كيف غير العدوان الإسرائيلي الأميركي ميزان القوى داخل المعارضة الإيرانية؟

“متسللين وملكيين وانفصاليين”.. كيف يبدو مشهد المعارضة الإيرانية بالخارج؟
تعمل قوى المعارضة الإيرانية على توحيد صفوفها بعد عقود من الانقسام، من خلال تشكيل تحالفات جديدة ومحاولة رأب الخلافات بين فصائلها في الداخل والخارج، تحسباً لاحتمال حدوث انتقال سياسي في السلطة بعد العدوان الإسرائيلي الأميركي الراهن.
وبعد 47 عاماً من التشتت، شكّلت مظاهرات يناير/كانون الثاني 2026 واستمرار الاحتجاجات داخل إيران دافعاً لتقريب المواقف بين أحزاب المعارضة في الخارج المدعومة أميركيا وإسرائيليا.
وتسارع هذا المسار منذ 28 فبراير/شباط، مع بدء عدوان الولايات المتحدة وإسرائيل أسفر عن مقتل معظم القيادات السياسية والعسكرية العليا، بمن فيهم المرشد علي خامنئي، ما أحدث صدمة كبيرة في مشهد المعارضة داخل إيران وخارجها.
وفي تقرير له، قال موقع "ذا ميديا لاين": "في الأيام الأخيرة، أثار توحيد عدة أحزاب كردية إيرانية رئيسة تفاؤلا متجددا. وفي الوقت نفسه، اتخذت الجماعات الجمهورية خطوة نحو التماسك بعقد اجتماع مغلق في لندن بعنوان "مؤتمر الحرية في إيران".
وحدة منتظرة
وأضاف الموقع الأميركي: "ورغم أن الأحزاب اليسارية الإيرانية العريقة -التي يعود تاريخ بعضها إلى ما يقارب سبعين عاما- لم تُشكّل بعد جبهة موحدة، فقد سعى ناشطون يساريون شباب، أُجبروا أخيرا على المنفى، إلى سدّ هذه الفجوة".
"وأعلن العشرات منهم عن تشكيل جماعة جديدة موجهة للشباب تُدعى "التحالف الشامل لليسار الثوري"، شاركت في تأسيسها شخصيات بارزة من الحركة الطلابية الإيرانية غادرت البلاد في السنوات الأخيرة، أو حتى في الأشهر الأخيرة. وتُعدّ هذه المبادرة محاولة جديدة لتجاوز التشرذم بين جيل اليسار الجديد".
في غضون ذلك، اتخذ رضا بهلوي، الشخصية البارزة بين مؤيدي اليمين والملكية، خطوة غير متوقعة أخيرا، إذ التقى بمجموعة من المثقفين ذوي الميول اليسارية في باريس.
وكان من بين الحاضرين بعض أبرز المفكرين الإيرانيين، بمن فيهم داریوش آشوری، العضو المؤسس لاتحاد الكتاب الإيرانيين.
وكان هذا الاتحاد من بين المؤسسات التي سُجن أعضاؤها مرارا وتكرارا على يد جهاز السافاك في ظل النظام الملكي، ومُنعت كتبها أو خضعت للرقابة. وبعد قيام الجمهورية الإسلامية، واجه أعضاؤه القمع مجددا، حيث أُعدم بعضهم أو اغتيلوا، وفق التقرير.
وحضرت الاجتماع أيضا الكاتبة وعالمة الاجتماع الإيرانية شهلا شفيق التي عاشت في المنفى لسنوات، وهي مؤلفة العديد من الأعمال المهمة التي تنتقد الإسلام السياسي والشمولية الإسلامية.
ووصف بعض مؤيدي بهلوي هذا التجمع بأنه محاولة لكسب تأييد المثقفين اليساريين. وقد زاد من حدة الجدل حضور زوجته ياسمين بهلوي، التي يربطها بعض النقاد بشعار "الموت للفاسدين الثلاثة: الملا، واليساري، والمجاهد".

