رغم التنديد الغربي.. هكذا تشدد السنغال عقوبات الشذوذ الجنسي

"إذا كان الغرب يقدس الشذوذ ويفرش لهم السجادة الحمراء، فهذا ليس حال كل الدول"
تواصل القيادة السياسية الجديدة في السنغال التأكيد على التزامها بتنفيذ وعودها الانتخابية، لا سيما ما يتعلق بالحفاظ على الهوية الإسلامية وتعزيز القيم الاجتماعية.
وفي هذا السياق، أقرّ البرلمان السنغالي، في 11 مارس/آذار 2026، مشروع قانون تقدّمت به الحكومة يقضي بمضاعفة الحد الأقصى لعقوبة السجن على ما يُعرف بـ"الأفعال المنافية للطبيعة"، مع تجريم أي محاولات للترويج لها.
وجاء التصويت بأغلبية ساحقة؛ إذ أيّد المشروع 135 نائباً، دون تسجيل أي معارضة، فيما امتنع ثلاثة أعضاء عن التصويت. وتعدّ تلك هي الخطوة الأخيرة لاعتماد هذا التشريع، الذي كان من أبرز وعود الحكومة التي وصلت إلى السلطة عام 2024 بقيادة الرئيس باسيرو ديوماي فاي ورئيس الوزراء عثمان سونكو.
وكان قانون العقوبات السنغالي، المعدّل آخر مرة عام 1966، ينص على عقوبة السجن لمدة تصل إلى خمس سنوات، وغرامة تصل إلى 1.5 مليون فرنك إفريقي (نحو 2676 دولاراً)، على "الأفعال المنافية للطبيعة". غير أن مؤيدي المشروع الجديد عدوا هذه المادة غامضة وغير رادعة بالقدر الكافي.
وينص القانون الجديد على رفع العقوبة إلى السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات، وغرامة تصل إلى 10 ملايين فرنك إفريقي (نحو 18 ألف دولار)، مع منع القاضي من إصدار حكم مع وقف التنفيذ أو تخفيض العقوبة دون الحد الأدنى. كما يوسّع نطاق التجريم ليشمل الترويج لهذه الأفعال أو تمويلها.
ومنذ وصوله إلى السلطة عام 2024 على أساس برنامج "السيادة"، جعل معسكر سونكو، بقيادة حزب الوطنيين الأفارقة السنغاليين من أجل العمل والأخلاق والأخوة (باستيف)، هذا الملف في صدارة أولوياته السياسية. وكان سونكو قد صرّح أمام البرلمان في فبراير/شباط 2026، أثناء عرض مشروع القانون: "هذا أول مشروع قانون أقدّمه شخصياً".
ويهيمن حزب باستيف على الجمعية الوطنية؛ حيث يشغل 109 مقاعد من أصل 165، ما يعكس حجم الدعم الشعبي الذي يحظى به، عقب إطاحة الرئيس السابق ماكي سال وحكومته.
دفاع عن الهوية
لطالما دعا العديد من النشطاء والمدافعين عن الهوية الإسلامية والقيم المجتمعية في السنغال إلى فرض عقوبات أشد على الشذوذ الجنسي.
وفي هذا السياق، طالب رئيس الجماعة الدينية "أند سام جيكو يي"، باباكار سيلا بالإسراع بإخراج القانون، قائلا: "كلما تأخرنا في تطبيق القانون، ازداد الوضع تعقيدا، واستمر هؤلاء الأفراد، الذين أعدّهم خطرا على المجتمع، في الإفلات من العقاب".
وأضاف سيلا في تصريح نقلته وكالة رويترز بتاريخ 12 مارس 2026: "لا يمكن للمرء أن يكون شاذا، وهو أمر خطير بالفعل، ثم يُصاب بمرض وينقل العدوى عمدا... لذلك لا أملك أي مبرر للتساهل مع هؤلاء".
وحثت حركة "أند سام جيكو يي"، الملتزمة بالدفاع عما تصفه بـ "القيم الأخلاقية السنغالية"، السلطات مرارا وتكرارا على تبني تشريعات أكثر صرامة تجرّم العلاقات الشاذة، ويؤكد قادتها بأن القانون ضروري لحماية المعايير الثقافية والدينية السنغالية.
ويأتي تشديد القانون في السنغال في أعقاب موجة اعتقالات قبل شهر لـ 12 رجلا بتهمة إقامة علاقات شاذة، والذين ألقت عليهم الشرطة القبض، من بينهم شخصيتان عامتان وصحفي معروف.
ونقل موقع "قراءات إفريقية" بتاريخ 12 مارس 2026، أن مؤيدي القانون، بمن فيهم نواب من حزب باستيف الحاكم، نظموا مظاهرات عديدة في داكار، هتف خلالها المشاركون "لا للشذوذ الجنسي"، ورفعوا لافتات عليها علامات قوس قزح مشطوبة.
ويُعدّ القانون السنغالي جزءا من موجة تشريعات مماثلة في المنطقة؛ حيث سنّت بوركينا فاسو في 2025 قانونا يُجرّم الشذوذ الجنسي لأول مرة، ويفرض عقوبات بالسجن تصل إلى خمس سنوات.
ويدرس المشرعون في غانا مشروع قانون جديد من شأنه أن يزيد الحد الأقصى للعقوبة على الشذوذ الجنسي من ثلاث إلى خمس سنوات، ويفرض عقوبة السجن على "الترويج المتعمد أو الرعاية أو الدعم لأنشطة الشذوذ الجنسي".
يشار إلى أن أكثر من نصف الدول الإفريقية تحظر وتقيد الشذوذ الجنسي. كما تُطبق عقوبة الإعدام في أوغندا وموريتانيا والصومال، وتُطبق في نحو عشر دول وأقاليم أحكام تتراوح بين السجن عشر سنوات والسجن المؤبد، من بينها السودان وكينيا وتنزانيا وسيراليون.

