إرباك وشلل.. هل بإمكان أميركا منع أزمة إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز؟

المتداولون في أسواق النفط عادةً "يشترون على الشائعات ويبيعون على الوقائع"،
بعد أسابيع من الضبابية، تواجه دول الخليج عاصفة طالما حذّر منها محللو أمن الطاقة وخبراء تقييم المخاطر، وفق تقرير للمجلس الأطلسي الأميركي.
ومع استمرار الاعتداءات المشتركة التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل مستهدفة القيادة الإيرانية والبنية التحتية الحيوية، اتّجهت إيران نحو إغلاق فعلي لمضيق هرمز.
وفي تقرير نشره المجلس، قال ديفيد غولدون، الذي شغل منصب المبعوث الخاص ومنسق شؤون الطاقة الدولية في وزارة الخارجية الأميركية، إنه مع تراجع حركة السفن بنحو 70 بالمئة، تتصاعد حالة التوتر في الممر الذي يعبره أكثر من 30 بالمئة من النفط الخام المنقول بحرًا في العالم.

أسعار ملتهبة
وتشير التحذيرات من تدهور الأوضاع الأمنية في المضيق، بالتوازي مع وابل الصواريخ في منطقة الخليج إلى أن الأزمة قد تتصاعد وتستمر أياما أو ربما أسابيع، حتى لو عجزت البحرية الإيرانية عن إغلاق الممر المائي بالقوة العسكرية التقليدية وحدها.
وحتى 3 مارس/آذار 2026، ارتفعت أسعار النفط الخام بأكثر من 8 بالمئة، متجاوزة مستوى 75 دولارا للبرميل، وذلك بعد زيادات متواصلة سبقت الضربات الأميركية-الإسرائيلية في 28 فبراير/شباط.
وتحيط بالسوق شكوك عميقة، تشمل مخاطر حركة الملاحة البحرية مستقبلا، ومدى استمرار الاضطرابات، وإمكان تعويض الإمدادات المتعطلة من المخزونات التجارية، واستجابة الطلب لارتفاع الأسعار، إضافة إلى سلوك الحكومات.
وتشغل هذه العوامل جميعها بال المتداولين وصناع القرار في الاقتصادات الكبرى حول العالم، وفق المجلس الأطلسي.
وأضاف: "على الرغم من التأثيرات المعتدلة نسبيا على أسعار النفط حتى الآن، إلا أن هناك احتمالا جديا لمزيد من التصعيد في هذه المناطق التجارية النفطية الرئيسية وحولها".
ولا تستطيع القيادة الأميركية انتظار تحقق أسوأ السيناريوهات المحتملة، والمتمثلة في تعطّل كبير للإمدادات قد يدفع الأسعار إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، وفق تقدير المجلس.
ومن ثم يؤكد التقرير أنه ينبغي لواشنطن، بالتعاون مع حلفائها المتقاربين في المواقف، توظيف الأدوات المتاحة لمعالجة مخاطر الاضطراب على الفور، قبل أن يتحول عدم اليقين إلى كارثة.
وقال: "اختارت إدارة الرئيس دونالد ترامب توجيه ضربة استباقية لإيران، على ما يبدو لتجنب أزمة أمن قومي. والآن، يجب عليها التحرك سريعا لمنع حدوث أزمة أمن نفطي".
وتابع: "أولا، ينبغي على الإدارة إعادة الانخراط فورا مع الوكالة الدولية للطاقة، واستثمار نفوذها وصلاحيات التنسيق لديها لطمأنة الأسواق".
وبحسب التقرير، يمكن للوكالة أن تساعد في حشد الأعضاء حول اتفاق توافقي ينص على أنه في حال عدم وجود حل سريع لمشكلة انسداد مضيق هرمز، سواء بسبب ضعف التأمين أو وجود خطر مادي فعلي.
فسيتم تنفيذ أقصى استخدام ممكن للمخزونات النفطية المتاحة لمدة 60 يوما لضمان إمداد الأسواق العالمية بشكل جيد.
فالمتداولون في أسواق النفط عادةً "يشترون على الشائعات ويبيعون على الوقائع"، بحسب تعبير المجلس. وهذا النهج الاستباقي يضمن ضبط الأسعار على الفور، حتى لو لم تُستنفد المخزونات بالكامل أو لم تُستخدم فعليا.
ومع ذلك، فإن التأخر في التنسيق قد يربك المتعاملين في السوق الذين يحاولون فهم موقف الإدارة وتداعياته المحتملة، ما قد يزيد من خطر ارتفاع الأسعار بشكل حاد. وفق التقرير.

