل استهدفت أخيرا أعضاء حركة أمل، سواءً لمشاركتهم الفعالة في القتال أو لمجرد تحالف بري مع حزب الله. وهذا يُظهر مدى تعقيد موقف بري.
وبصفته سياسيا بارعا، قد يتراجع عن موقفه. ويزداد هذا الاحتمال إذا أدى توسع العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان إلى تعزيز الدعم الشيعي لحزب الله. وفق المقال.
ففي نهاية المطاف، من المرجح ألا تعكس مناورات بري الأخيرة تغييرا حقيقيا في رؤيته للعالم. بل ربما يكون قد نسق تصريحاته مع حزب الله. ولا تتوقف حسابات بري وآفاق تحركه على مدى صدقه، بل تتشكل أساسا بفعل العدوان الإسرائيلي على السكان الشيعة في لبنان.
واستدرك المقال: "لكن إذا لم يتراجع بري عن موقفه الجديد تجاه حزب الله، فقد يقوض ذلك بصورة خطيرة موقع الحزب داخل المؤسسات السياسية اللبنانية؛ فقد اعتاد الحزب طوال سنوات على الاستفادة من نواب بري ووزرائه لحماية سلاح الحزب ومصالحه من أي سياسات معادية".
"وخسارة بري قد تترك حزب الله مكشوفا سياسيا وعسكريا في توقيت بالغ الحساسية، لا سيما في ظل تعهد الجيش اللبناني بنزع سلاحه".
"ولأن الحزب ظل دائما واقفا بقدم في السياسة وأخرى في "المقاومة"، فقد أدى بري منذ زمن دور ما يشبه سفير حزب الله لدى الدولة اللبنانية، وفقدان هذا الدور سيزيد من عزلة الحزب". وفق المقال.

مَن يقود شيعة لبنان؟
وتابع المقال: "إن التاريخ اللبناني حافل بالتفكك السريع للجماعات السياسية. فقد دمر القتال الداخلي والاحتلال السوري، النخب السياسية المسيحية في البلاد أواخر ثمانينيات القرن الماضي".
"وفي الآونة الأخيرة، سيطر حزب الله نفسه على المناطق السنية في بيروت عام 2008، مما أدى إلى إضعاف القيادة السياسية للطائفة وإدخالها في حالة من الركود الطويل".
"وعلى الرغم من ولعه بالمال، لطالما كان بري مناصرا صادقا، وإن لم يكن مثاليا، لتمكين الشيعة، ولم تُقدّم السياسة الشيعية بدائل لحزب الله وحركة أمل". وفق المقال.
"وإذا مات بري دون أن يترك إرثا في الوقت الذي يُدمّر فيه حزب الله، فستُصبح طائفته في حالة مماثلة من الفراغ، تاركةً السؤال المحوري مفتوحا تماما: مَن يقود شيعة لبنان؟"
ويرى المقال أن "بعد عقود من لعب دور ثانوي لحزب الله، قد تتاح لبري الآن فرصة لتأمين إرثه، وتشكيل السياسة الشيعية، وضمان سيطرة حركة أمل على قيادة البرلمان، هذه المرة على حساب حزب الله لا لصالحه".
وقال: "أمضى بري عقودا في تحويل حركة أمل من حزب سياسي فعلي إلى إقطاعية شخصية. وبينما منحه هذا سيطرة مطلقة على الحركة، فإنه يُعقّد مسألة الخلافة نظرا لغياب آليات مؤسسية جادة داخل الحزب".
"ومن غير الواضح إذا ما كان اختياره لخليفة سيُحترم بعد وفاته، أو ما إذا كانت الفصائل السياسية الأخرى ستقبل رئيسا آخر من حركة أمل للبرلمان".
وكل هذا يمنح بري، المعروف بميوله المحافظة، فرصة محدودة للتأثير على السياسة اللبنانية، وعلاقاتها مع الغرب، وربما مصير حزب الله أيضا.
وفي الخلاصة، يعتقد كاتبا المقال أن "النتيجة قد تكون حزبا أكثر ضعفا، عالقا بين جيش أجنبي معادٍ، وفصائل ومؤسسات لبنان التي تجاهلها أو أهانها أو استعداها لفترة طويلة".


















