هل تمثل تركيا تحديا أكثر تعقيدا من إيران لإسرائيل؟.. غالانت يجيب

“يتطلب التعامل مع تركيا إستراتيجية مختلفة”
يفتح تراجع نفوذ إيران في المنطقة المجال أمام قوى إقليمية أخرى، وعلى رأسها تركيا، لتعزيز حضورها، غير أنّ هذا التحول يطرح تحديات أكثر تعقيدا لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ما يستدعي وفق مسؤوليها “تبني مقاربات وإستراتيجيات متباينة للتعامل مع المرحلة المقبلة”.
وشدّد وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، يوآف غالانت، على أن “ضعف إيران يُهيئ الفرصة لتركيا لملء الفراغ”. عادّا أنها “تحد أكثر تعقيدا ويتطلب إستراتيجية مختلفة”.
ورد ذلك في مقال للوزير السابق، المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية على خلفية حرب الإبادة على غزة، نشره على مدونته "ذي ديفونص ميمو" عبر منصة "سبستاك"، تحت عنوان: "التحول الإستراتيجي القادم في الشرق الأوسط".
وقال غالانت: إن "الشرق الأوسط يشهد تحولا إستراتيجيا". مشيرا إلى أن "التاريخ يُعلّمنا درسا بسيطا، وهو أن الحروب لا تقضي على التهديدات فحسب، بل تُعيد تشكيل موازين القوى، فعندما تضعف قوة، تتحرك أخرى لملء الفراغ".
وأضاف أن "الضغط المتواصل على المحور الإيراني أسفر عن نتيجة جيوسياسية مهمة؛ فإيران مقيدة، وحزب الله مُني بخسائر عملياتية فادحة، وسقط نظام بشار الأسد في سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب".
واستدرك: "لكن الفراغات السياسية في الشرق الأوسط نادرا ما تدوم، فاليوم، يبادر الفاعل الإقليمي الأقدر على توسيع نفوذه إلى اتخاذ خطوات جادة".
يأتي ذلك في وقت تشن فيه إسرائيل والولايات المتحدة عدونا ضد إيران منذ 28 فبراير/شباط 2026، أودى بحياة مئات الأشخاص، على رأسهم المرشد علي خامنئي ومسؤولون أمنيون.

عقيدة الأطراف
وقال غالانت: "في عام 2005، خلال فترة عملي كسكرتير عسكري لرئيس الوزراء أرييل شارون، شاركتُ في اجتماعات رفيعة المستوى مع القيادة التركية".
وأضاف "آنذاك، كانت تركيا تُعد شريكا إستراتيجيا لإسرائيل، وقوة صاعدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ودولة تطمح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي".
وبحسب غالانت، فقد عكست هذه العلاقة إطارا أوسع صاغه أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ديفيد بن غوريون، الذي آمن بضرورة بناء تحالفات مع دول غير عربية قوية على أطراف المنطقة.
عُرفت هذه المقاربة باسم "عقيدة الأطراف" أو "عقيدة المحيط"، وقد شكّلت منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي الإطار الناظم لأهم علاقات إسرائيل الإقليمية.
وقال الوزير السابق: إن "بن غوريون أدرك أن إسرائيل، المحاطة بدول عربية معادية، بحاجة إلى شركاء لهم نفس الأعداء، لكن دون صراع مباشر مع الدولة العبرية".
واستطرد: "وهكذا أصبحت تركيا، وإيران ما قبل الثورة، وإثيوبيا ركائز هذه الإستراتيجية، وكان منطقها في ذلك واضحا؛ فهذه الدول غير العربية كانت تخشى صعود القومية العربية بالقدر نفسه الذي تخشاه إسرائيل، ومن ثمّ فإن التعاون بينها يخدم مصالح جميع الأطراف".
ويرى غالانت أن "هذا الإطار نجح على مدى عقود، وإن ظلّ بوتيرة منخفضة نسبيا؛ فقد حافظت إسرائيل على علاقات وثيقة في المجالين الاستخباراتي والعسكري مع أنقرة وطهران".
وأفاد بأن "تركيا كانت تنظر إلى هذه العلاقة بوصفها ورقة توازن في مواجهة ضغوط الأنظمة العربية الراديكالية، فيما رأت إيران في عهد الشاه في إسرائيل ثِقَلا موازنا طبيعيا لطموحات العراق ومصر".
وتابع: "جاء السلام (التطبيع) مع مصر عام 1979، بوصفه أول اعتراف عربي بإسرائيل، ليُرسّخ البنية الإقليمية الأوسع من زاوية مختلفة تماما".
واستدرك: "غير أن عقيدة الأطراف كانت تُفهم دائما بوصفها ترتيبا مؤقتا؛ إذ صُممت لضمان صمود إسرائيل إلى أن يصبح السلام مع جيرانها العرب ممكنا، لا لتكون بديلا عن هذا الهدف".
ولفت غالانت إلى أن " أسسها كانت هشّة بطبيعتها، فقد أطاحت الثورة الإيرانية عام 1979 بأحد أعمدتها بين ليلة وضحاها، فيما كان الانقلاب العسكري في إثيوبيا عام 1974، الذي أنهى حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي، قد أسقط ركيزة أخرى قبل ذلك".
واسترسل: "أما الشراكة مع تركيا فاستمرت لفترة أطول، لكن المسار السياسي خلال العقدين الماضيين حوّل أنقرة تدريجيا من أقرب حليف مسلم لإسرائيل إلى أحد أشد منتقديها".
وأكد غالانت أن "ما نشهده اليوم يمثل الفصل الأخير في انهيار عقيدة الأطراف، فتركيا لم تعد شريكا، بل باتت تسعى إلى ترسيخ موقعها كقوة مركزية، تنظر إلى ضعف إيران لا كمكسب إستراتيجي مشترك، بل كفرصة لتوسيع نفوذها".

