إغلاق مضيق هرمز يضع ترامب أمام خيارين أحلاهما مر.. ما هما؟

"لا يوجد بديل حقيقي للمضيق"
ردا على العدوان الأميركي الإسرائيلي، تعمل إيران في الأسابيع الأخيرة على تعطيل مرور السفن عبر مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنقل النفط والغاز المستخرج من دول الخليج إلى بقية أنحاء العالم.
ويشكّل ذلك مشكلة كبيرة؛ لأن أي دولة خليجية ترغب في تصدير النفط أو الغاز تضطر في الغالب إلى المرور من هناك.
وترتبط هذه الحقيقة بعوامل جغرافية من جهة، وبطبيعة العلاقات المعقدة بين دول الخليج نفسها من جهة أخرى. وفق صحيفة "إل بوست" الإيطالية (Il Post).

لا بدائل
وبحسب تقدير الصحيفة، فلا يوجد بديل حقيقي للمضيق؛ فعلى الرغم من أن هذا الممر البحري عُرف منذ زمن طويل بأنه أحد أكثر النقاط حساسية في المنطقة، لم تُكتشف حتى الآن على وسيلة فعالة لتجاوزه ونقل كميات كبيرة من النفط والغاز بطرق أخرى.
ويُعد مضيق هرمز ممرا بحريا لا يتجاوز عرضه نحو 30 كيلومترا، لكنه بالغ الأهمية لحركة النقل العالمية؛ فهو يفصل شبه الجزيرة العربية عن السواحل الإيرانية، ويشكّل المنفذ الوحيد الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب. ويمر عبره سنويا نحو خُمس النفط المتداول في العالم.
وبحسب التقرير، فقد أدى إغلاق المضيق إلى توقف صادرات النفط لدول الخليج التي تُعد من أكبر المنتجين في العالم، ما تسبّب في أزمة طاقة عالمية وانعكس بقوة على أسعار النفط.
فقد تجاوز سعر البرميل في الأيام الماضية 100 دولار، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ الأشهر الأولى من الحرب في أوكرانيا.
وقال التقرير: "عمليا، فإنّ الطريقة الوحيدة لتصدير النفط والغاز دون المرور عبر مضيق هرمز هي استخدام خطوط الأنابيب، وتمتلك السعودية خط أنابيب ينقل النفط من الخليج إلى البحر الأحمر، كما تمتلك الإمارات خطا آخر يصل الخليج بخليج عُمان".
واستدرك: "غير أن القدرة الاستيعابية لهذين الخطين محدودة؛ إذ لا تتجاوز معا نحو 6 ملايين برميل يوميا، في حين يمكن أن يمر عبر مضيق هرمز أكثر من 20 مليون برميل يوميا".
وتابع: "كما أن إنشاء مثل هذه البُنَى التحتية يتطلب وقتا طويلا وتكاليف باهظة، وهو ما يفسر عدم وجود خطوط إضافية مماثلة حتى الآن".
أما نقل الغاز الطبيعي المسال فالمسألة أكثر تعقيدا؛ إذ لا توجد خطوط غاز تعبر دول الخليج، وبالتالي يبقى الخيار الوحيد لنقله هو الاعتماد على ناقلات الغاز التي تمر عبر ذلك الممر البحري.
وأوضح أن غياب هذه الخطوط يرتبط بعدة أسباب، من بينها تعقيد العلاقات السياسية والتجارية بين دول الخليج.
فالدولة الرئيسة المنتجة للغاز، وهي قطر، لا تشترك بحدود برية إلا مع السعودية، ما يعني أن أي خط غاز قطري لا بدَّ أن يمر عبر الأراضي السعودية، وهي دولة شهدت العلاقات معها توترا شديدا حتى سنوات قريبة.
ففي عام 2017، اتهمت السعودية والإمارات ومصر قطر بدعم الإرهاب والجماعات الإسلامية في المنطقة وبالتقارب المفرط مع إيران، وقطعت علاقاتها الدبلوماسية معها. ولم تُحل الأزمة إلا في عام 2021، لكن منذ ذلك الحين لم تُطرح مشاريع فعلية لبناء خط غاز جديد.