فقد فسر كثيرون من اليسار هذا الشعار على أنه يستهدفهم، لا سيما في ظل المعارضة الشعبية الواسعة للمؤسسة الدينية وعدم شعبية "منظمة مجاهدي خلق" الإيرانية بين قطاعات واسعة من المجتمع.
وبحسب التقرير، فقد أثار الاجتماع ردود فعل غاضبة. إذ اتهم بعض النقاد المثقفين المشاركين بالانحياز إلى التيار السياسي المهيمن بقيادة بهلوي، مستشهدين بما حدث عام 1979، حين جرى تهميش المثقفين وسط الدعم الشعبي الواسع للآية الله روح الله الخميني.
مع ذلك، سعى بهلوي إلى بناء تحالفات، ليس عبر الأحزاب السياسية، بل من خلال التواصل مع شخصيات مؤثرة، لا سيما الشخصيات البارزة على مواقع التواصل الاجتماعي والمشاهير.
وخلال احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية" [انطلقت في سبتمبر/أيلول 2022 بعد مقتل مهسا أميني]، انسحب بهلوي من ائتلاف سابق مع شخصيات من الوسط واليسار، ومنذ ذلك الحين، روّج المقربون منه لشعار "بلد واحد، علم واحد، قائد واحد".
استياء كردي
وأكد الموقع الأميركي أن "أي تحالف يستثني الجماعات العرقية المتنوعة في إيران، فضلا عن الطيف الواسع من التيارات السياسية والاجتماعية بين سكان إيران البالغ عددهم 95 مليون نسمة، سواء داخل البلاد أو خارجها، من غير المرجح أن يحقق تأثيرا مستداما على الأرض".
وأضاف: "لقد حظيت الجهود المنسقة للأحزاب الكردية الإيرانية الكبرى -التي شارك العديد منها في الكفاح المسلح ضد الجمهورية الإسلامية- بالترحيب على نطاق واسع".
ومع ذلك، وفي بيان أثار ردود فعل قوية، حذّر رضا بهلوي من "الانفصالية" وهدد ضمنيا الأحزاب الكردية بالقمع العسكري.
وردّت الأحزاب الكردية بانتقاده، مؤكدة أن ولي العهد السابق، مثل الجمهورية الإسلامية، يستخدم "عصا اتهامات الانفصالية البالية" لإسكاتهم.
ويبدو أن هذا الجدل قد عمّق الانقسام بين بهلوي والجماعات الكردية، التي صرّح العديد منها بأنها تسعى إلى أشكال من الحكم الذاتي على غرار النموذج الفيدرالي السويسري بدلا من الانفصال الكامل، وفق التقرير.
وفي سياق منفصل، تتحرك جماعات مستقلة، من بينها مؤيدو حراك "المرأة، الحياة، الحرية" داخل إيران، لتشكيل ائتلاف جديد.
وقالت شيرين شمس، إحدى قيادات "تجمع الثورة النسائية"، لموقع "تي إم إل": إن هذا الجهد يستجيب مباشرةً لنشطاء داخل البلاد يدعون إلى بديل ديمقراطي تعددي. وأضافت: "نحن نبني شبكة منظمة وشاملة من شأنها أن تخلق صلة فعّالة بين القوى داخل إيران وخارجها".
وأضافت أن الإعلان الرسمي وشيك، ووصفَت المبادرة كجبهة معارضة وخطة انتقالية في الوقت نفسه، قائلة: "هدفنا هو خلق تآزر ووحدة بين جميع القوى الملتزمة بحركة المرأة، الحياة، الحرية من أجل إسقاط الجمهورية الإسلامية وإعداد بديل سياسي للفترة الانتقالية، يكون مميزا ومتجذرا في المجتمع الإيراني".
وأوضح الموقع أن احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026، أظهرت أنه رغم ملايين المشاركين في الشوارع، فإن غياب القيادة المنظمة جعل مواجهة دولة مستعدة لنشر قوات مدرعة أمرا شبه مستحيل دون تكبد خسائر بشرية كبيرة وفوضى اجتماعية.
والآن، مع إدراك القوى المعارضة أن الجمهورية الإسلامية في أضعف موقف لها منذ 1979، تكثفت الجهود نحو الوحدة وبناء التحالفات، وهو شعور عززه ضربة 28 فبراير/شباط التي أطاحت بالكثير من قيادات النظام وأثارت مزيدا من عدم اليقين بشأن السلطة والخلافة.
وداخل البلاد، تضم المعارضة شخصيات بارزة مثل الحائزة على نوبل، نرجس محمدي، إلى جانب مفكرين من مختلف التوجهات اليسارية والوسطية والقومية.
ومعظمهم إما مسجون أو محتجز فعليا من قِبل الدولة. ومع ذلك، تستمر مجموعات الطلاب وناشطاتُ حقوق النساء ومنظمو العمال ومجالس المعلمين وجمعيات المتقاعدين في تنظيم إضرابات واحتجاجات، وقد تلعب دورا حاسما في لحظة حرجة.
تهديد إستراتيجي
وتابع التقرير الأميركي: "لسنوات، حاول النظام الإيراني وجهاز استخباراته اختراق الحركات المعارضة داخل إيران وخارجها لبثّ عدم الثقة وزرع الانقسامات".
"ومن ثم، فإن جبهة موحدة -أو عدة جبهات منسقة- عبر الخطوط الأيديولوجية يمكن أن تمثل تهديدا إستراتيجيا للنظام".
"وقد زعمت وزارة الاستخبارات الإيرانية مرارا وجود عمليات اختراق بين صفوف المعارضة لمنع وحدتها، ومن بين هذه العمليات، بحسب تقارير، تشويه سمعة ناشطين من خلال انتحال صفة أعضاء في فصائل منافسة".

وأخيرا، أشار مجيد خدامي، رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري، إلى أن "الخلافات الداخلية بين الجماعات التقليدية المناهضة للنظام بشأن توقيت وقيادة الاحتجاجات، ورفض قبول مركزية الملكيين"، كانت من بين الأسباب التي جعلت احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026 لا تؤدي إلى الإطاحة بالنظام.
وأضاف أن استخبارات الحرس كثفت جهودها عبر "المتسللين" لتعطيل المخططين والمنفذين لما وصفه بالعمليات المشتركة ضد النظام.
وعلى الرغم من أن أجهزة الاستخبارات في الجمهورية الإسلامية -مرددةً كلام الراحل علي خامنئي- عزت انتفاضة يناير إلى أطراف خارجية مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن شخصيات مقربة من النظام أقرت بأن الغضب الشعبي المتراكم كان الدافع الأساسي.
وكتب محمد رضا جوادي يگانه، العضو السابق في مجلس المعلومات الحكومي، على منصة "إكس" أن "استمرار التعطيل السياسي" في مواجهة مطالب الشعب أمر مثير للقلق.
وصرح عالم الاجتماع أحمد بخارایي لموقع اقتصاد نيوز بأنه في أعقاب القمع الدموي للانتفاضة، أصبح العديد من الشباب جريئين، وأن الغضب "تحول إلى استياء".
في هذا السياق، يرى الموقع الأميركي أن التحركات المنسقة بين الأحزاب المعارضة، بعد نحو نصف قرن من التشرذم، يمكن أن تمنح زخما جديدا لموجات الاحتجاج التي أعادت الظهور في الفضاءات العامة، ولا سيما الجامعات.
ورغم القمع الشديد، يبدو أن النظام يواجه ضغوطا متزايدة في محاولاته للسيطرة على المعارضة. وفق التقرير.
















