“بلا أمن ولا حماية”.. لهذه الأسباب لن يعود الخليج أبدا كما قبل الحرب

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

هزّت الأيام الأولى من العدوان الأميركي الإسرائيلي وما تبعه من رد إيران، منطقة الخليج هزا عنيفا. 

فخلال الساعات الـ 48 الأولى منها، استهدفت إيران جميع دول مجلس التعاون الخليجي، بدءا من الإمارات التي تكبدت وطأة مئات المسيّرات والصواريخ، وصولا إلى السعودية وعُمان وقطر وغيرها.

ولم تقتصر ضربات إيران على القواعد العسكرية الأميركية في العديد من هذه الدول، بل استهدفت أيضا مواقع مدنية، بما في ذلك المطارات والفنادق، ثم البنية التحتية الرئيسة للنفط والغاز، وفق تقرير للمجلس الأطلسي.

ويدعي المجلس أن الدفاعات الجوية الخليجية فعّالة إلى حد كبير ضد الصواريخ الإيرانية، مما ساعد على منع وقوع أضرار كارثية، إلا أن الطائرات المسيّرة أثبتت صعوبة صدّها.

ويرى أن الخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالمطارات الرئيسة والمواقع السياحية الشهيرة جراء المسيّرات ستكون لها عواقب وخيمة على سمعة المنطقة كمركز تجاري.

وجاء التقرير بقلم أليسون مينور، وهي باحثة في المجلس الأطلسي، وقد شغلت سابقا منصب نائب المبعوث الأميركي الخاص لليمن، ومديرة شؤون شبه الجزيرة العربية في مجلس الأمن القومي الأميركي.

ومنذ 28 فبراير/ شباط 2026، تتعرض 8 دول عربية، هي البحرين والسعودية وقطر والكويت والإمارات وسلطنة عمان والأردن والعراق، لهجمات إيرانية بصواريخ ومسيّرات، عقب بدء إسرائيل والولايات المتحدة عدوانا عسكريا على طهران.

وتقول إيران إنها تشن هجمات على قواعد ومصالح أمريكية في هذه الدول العربية، غير أن بعضها خلف قتلى وجرحى، وألحق أضرارا بأعيان مدنية، بينها مبان سكنية وموانئ.

عواقب وخيمة

وقال التقرير: "ردا على الهجوم الإيراني، تكاتفت دول مجلس التعاون، مُظهرةً أنه حتى في خضم الخلاف العلني بين الرياض وأبو ظبي، لا يزال التضامن الخليجي قويا. وأوضحت السعودية والإمارات أن الهجمات الإيرانية تجاوزت الخطوط الحمراء، وأنهما تحتفظان بحق الرد".

وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 2 مارس/آذار 2026، بأن الهجمات الإيرانية على الخليج هي "أكبر مفاجأة" في الحرب حتى الآن. وأضاف أن دول الخليج "كانت تنوي المشاركة بشكل محدود للغاية، والآن تُصر على المشاركة".

ووفق المجلس، فإنه بغضّ النظر عما إذا كانت دول الخليج سترد عسكريا في الأيام المقبلة، فإن هذه الأحداث ستجبرها على إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية والاقتصادية بطرق قد تكون لها تداعيات طويلة الأمد، حتى بعد انتهاء العمليات الأميركية في إيران.

وقال: "يعد الهجوم الإيراني الكاسح على الإمارات أحد أبرز عناصر الرد الإيراني المبكر. فقد تعرضت الإمارات خلال الـ 24 ساعة الأولى من الحرب لحصيلة من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية تكاد توازي تلك التي استهدفت إسرائيل، رغم تأكيد أبو ظبي أنها لن تسمح باستخدام مجالها الجوي لمهاجمة إيران".

وقد حافظت أبو ظبي وطهران على "اتفاق شرف" طويل الأمد لتجنب المواجهة المباشرة، مستندا في جزء منه إلى المصالح المالية الكبيرة لإيران في دبي.

ولا يزال سبب استهداف إيران للإمارات بهذا الشكل غير واضح -وفق التقرير- لكن من الممكن أن تفترض طهران أن الإمارات تستطيع الضغط على واشنطن لإيقاف الحملة.

"كما قد تكون مدركة أن أي هجمات على دبي تشكل نقطة حساسة للإمارات التي تعتمد على سمعة المدينة كمركز تجاري وسياحي".

وتابع: "أمضت الإمارات عقودا في تعزيز سمعة دبي العالمية كواحة للاستقرار، وتُعد هذه السمعة حجر الزاوية في نهج الإمارات الاقتصادي".

ويُشكّل القطاع غير النفطي أكثر من ثلاثة أرباع الناتج المحلي الإجمالي للإمارات، وهو المصدر الرئيس للنمو الاقتصادي. إلا أن هذه السمعة تُعدّ أيضا نقطة ضعف كبيرة لدولة لا تبعد سوى بضعة أميال عن إيران.

وأوضح التقرير أن الهجوم الإيراني الحالي أشدّ وطأةً بكثير من هجمات الحوثيين على الإمارات في يناير/كانون الثاني 2022، فالهجوم الأخير فيه أكثر من عشرة أضعاف عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة، وعدد أكبر من الضحايا، وضربات مباشرة في قلب دبي.

ولهذا، يرى المجلس أنه "إذا كانت هجمات يناير/كانون الثاني 2022 قد شكّلت تحديا لنهج الإمارات في الأمن القومي والاقتصاد، فمن المرجّح أن تُجبر الهجمات الإيرانية الإمارات على إعادة تقييم شاملة لنهجها".