رفض غربي
لم يمر هذا التصويت دون رد من مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان؛ حيث حثّ رئيسها فولكر ترك، رئيس السنغال، باسيرو ديوماي فاي، على عدم إصدار القانون الجديد الذي أقره البرلمان.
وفي بيان صدر الخميس 12 مارس 2026 في جنيف، وصف تورك القانون بأنه "مثير للقلق البالغ"، قائلا: إنه ينتهك الحقوق في الاحترام والكرامة والخصوصية والمساواة وحرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، وهي حقوق مكفولة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية التي انضمت إليها السنغال.
وحذر المفوض السامي من أن القانون يعرض الأفراد لجرائم الكراهية والانتهاكات والاعتقال التعسفي والابتزاز والتمييز في التعليم والرعاية الصحية والعمل والسكن، كما أنه يحد من عمل المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الصحافة.
ودعا تورك السلطات إلى إلغاء التشريعات التمييزية القائمة وحماية حقوق الإنسان لجميع المواطنين السنغاليين دون تمييز.
كذلك ركز الإعلام الغربي ومنه البريطاني والفرنسي عند ما وصفها بالمخاوف الحقوقية من هذا التعديل القانوني.
وفي هذا الصدد، نقلت بي بي سي عن الباحثة في منظمة هيومن رايتس ووتش، لاريسا كوجوي، تحذيرها من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تفاقم التمييز والعنف ضد الأقليات الجنسية.
وقالت كوجوي لبي بي سي بتاريخ 12 مارس 2026، إن التغييرات المقترحة مثيرة للقلق، مقدرة أن "تجريم السلوك المثلي واعتقال الأشخاص بسبب ميولهم الجنسية ينتهك العديد من الحقوق المحمية دوليا، بما في ذلك المساواة وعدم التمييز".
وأضافت أن مثل هذه الإجراءات قد تعرض الأشخاص الذين يعانون بالفعل من الوصم الاجتماعي لخطر "العنف والخوف".
أما موقع "tv5monde" فنشر تحليلا بتاريخ 13 مارس 2026 وصف فيها التعديل القانوني الجديد بأنه "قمعي"، و"ينتهك حقوق الإنسان" ومن يصفهم بمجتمع الميم.
ونقل المصدر شهادة أشخاص بأسماء مستعارة قالت إنهم قرروا الهروب من السنغال خوفا على أنفسهم بعد تمرير هذا التعديل القانوني.
غير أن الحكومة استبقت هذه الدعوات، بتأكيد وزير الداخلية محمدو بامبا سيسي خلال مناقشة القانون والتصويت عليه بأن "السنغال بلد منفتح على العالم. لكن هذا الانفتاح لا يبرر لنا التخلي عن قيمنا".
كما تحدث النائب البرلماني باكاري ديديو خلال الجلسة مدافعا بحزم عن حق السنغال في تحديد إطار سياستها الخاصة في هذا الموضوع.
ويرى ديديو أن ردود الفعل الخارجية على القانون تبدو كمحاولة لفرض نمط معين من الثقافة، مشددا أن المعايير الثقافية والأخلاقية في منطقة من العالم لا يمكن تطبيقها عالميا دون تقدير للتاريخ المحلي.
وشدد المتحدث ذاته أن "الشعوب لا تعيش تحت نفس السماء الأخلاقية، والأعراف لا تترجم ميكانيكيا من مساحة ثقافية إلى أخرى".

الأخلاق أولا
في السياق، يرى الناشط الاجتماعي سايدو ديالو، أن موضوع الشذوذ هو قضية اجتماعية، وهذا يعني أن لكل مجتمع خصوصياته، وإذا كان الغرب يقدس الشذوذ ويفرش لهم السجادة الحمراء، فهذا ليس حال كل الدول.
وأضاف ديالو لـ "الاستقلال"، عموم إفريقيا لا تشارك المنظومة الغربية موقفها في هذا الموضوع، وتؤمن أن لكل شعب الحق المطلق في قبوله أو رفضه.
لذلك، يردف الناشط الاجتماعي، "يجب أن تعرف الأمم المتحدة وهيئات صنع القرار الأخرى، أنه لا يوجد قانون عالمي يلزم كل الدول بأن تطبع مع الشذوذ.
وأردف ديالو، لذلك تلجأ الدول الديمقراطية أو شبه الديمقراطية إلى التصويت البرلماني لاتخاذ موقف قانوني من القضايا المثيرة للجدل، ومنها أو على رأسها مسألة الشذوذ، ولذلك يجب احترام مخرجات وقرارات كل شعب.
وأكد المتحدث ذاته أنه ليس من حق الأمم المتحدة أو أي منظمة دولية أخرى التدخل في الشأن الداخلي للدول لفرص وصايتها عليها، خاصة في موضوع الحريات، لأن لكل شعب تعريفه الخاص للحرية.
وخلص إلى أن الشذوذ الجنسي إن كان في الغرب مرادفا للحرية وحقوق الإنسان، فهو في إفريقيا والسنغال جزء منها، تمثل تهديدا للثقافة والأخلاق والتوازن الاجتماعي.
المصادر
- برلمان السنغال يقر مشروع قانون جديد لمواجهة الشذوذ الجنسي
- Senegal approves tougher anti-gay law as rights groups raise concerns
- “Je ne suis pas en sécurité”: des personnes homosexuelles au Sénégal fuient le pays face au durcissement de la loi
- Senegal doubles maximum penalty for same-sex activity to 10 years' jail
















