إعادة إعمار غزة تحت رعاية ترامب.. هل تفلت إسرائيل من الحصار الدولي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في 19 فبراير/شباط 2026، اجتمع ما يعرف بـ"مجلس السلام" التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب، لأول مرة في واشنطن، بحضور وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر؛ حيث تعهدت دول المجلس بتقديم 5 مليارات دولار لإعادة إعمار غزة.

وفي السياق، يرى "المجلس الأطلسي" الأميركي أن إسرائيل بحاجة إلى تغيير جذري في سياستها الخارجية، مقدرا أن إعادة إعمار غزة تشكّل فرصة مناسبة لتحقيق ذلك، بعد ما ارتكبته من إبادة جماعية في القطاع الفلسطيني طوال عامين.

سمعة سيئة

وقال المجلس في تقرير له: "قد يوحي هذا المشهد بصورة براقة، لكن لا لبس في أن سمعة إسرائيل الدولية تضررت نتيجة سلوكها في غزة منذ اندلاع القتال عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023".

ويتجلى ذلك في لوائح الاتهام الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، بل حتى في الولايات المتحدة، الحليف القوي لإسرائيل.

وبحسب مركز بيو للأبحاث، أفاد 53 بالمئة من البالغين الأميركيين في عام 2025 بأن لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ42 بالمئة في عام 2022.

ومع ذلك، فإن ما يبدو نهايةً للحرب يوفّر لإسرائيل لحظة فريدة لمراجعة موقعها الراهن ومسارها المستقبلي. بحسب المجلس.

وأضاف: "انطلاقًا من وجودها في مجلس السلام، تستطيع إسرائيل البدء في معالجة الانتقادات الدولية من خلال تمويل وقيادة إعادة إعمار غزة".

ورغم أن الحكومة الإسرائيلية الحالية والثقافة السياسية السائدة لا توحيان باستعداد جدي لمناقشة مثل هذا الطرح، فإن تحوّلًا ملموسًا في سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين يظل ضروريًا إذا أرادت تغيير الانطباع الواسع بأن جيشها استهدف المدنيين عمدًا، وفق توصية المجلس.

كما أن خطوة من هذا النوع  قد تُعد تعبيرًا عن تحمّل المسؤولية الأخلاقية تجاه الخسائر في الأرواح والممتلكات التي لحقت بمدنيين لا صلة لهم بالجماعات المسلحة.

وفي هذا السياق، استشهد التقرير ببرامج إعادة الإعمار التي قادتها الولايات المتحدة في ألمانيا الغربية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

واستدرك: "غير أن هذه ليست سوى خطوة واحدة ينبغي على إسرائيل التفكير فيها إذا أرادت ترسيخ مكانتها كشريك جدير بالثقة لجيرانها وعضو مسؤول في المجتمع الدولي. فإلقاء نظرة متأنية على العامين الماضيين يكشف حجم المسافة التي لا تزال تفصلها عن هذا الهدف".

جرائم بالجملة

وقال التقرير: إن إسرائيل استهدفت المدنيين الفلسطينيين وقتلتهم، بدلا من الاقتصار على المقاتلين في القطاع، وهذا ما خلصت إليه منظمتا "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش".

وتشير تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة التي باتت مقبولة حتى من قِبل الجيش الإسرائيلي إلى أن عدد الشهداء تجاوز 70 ألفا حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، أي ما يزيد عن 3 بالمئة من سكان غزة قبل الحرب.

كما بلغ عدد الجرحى نحو 171 ألفا حتى أواخر نوفمبر/تشرين الثاني. إضافة إلى ذلك، ومنذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، استُشهد مئات الفلسطينيين وأُصيب أكثر من ألف في هجمات إسرائيلية.

وتابع التقرير: "رغم أن إحصاءات وزارة الصحة لا تُميّز بين المقاتلين وغير المقاتلين، فإن المدنيين في غزة يُشكّلون 83 بالمئة من إجمالي الضحايا، وفقا لتقديرات عسكرية إسرائيلية مُسرّبة".

وخلال حربها على غزة، قتلت إسرائيل كوادر طبية، ومسعفين، وعمال إغاثة، وصحفيين. علاوة على ذلك، أفاد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أنه حتى منتصف يوليو/تموز 2025، قُتل 875 شخصا أثناء بحثهم عن الطعام، من بينهم 674 استُهدفوا بالقرب من مواقع "مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة إسرائيليا.