مناطق متداخلة
وقال: إن "إيران سعت إلى الهيمنة الإقليمية عبر وكلائها وصواريخها وطموحاتها النووية، وكانت تُصدّر التوترات مع تجنّب المواجهة المباشرة كلما أمكن ذلك".
ورأى غالانت أنه "منذ سقوط نظام الأسد، ازداد الوجود التركي بشكل ملحوظ، وتقدم أنقرة حاليا دعما حاسما للحكومة الانتقالية السورية، وتسعى لترسيخ مكانتها كوسيط القوة الخارجية الرئيس في البلاد".
واستدرك: "لكن هذا النفوذ يتجاوز سوريا بكثير؛ إذ يمتد عبر شمال وشرق إفريقيا، وقد سعت تركيا إلى تعزيز نفوذها في القدس، لا سيما حول الأماكن المقدسة، كما تسعى إلى توسيع وجودها الإقليمي على حدود إسرائيل من خلال قوة حفظ السلام الدولية في غزة".
ولفت غالانت إلى أنه "من المتوقع أن توقع تركيا، خلال قمة الناتو التي تستضيفها أنقرة في 7 يوليو/تموز 2026، اتفاقية طاقة بمليارات الدولارات مع الولايات المتحدة، قد تُمهد الطريق أمام حصولها على مقاتلات إف-35".
وذكر أن "صادرات صناعتها الدفاعية قد بلغت ما يزيد عن عشرة مليارات دولار من المنتجات عام 2025 وحده ".
وأكد غالانت أن "هذا ليس ارتجالا، بل يعكس طموحا إستراتيجيا طويل المدى، فتركيا وإيران، إلى جانب مصر، تعدّ من أبرز الدول المحورية في المنطقة، تشترك في حدود جغرافية وتتنافس على النفوذ في مناطق متداخلة، بما فيها توترات القوقاز".
وتابع: "كانت إيران خطيرة لكنها معزولة نسبيا، أما تركيا، فتمثل تحديا أكثر تعقيدا، تحديدا لكونها جزءا من النظام الغربي، فهي تواجه إسرائيل خطابيا، بينما تربطها علاقات تجارية بأوروبا".
"وتتنافس مع الفاعلين الإقليميين بينما تظل داخل حلف الناتو؛ حيث تحتفظ بثاني أكبر قوة عسكرية نظامية في الحلف، وتمتلك قدرات عسكرية متطورة مع الحفاظ على شرعيتها الدبلوماسية".

مهمة مختلفة
وقال غالانت: "لقد علمتني عقود من الخبرة العملية أن المتنافسات الأيديولوجية داخل العالم الإسلامي ليست مجرد نظريات، بل هي محرك للإستراتيجيات والتحالفات والصراعات".
وأضاف: "استثمرت إيران بكثافة في الساحة الفلسطينية، ليس فقط لتحدي إسرائيل، بل أيضا لتوجيه الطاقات العربية بعيدا عن مواجهة طهران نفسها".
ولا يزال الانقسام السني الشيعي أحد أقوى القوى المحركة في المنطقة -وفق المقال- و"إذا استمر المحور الشيعي في الضعف، فسيتنافس الفاعلون السنة على تشكيل المستقبل، وبين هؤلاء، تمتلك تركيا حجما وقدرة وطموحا لا مثيل له".
وكل هذا لا يعني بالضرورة أن يصبح النفوذ التركي مزعزعا للاستقرار -بحسب تقييم غالانت- “فالتاريخ يُقدّم سوابق أكثر تفاؤلا، فقد شهدت إسرائيل فترة حافظت فيها على علاقات بنّاءة مع تركيا، وسلام مع مصر، وتوازن غير مباشر مع إيران قبل الثورة”.
وتابع: "التوازن الإقليمي ليس مستحيلا، لكنه لا يستمر من تلقاء نفسه، بل يتطلب إستراتيجية واضحة واعترافا واقعيا بالتحولات الناشئة، ولذلك، ينبغي على إسرائيل أن تسعى بفاعلية لإصلاح هذه العلاقة، فالأساس موجود، والمنطق الإستراتيجي لم يكن يوما أقوى من الآن".
“لكن الانخراط يجب أن يقترن بالوضوح، فحين تبقى طموحات تركيا بعيدة عن حدود إسرائيل، فهي شأن سيادي تركي بحت، أما حيث تعمل قوات مدعومة من تركيا على حدود إسرائيل، فالمعادلة تتغير”. وفق غالانت.
وأردف: "تتطلب التحديات المختلفة استجابات مختلفة. تجاه إيران، يجب على العالم الحر التحرك بحسم ودون تأخير للقضاء على ما تبقى من قدراتها النووية والصاروخية ما دام الباب مفتوحا".
واستطرد: "أما تجاه تركيا، فالمهمة مختلفة، وتكمن في توجيه نشاطها المتزايد في مسارات بنّاءة للشرق الأوسط، بدل السماح له أن يتحول إلى مصدر جديد للتوتر".
وختم غالانت بالقول: إن "الخيارات التي ستتخذ في الأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كان الشرق الأوسط بعد إيران أكثر استقرارا أم مجرد خطر مختلف، ومن ينتظر حتى يستقر النظام الجديد قبل الرد، فسيجد نفسه لم يعد يشكّله، بل يعيش في ظله".


