خياران بلا جدوى
وفي السياق، أشارت الصحيفة الإيطالية في تقرير آخر إلى أن الهدف الرئيس للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في هذه المرحلة من الحرب يتمثل في استئناف حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز.
وفي 14 مارس/آذار 2026، طلب ترامب من الدول الأخرى التعاون بإرسال سفن، لكن لم يوافق أحد حتى الآن.
وأوضحت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية أن هناك طريقتين أساسيتين لفتح حركة الملاحة البحرية: إما مرافقة السفن التجارية عبر المضيق، وإما شن عملية عسكرية.
بدورها ترى صحيفة "إل بوست" أن كلا الخيارين صعب التنفيذ، كما لا يبدو مؤكدا أن الولايات المتحدة ستقدم على أي منهما. مشيرة إلى أن أيا من هذين المسارين لن يعيد حركة الملاحة إلى مستوياتها السابقة.
وبالنسبة للخيار الأول، قالت الصحيفة: إن "ترامب يقترحه منذ أسابيع، لكنه لم يُنفذ حتى الآن".
"ويقضي بأن ترافق البحرية الأميركية -بالتعاون مع بحريات دول حليفة- السفن التجارية أثناء عبورها الممر البحري، بهدف تجنب الألغام البحرية التي قد تزرعها إيران، واعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ التي قد تُطلق باتجاهها".
وبحسب خبراء، فإن حماية سفينة شحن مدنية واحدة تتطلب وجود سفينتين حربيتين على الأقل، وقد يصل العدد إلى نحو 10 سفن في حال كان الحديث عن قافلة بحرية أكبر. أي باختصار: يستدعي تنفيذ هذا الخيار نشر قوة بحرية كبيرة.
علاوة على ذلك، وبتقدير عرض المضيق لا يتجاوز 30 كيلومترا، فإن هذا يقلل الوقت المتاح لصد أي هجوم إيراني محتمل. ومن المرجح أيضا، بحسب الصحيفة، الحاجة إلى طائرات مسيّرة للمراقبة والاستطلاع البحري، مما يزيد من تكلفة العملية.
أما الخيار الثاني، وهو أكثر كلفة وأبعد احتمالا في الوقت الراهن فيتمثل فيما يُعرف عسكريا بتعبير "القوات على الأرض"، أي تنفيذ مهمة عسكرية برية.
وحتى الآن تحرص الحكومة الأميركية على تجنب هذا الخيار؛ إذ تقصر المواجهة مع إيران على القصف والضربات الجوية.
وفي حالة مضيق هرمز، فسيعني ذلك تنفيذ عملية عسكرية للسيطرة على جزء من الساحل الإيراني بهدف منع انطلاق الهجمات من هناك.
وسيضطرّ الجيش الأميركي في هذه الحالة إلى بدء غزو محدود يتضمن إنزال قوات برية، ما سيعرضها لاحتمال الرد والهجمات المضادة من جانب إيران. وفق تأكيد الصحيفة.
كما أن مثل هذه العملية ستتطلب نشر آلاف الجنود، مع توقع أن تمتد لفترة طويلة نسبيا قد تصل إلى عدة أشهر كما ترجح "إل بوست".
وقالت: "كلا الأمرين أظهر ترامب بوضوح عدم رغبته في القيام بهما. فمن جهة، أشار الرئيس مرارا وتكرارا إلى رغبته في إنهاء الحرب سريعا، مدعيا أنها قد حُسمت بالفعل، وهو ادعاء مشكوك فيه للغاية".
"ومن جهة أخرى، فإن أي عملية برية ستزيد بشكل كبير من الخسائر الأميركية (حيث قُتل 13 عسكريا حتى الآن)؛ وهذا من شأنه أن يُثير إشكالية لدى الرأي العام، لا سيما لدى ناخبي ترامب، ويتعارض مع خطابه الانعزالي".
وتقول الحكومة الأميركية: إنها تدرس كلا الخيارين. فقد أمر ترامب، في 13 مارس/آذار، بإرسال وحدة استطلاع بحرية إلى الشرق الأوسط، وهي قوة بحرية تشمل السفن الحربية وأطقمها، بالإضافة إلى طائرات مقاتلة وأكثر من ألفي جندي من مشاة البحرية الذين يمثلون عماد المشاة في البحرية.
ومع ذلك، ليس من المؤكد أن هذه الخيارات التي ما تزال في الوقت الراهن على المستوى النظري فحسب، ستكون كافية لإعادة فتح المضيق. وفق الصحيفة.
وأضافت: "حتى في السيناريو الأقل احتمالا، الذي قد تنشئ فيه الولايات المتحدة قاعدة على الساحل الإيراني، لن تكون السفن التجارية في مأمن كامل من الهجمات".
وعللت ذلك بأن "النظام الإيراني يمتلك صواريخ بعيدة المدى، وقد أظهر قدرته على استهداف مناطق بعيدة عن المضيق باستخدام الطائرات المسيرة، كما حصل مع الناقلتين اللتين أُحرقتا قبالة سواحل العراق".
وأضافت: "وفي الحالة الأولى، حتى لو طُبّق نظام "المرافقة" للسفن، ستظل هناك إجراءات أمنية تمنع عودة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب".
وتشير تحليلات شركة "لويدز ليست إنتليجنس"، إحدى الشركات الرائدة في تحليل النقل البحري، إلى أن حركة السفن ستكون حوالي عُشر ما كانت عليه سابقا. وبوتيرة كهذه، سيستغرق إخراج مئات السفن المحجوزة عدة أشهر.

