وتُقدّر الأمم المتحدة أن نحو 92 بالمئة من المباني السكنية في غزة قد تضررت أو دُمرت بالكامل. كما شنّ الجيش الإسرائيلي هجمات على منشآت تعليمية وطبية ودينية ودولية في غزة.

أخيرا، وكعقاب جماعي لسكان غزة، عرقلت إسرائيل وصول الضروريات الأساسية للحياة، من غذاء وماء وإمدادات طبية، فضلا عن الخيام التي أصبحت ضرورية جراء الدمار الشامل.

وبعد وقف إطلاق النار الحالي الذي بدأ في 10 أكتوبر/تشرين الأول، واصلت إسرائيل -على حد تعبير منظمة "أوكسفام" الحقوقية- "رفضا تعسفيا" لعشرات الشحنات من المساعدات الإنسانية إلى غزة.

وأشار المجلس إلى أنه قد لا يُعرف أبدا عدد المرضى أو الجرحى في غزة الذين لقوا حتفهم -أو ما زالوا يواجهون الموت- نتيجة نقص الأدوية أو سوء التغذية.

وقد خلص فريق من الخبراء المستقلين كلّفه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ترتكب "إبادة جماعية" في غزة.

عزلة مقلقة

وقال المجلس: إن "من الأسباب الأخرى لعزلة إسرائيل المتزايدة سلوكها في مناطق أخرى من الإقليم. ففي سوريا، شنت إسرائيل هجمات واستولت على المزيد من الأراضي شرق هضبة الجولان، رغم عدم تعرضها لهجمات مباشرة، مدعيةً أن النظام الجديد قد يُشكل تهديدا".

وفي لبنان، واصلت إسرائيل هجماتها رغم وقف إطلاق النار المُبرم منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مُدعيةً أن الضربات ضرورية لمنع حزب الله من استعادة قدراته.

وفي كل من لبنان وسوريا، أدت الخسائر في صفوف المدنيين إلى اتهامات من "منظمة العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" بارتكاب إسرائيل جرائم حرب محتملة.

وكان الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، الذي استهدف عبثا القيادة السياسية لحماس التي كانت تتفاوض معها، نقطة تحول رئيسة، وفق وصف المجلس.

وقال: إن "الولايات المتحدة أدركت، عن حق، أن الضربة تُهدد رؤيتها للتكامل الإقليمي، فسارعت إلى كبح جماح مغامرات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو".

وفي الضفة الغربية، ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدى الحصار العسكري الشامل إلى تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من منازلهم، في نمط وصفته "هيومن رايتس ووتش" بأنه "جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وتطهير عرقي".

علاوة على ذلك، وبدعم من وزراء في الحكومة وحماية من الجيش الإسرائيلي، شنّ المستوطنون ما يقرب من 3 آلاف هجوم على الفلسطينيين في الضفة الغربية خلال العامين الماضيين، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتدمير ممتلكات و"اعتقالات".

وعندما يهاجم المستوطنون القرى الفلسطينية، تلجأ القوات الإسرائيلية في كثير من الأحيان إلى اعتقال الفلسطينيين لاستعادة النظام، عادةً دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة.

واستُشهد نحو ألف فلسطيني، بينهم نحو مئتي طفل، على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025 في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

وبحسب التقرير، فمن المرجح أن تؤدي الخطوات الأخيرة التي اتخذتها إسرائيل لتوحيد عمليات بيع أراضي الضفة الغربية مع الإجراءات المتبعة في إسرائيل -أي إلغاء أي تمييز بين بيع الأراضي "الإسرائيلية" وأراضي الضفة الغربية- إلى زيادة التوتر بين المستوطنين والفلسطينيين في المنطقة.

ووُجهت اتهامات موثوقة لجنود إسرائيليين بتعذيب أسرى فلسطينيين، بما في ذلك العنف الجنسي والضرب وسوء التغذية والإهمال الطبي المتعمد.

ويوثق تقرير صادر عن منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان - إسرائيل" في نوفمبر/تشرين الثاني وفاة 98 أسيرا فلسطينيا نتيجة سوء المعاملة. كما فصّلت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان، في تقرير لها عام 2024، انتهاكات حقوق الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وأظهر مقطع فيديو حديث جنودا إسرائيليين يعدمون فلسطينيين اثنين في جنين بعد أن بدا أنهما استسلما.