"صديق للجميع"

وأضاف التقرير أن من الجوانب المفاجئة الأخرى للرد الإيراني استهدافه سلطنة عُمان التي حرصت على تحقيق التوازن بين التعاون مع الولايات المتحدة والعلاقات الوثيقة مع إيران. 

وبناءً على ذلك، فإن الوجود العسكري الأميركي في عُمان محدود للغاية مقارنةً بدول الخليج الأخرى.

وقد سمح النهج العُماني، المعروف شعبيا بـ"صديق للجميع، عدو لا أحد"، لعُمان بدور الوسيط مع الإيرانيين، وحمى البلاد سابقا من التهديدات الإيرانية التي واجهتها دول الجوار.

ولهذا، يؤكد المجلس أن "وقوع عُمان نفسها ضحية لهجوم إيراني يؤكد أن جميع دول المنطقة تُدفع في الصراع الحالي إلى اختيار أحد الطرفين".

وقال التقرير: "لطالما اعتقدت دول الخليج أن وجود قواعد عسكرية أميركية على أراضيها سيُترجم إلى دعم أمني أميركي، لا سيما ضد الهجمات الإيرانية والهجمات المدعومة من إيران".

واستدرك: "لكن مع سعي الولايات المتحدة لتقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط، تزايد قلق حكومات الخليج من عدم تدخل القوات الأميركية للدفاع عنها عند الحاجة".

"وقد عزز رد فعل واشنطن على الهجمات المدعومة من إيران عام 2019 هذا القلق، الذي تصاعد بشكل كبير في أغسطس/آب 2025، عندما شنت إسرائيل غارة على عناصر من حماس في الدوحة".

إذ أشارت الضربة الإسرائيلية إلى أن مكانة قطر كحليف رئيس للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو، ووجود أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة على أراضيها، لم تكن كافية لحماية البلاد من الهجمات.

وأسفرت الهجمات الإيرانية الحالية على الخليج -إلى جانب احتمال استمرار حالة عدم الاستقرار في إيران- عن رفع المخاطر المتصورة بشأن وجود القواعد العسكرية الأميركية، في وقت بدأت فيه دول الخليج نفسها تتساءل عن جدوى هذه القواعد.

وفي ظل هذا التغير في تحليل التكاليف والفوائد، يصبح من الضروري أن تشرع الولايات المتحدة في حوار جاد مع جميع شركائها في الخليج بشأن مستقبل علاقاتها العسكرية في المنطقة.

عهد جديد

ويواصل المجلس الأميركي ادعاءاته بالقول: إن السعودية هي الأكثر استفادة من ضعف إيران. 

فقد سعت منذ زمن طويل إلى أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، وكانت إيران تشكل باستمرار أكبر تهديد لهذا الهدف نظرا لقدراتها العسكرية وشبكة وكلائها وطموحاتها الإقليمية.

وقد خفتت حدة هذا التهديد بعد حرب الأيام الاثني عشر العام الماضي 2025، وضعف شبكة وكلاء إيران. والآن، قد توجه العمليات الأميركية والإسرائيلية الجارية ضربة أقوى.

وربما يُفسر الدور المهيمن للسعودية في المنطقة سبب ضبط النفس النسبي الذي أبدته إيران في البداية، ففي الساعات الـ 48 الأولى منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية، أفادت التقارير أن إيران شنت هجومين فقط على السعودية، مقارنةً بأكثر من 150 صاروخا و500 مسيّرة على الإمارات.

وربما تكون إيران قد حسبت أن السعودية هي الدولة الخليجية الأكثر احتمالا للرد عسكريا، ولذا امتنعت عن شن هجمات كبيرة ضدها حتى قررت تصعيد هجماتها على الخليج في 2 مارس، حين بدأت باستهداف البنية التحتية الرئيسة للنفط والغاز في المنطقة، بما فيها السعودية.

وأشار التقرير إلى أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، يبدو أنه مستعد لاستثمار الفرصة الراهنة لترسيخ دور الرياض كالقوة المهيمنة في الشرق الأوسط، رغم حرص السعودية على التعامل بحذر مع العمليات الأميركية والإسرائيلية.

وهذه التفاصيل تساعد في تفسير الرسائل المتضاربة بشأن ما إذا كان المسؤولون السعوديون يناصرون الضربات الأميركية ضد إيران.

وبينما تدرس السعودية ردها على الهجمات الإيرانية، ستسعى الرياض لتقييم أفضل السبل للتأثير على ما سيأتي في إيران، وما إذا كانت العمليات الحالية تشكل فرصة جدية لمعالجة التهديد الإيراني بشكل دائم.

وتشكل الرسائل الأميركية غير المتسقة حول أهداف واشنطن من الحرب تحديا كبيرا للرياض في هذا الصدد، وفق ادعاءات المجلس.

وأردف أنه لا يُعدّ نجاح السعودية مضمونا على الإطلاق؛ فربما لا يستطيع النظام الإيراني المُنهك منافسة النفوذ السعودي كما كان يفعل سابقا.

لكن إيران غير المستقرة قد تُشكّل تهديدا مستمرا للسعودية وبقية المنطقة، لا سيما إذا قرر حلفاء إيران في اليمن استغلال الاضطرابات لكسر هدنة طويلة الأمد مع الرياض.

ومع استمرار تطور الأحداث، قد يُقدّم موقف السعودية مؤشرات قيّمة لما قد يحمله العصر المقبل في الشرق الأوسط، وفق المجلس المحسوب على اللوبي الإسرائيلي بأميركا.