تصاعد التمرد والاحتجاجات.. فصل عشرات القياديين يعصف بحزب أتاتورك

منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تصاعد التمرد داخل حزب “الشعب الجمهوري” المعارض في تركيا بين أزمة الشرعية ومعركة “التطهير”؛ حيث تشهد الساحة السياسية واحدة من أكثر اللحظات حساسية داخل الحزب.

كل ذلك ليس بسبب مواجهة خارجية مع خصوم الحزب السياسيين، بل نتيجة أزمة داخلية تضرب صميم بنيته التنظيمية وشرعيته الأخلاقية. 

فلم يكن قرار فصل 30 رئيس فرع، على خلفية بيان طالبوا فيه بـ"تطهير" الحزب من شبهات الفساد، مجرد إجراء انضباطي عابر، بل تحوّل إلى نقطة انفجار كشفت عمق الانقسام داخل الحزب، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول الديمقراطية الداخلية وإدارة ملف الفساد وحدود الولاء للقيادة.

على المحك

ونشرت صحيفة “حرييت” التركية مقالا للكاتب عبد القدير سيلفي، قال فيه: إن البيان الذي وقّعه رؤساء فروع سابقون لم يتضمن اتهامات جديدة، بقدر ما استند إلى وقائع متداولة في المجال العام، حيث تعلّقت بقضايا رشوة وفساد منظورة أمام القضاء، وأسماء قيادية ارتبطت بشبهات مالية وأخلاقية. 

وأوضح أن “جوهر البيان لم يكن الدعوة إلى انشقاق أو تشكيل تيار موازٍ، بل المطالبة بتعليق عضوية من تلاحقهم اتهامات إلى حين تبرئتهم، وذلك حماية لسمعة الحزب ومنعا لتحوله إلى مظلة دفاعية عن بعض الأفرادٍ فيه”.

وعلق سيلفي: "من الناحية النظرية، يُفترض أن مثل هذه الدعوة منسجمة مع خطاب حزب معارض، يرفع شعارات النزاهة والشفافية في مواجهة الحكومة". 

واستدرك: “غير أن رد القيادة جاء معاكسا تماما؛ إذ جرى فصل الموقعين على البيان، بينما بقيت عضوية شخصيات متهمة قائمة، وبعضها ما يزال في مواقع مؤثرة”. 

وشدد الكاتب التركي على أنه “هنا تحديدا انفجرت المفارقة التي غذّت موجة الغضب الداخلي”.

ولفت إلى أن "أخطر ما في هذه الأزمة ليس وجود اتهامات فساد بحد ذاتها، فالأحزاب في كل الأنظمة الديمقراطية قد تواجه شبهات مماثلة، بل الخطورة تكمن في كيفية إدارة تلك الشبهات". 

فعندما يُفصل من يطالب بالتحقيق والمحاسبة، بينما يُترك من تحوم حولهم الاتهامات دون إجراءات احترازية، فإن الرسالة التنظيمية تصبح ملتبسة؛ وهي أن الولاء للقيادة يتقدّم على معايير النزاهة، وفق سيلفي.

وأضاف أن “هذا النمط يعمّق أزمة الثقة داخليا، ويقوّض الخطاب المعارض خارجيا، والحزب الذي يهاجم الحكومة بسبب الفساد، يصبح في موقع دفاعي عندما يُسأل عن معاييره الذاتية، وبدل أن يتحول ملف الفساد إلى فرصة لإعادة بناء المصداقية، يصبح عبئا إضافيا يهدد تماسك الحزب”.

وقال سيلفي: إن “ردود فعل عدد من نواب الحزب، الذين انتقدوا قرارات الفصل علنا، تكشف أن المسألة تجاوزت الخلاف الإداري، لتصل إلى أزمة ديمقراطية داخلية”. 

وأشار إلى أن “حزب الشعب الجمهوري لطالما قدّم نفسه بوصفه حاضنا لتقاليد مؤسساتية عريقة داخل الحياة السياسية التركية، غير أن استخدام آليات التأديب ضد شخصيات خدمت الحزب لعقود، فقط بسبب بيان إصلاحي، يُفهم على أنه تضييق لمساحة النقاش الداخلي”.

وأكد أن “الديمقراطية الحزبية لا تُختبر في أوقات الانسجام، بل في لحظات الاختلاف، وإذا كانت المطالبة بالشفافية تُصنّف تمردا، فإن ذلك ينذر بتحول الحزب إلى بنية مركزية مغلقة، وهو ما قد يدفع التيارات الإصلاحية إما إلى الصمت القسري أو إلى البحث عن أطر بديلة للتعبير”.

صراع أعمق

ونبّه الكاتب التركي إلى أن "الانتقادات الموجهة لرئيس الحزب أوزغور أوزيل لا تقتصر على قرارات الفصل، بل تمتد إلى ما يُنظر إليه كازدواجية في المعايير، فالقيادة التي تفصل من يَنتَقِد بينما تُبقِي من يُنتَقَد تُتهم بتغليب الحسابات السياسية على الاعتبارات الأخلاقية”. 

وذكر أنه “في السياق التركي، حيث تتسم المنافسة السياسية بحدة عالية، فإن أي تناقض أخلاقي يُستثمر بسرعة في الخطاب العام”.

واستدرك: “غير أن تحميل المسؤولية لشخص واحد قد يكون تبسيطا للمشهد، فالأزمة تعكس أيضا بنية حزبية تعاني من تداخل الولاءات، وتشابك المصالح المحلية، وارتباط بعض القيادات بشبكات نفوذ مالية وإعلامية”. 

وبالتالي فإن "التطهير" ليس مجرد قرار إداري، بل عملية مكلفة سياسيا قد تُحدث تصدعات أوسع، وفق سيلفي.

وأضاف أن “المسارات المحتملة أمام حزب الشعب الجمهوري تتعدد في التعامل مع أزمته الراهنة؛ إذ يمكنه السعي إلى احتواء التوتر داخليا من خلال مراجعة قرارات الفصل، وفتح قنوات الحوار بما يعيد التوازن إلى بنيته التنظيمية”. 

وتابع: “كما قد تختار القيادة التمسك بنهج مركزي أكثر صرامة، وهو ما قد يفاقم الانقسامات ويدفع نحو انسحابات صامتة داخل الحزب، أو قد تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة الهيكلة وإطلاق إصلاحات مؤسسية حقيقية تعيد ضبط العلاقة بين القيادة والقاعدة”. 

وشدد سيلفي على أنه “في جميع الأحوال يواجه الحزب اختبارا جديا لمصداقيته، لأن قوة المعارضة لا تُقاس بانتقادها للسلطة فحسب، بل بقدرتها على تجسيد مبادئ الشفافية والمساءلة داخل مؤسساتها”.

وختم  مقاله قائلا: إن "التمرد المتصاعد داخل حزب الشعب الجمهوري ليس مجرد خلاف تنظيمي حول بيان أو قرار فصل، بل هو انعكاس لصراع أعمق حول هوية الحزب ومستقبله". 

ولفت سيلفي إلى أن ملامح المرحلة المقبلة تتحدّد بين من يرى في "التطهير" ضرورة أخلاقية لحماية الإرث السياسي، ومن يعتبره تهديدا للتماسك القيادي.

وتابع: “في النهاية، قد لا تكون القضية فسادا بقدر ما هي أزمة ثقة، وإذا لم تُدَر هذه الأزمة بحكمة وانفتاح، فإن الحزب الذي يسعى إلى إقناع الشارع بقدرته على إدارة الدولة، سيجد نفسه أولا مطالبا بإقناع قواعده بقدرته على إدارة ذاته”.