وعلى هذا، أكد "المجلس الأطلسي" أن عزلة إسرائيل تتزايد في أهم محفل دولي، وهو الأمم المتحدة. ففي سبتمبر/أيلول 2024، صوّتت 124 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار ضد إسرائيل.

حيث يدعوها إلى الامتثال للقانون الدولي، وسحب قواتها العسكرية من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ووقف النشاط الاستيطاني، وإجلاء جميع المستوطنين من الأراضي المحتلة، وهدم جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية؛ بينما عارض القرار 14 دولة فقط، وامتنعت 43 دولة عن التصويت.

وقد وجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات إلى قادة إسرائيليين، بمن فيهم نتنياهو، بسبب حرب غزة. وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد الدول التي اعترفت بدولة فلسطينية إلى 145 دولة؛ إذ أقدمت تسع عشرة دولة -بينها 15 دولة أوروبية- على الاعتراف بفلسطين خلال عامي 2024 و2025.

وتابع التقرير: "أدى مرور عامين على حرب غزة وما رافقها من كارثة إنسانية إلى تفتيت الإجماع المؤيد لإسرائيل الذي كان يحميها من الضغوط الدولية قبل الحرب الأخيرة".

وتتزايد الدعوات لمقاطعة الشركات المرتبطة بإسرائيل، ومنعها من المشاركة في الفعاليات الرياضية والثقافية، وقطع العلاقات مع مؤسساتها الأكاديمية.

ويتعهد النشطاء المؤيدون لفلسطين بمواصلة الضغط رغم وقف إطلاق النار. كما بدأت إسرائيل تفقد الدعم السياسي في الولايات المتحدة، بعد تراجع تأييدها من القواعد الانتخابية لكلا الحزبين السياسيين، خاصة بين الشباب، وفق التقرير.

نحو الهاوية

وقال المجلس: "بدلا من التعويل على دول الخليج لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب -وهو أمر تُبدي هذه الدول تحفظا حياله ما لم تحصل على ضمانات بأن إسرائيل ستوقف هجماتها- يمكن لإسرائيل أن تُظهر نفسها فاعلا إقليميا مسؤولا من خلال تولّي زمام المبادرة في إعادة إعمار غزة".

"كما أن خطوة كهذه ستعكس تفكيرا إستراتيجيا بالمستقبل، بما في ذلك تحسين مستوى معيشة سكان غزة بعد حرب مدمّرة، ومراجعة جدوى سياسة الحصار العقابي التي فرضتها إسرائيل على القطاع، بدعم مصري، طوال العقدين الماضيين"، وفق التقرير.

وأكد أن التحول الجذري الحقيقي في نهج إسرائيل تجاه القضية الفلسطينية، والذي يهدف إلى تغيير الرأي العام الدولي تجاهها، يتطلب اتخاذ إجراءات مثل قمع إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، ومحاكمة الجنود الذين عذبوا أسرى فلسطينيين.

هذا فضلا عن الالتزام بعدم حجب الغذاء أو الإمدادات الطبية كعقاب جماعي، وكبح جماح السياسات العنصرية والتحريض على العنف من قبل وزراء في الحكومة، بمن فيهم بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الطاقة إيلي كوهين، وغيرهم.

كذلك، فإن إعادة إعمار قطاع غزة ستُمثّل شكلا من أشكال التعويض عن الضرر الذي ألحقته إسرائيل بالنسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الفلسطيني في غزة، سواءً من خلال الحصار أو الحرب، بحسب التقرير.

وتابع: "لم يعد الدعم الأميركي موثوقا كما كان في السابق، ومن غير المرجح أن يتطور اندماج إسرائيل الإقليمي، بما في ذلك العلاقات الرسمية مع الدول العربية المجاورة، طالما استمرت في إثارة استياء الشعوب العربية بمعاملتها للفلسطينيين".

ويرى المجلس أن "الانتخابات العامة الإسرائيلية لعام 2026 ربما تُشكل نقطة تحول طبيعية لحكومة إسرائيلية جديدة لتبني سياسات جديدة أكثر ملاءمة لإعادة اندماجها في المجتمع الدولي".