خفض جماعي للمخزونات
وأكّد التقرير أن هذا الجهد يتطلب دبلوماسية جادة ومدروسة نظرا للعلاقة غير المستقرة حاليا بين الوكالة الدولية للطاقة والبيت الأبيض، فضلا عن عدم إخطار الحلفاء مسبقا بالهجوم الأميركي على إيران.
ومع ذلك، فإن أعضاء الوكالة الآخرين لهم مصلحة اقتصادية مباشرة فيما يحدث لاحقا في أسواق النفط. والأكثر أهمية هو أن قيادة الوكالة لهذا الجهد يمكن أن توفر أرضية محايدة حيوية للتفاعل متعدد الأطراف.
كما أن الموافقة على معالجة التداعيات الاقتصادية لهجوم إدارة ترامب لا تعني بالضرورة تأييد هذا الهجوم، وهي نقطة جديرة بالتأكيد؛ لأنها قد تساعد في جذب أي شركاء أوروبيين مترددين، وفق توصية المجلس.
وأضاف: "حتى الاقتصادات الكبرى خارج الوكالة سيكون لديها حافز للتوافق مع هذا المسعى".
والجدير بالذكر أن الصين قد راكمت احتياطيات إستراتيجية كبيرة على مر السنين، وبصفتها المشتري الرئيس للنفط الخام الإيراني، فإن لديها الكثير لتخسره إذا توقف الإنتاج الإيراني بالكامل أو إذا لم تتمكن شحنات أخرى من الشرق الأوسط من العبور إلى آسيا بأمان.
وأردف أنه "من خلال الانخراط في دبلوماسية هادئة والاستفادة من حياد الوكالة وقدرتها على الجمع بين الأطراف، قد تميل الصين ضمنيا إلى المشاركة في خفض جماعي للمخزونات إذا اتُخذ قرار رسمي بالإفراج عن المخزون الإستراتيجي".
وأوضح أن تاريخ التنسيق الدولي في مجال أمن الطاقة العالمية يقدم دروسا مهمة للوقت الراهن؛ فلا حاجة للانتظار حتى وقوع أزمة للاستعداد لها، بل يمكن -ويفضّل- تجنبها مسبقا.
"وقد لا تكون الاستجابة السريعة والمنسقة كافية لتجنب جميع تداعيات حرب إقليمية متصاعدة على أسواق النفط، لكنها بلا شك تخفف من الضغوط التضخمية المفاجئة على الإمدادات المتاحة، وتمنح الأسواق الوقت للاستجابة والتكيف، كما تتيح للمنتجين البحث عن مصادر بديلة".
وفوق كل ذلك، تمثل هذه اللحظة فرصة ذهبية للبيت الأبيض لإظهار المرونة والقدرة على الاستجابة وروح التعاون. بحسب تقدير المجلس.
وختم بالقول: "ليس هذا من باب فعل الخيرات أو الإحسان، بل يعكس إدارة ماهرة ومتفهمة لتحديات أمن الطاقة القائمة، كما يسهم في طمأنة الحلفاء بأن الأدوات التي اعتمدوا عليها منذ زمن طويل لا تزال فعالة حتى الآن".

















