من البحر إلى الفضاء.. كيف تحوّل تركيا قواتها المسلحة إلى أداة دبلوماسية؟

"القدرة العسكرية التركية يمكن أن تسهم في تعزيز أمن كل شبر من القارة"
تُبرز "الدبلوماسية العسكرية" لتركيا، من خلال مشاركتها في مناورات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأنماط الانتشار الإستراتيجي لقواتها المسلحة، قدرة أنقرة على توظيف أدواتها العسكرية بمرونة، بما يمكّنها من التأثير في مسارات الصراعات وإعادة تشكيل الأزمات.
جاء ذلك في مقال لمراد أصلان، وهو أكاديمي وباحث تركي متخصص في قضايا الأمن والدفاع والاستخبارات، وضابط سابق في القوات المسلحة التركية، ويعمل أستاذا جامعيا، وباحثا في مؤسسة "سيتا" التركية للأبحاث والدراسات.
طابع مختلف
وقال أصلان، في مقال نشرته مؤسسة "سيتا"، إن "مناورات الناتو السنوية (ستيدفاست دارت) لعام 2026 حملت طابعا ومغزى مختلفين".
وذكر أنه "في ظل التهديد الروسي وتصعيد الولايات المتحدة تجاه أوروبا، شرعت الدول الأوروبية في اتباع مسار مزدوج، يتمثل في السعي لإحياء روح الناتو من جهة، وتعزيز سياسة الاعتماد على الذات من جهة أخرى".
وجسدت هذه المناورات -بحسب أصلان- "هذا المسار المزدوج من خلال نشاط مشترك يجمع بينهما عند أدنى قاسم مشترك".
وأجرت قيادة القوات المشتركة للناتو مناورات "ستيدفاست دارت 26" في ألمانيا خلال الفترة الممتدة من 8 إلى 20 فبراير/شباط 2026.
وقال أصلان: إن "أبرز ما يميز هذه مناورات هذا العام هو توافق أهداف تركيا الوطنية والسياسات المتبعة في هذا الإطار مع مفهوم الدبلوماسية العسكرية".
ويتضمن هذا السيناريو اختبار الانتقال من قوة الرد السريع التابعة لحلف الناتو (NRF)، وهي قوة عسكرية تحتفظ بها الدول الأعضاء في الحلف لمواجهة الأزمات والنزاعات، إلى قوة الرد السريع للحلفاء (ARF).
وقد نشرت ثماني دول أعضاء نحو 10 آلاف جندي من القوات البرية والبحرية والجوية وقوات العمليات الخاصة في بحر البلطيق.
وفي هذا الإطار، تنفذ العناصر المخصصة لحلف الناتو من مختلف الدول الأعضاء جميع مراحل العملية العسكرية في الميدان -من الإعداد والانتشار والتنظيم والتكامل مع القوات متعددة الجنسيات والتنفيذ وإعادة التمركز- وذلك للاستجابة لأي أزمة قد تحدث في المنطقة الشمالية للحلف.
وبعبارة أخرى، تهدف المناورات إلى طمأنة دول شمال أوروبا الأعضاء في الناتو.
وشاركت تركيا في المناورات بهيكل مشترك ضم الجيش والبحرية والقوات الجوية وقوات العمليات الخاصة.
وشهدت التدريبات العديد من التجارب للمرة الأولى، حيث شاركت الوحدات المخصصة للناتو بكل الأسلحة والمركبات والمعدات المتاحة لديها.

بالغة الأهمية
ومن اللافت أن القوات البحرية التركية أبرزت قدرات قتالية جديدة عبر فرقاطتين وسفينة لوجستية (أوروتش ريس، إسطنبول، دريا) وسفينة "TCG أناضولو".
كما مثّل إطلاق الطائرات المسلحة بدون طيار من منصة بحرية لتنفيذ مهمة عملياتية ومرافقتها لطائرات يوروفايتر تايفون لمدة ثماني ساعات، مرحلة جديدة في عقيدة الجيش التركي والناتو.
إلى جانب وحدات المشاة الميكانيكية والهندسية والمدفعية التابعة للواء الميكانيكي 66، جرى عرض القدرات السيبرانية والفضائية للجيش التركي خلال المناورات.
وتعد مساهمة تركيا بهذا المستوى في مناورات الناتو، التي تركز بشكل أكبر على أوروبا، دلالة قوية على جدية حضورها العسكري والدبلوماسي، وفق المقال.
وقد أظهرت تركيا أن لديها القدرة على نشر قواتها العسكرية في مناطق الاهتمام من الدرجة الأولى والثانية بما يتوافق مع مصالحها، وهو ما يستلزم وجودها على الأرض وفي طاولة التفاوض في القضايا الإقليمية والدولية، بحسب تأكيد أصلان.
ولوحظ نشر قوة قتالية مشتركة خلال عشرة أيام فقط من منطقة تراقيا والبحر إيجة إلى بحر البلطيق؛ استجابة لمرحلة الأزمة في المناورة.
وفي هذه المرحلة، تُعدّ القدرة على الاندماج مع العناصر القتالية للدول الأخرى في "العمليات المشتركة" ميزة حاسمة.
وشدد أصلان على أن "قطع مسافة 4200 ميل بحري من مضيق الدردنيل والبدء الفوري في أداء المهام العملياتية، هي قدرة لا تمتلكها سوى قلة من الدول".
وأوضح أنه "في الواقع، تُعدّ هذه مهارة بالغة الأهمية لعناصر تنتمي إلى قوات مختلفة ضمن هيكل مشترك، حيث يمكنها التركيز على مهمة واحدة تحت قيادة قائد واحد".
وداخل حلف الناتو، تمتلك ست دول إجمالا (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، تركيا) هذه القدرة.
وعند الحديث عن التهديد الروسي، فإن قدرة تركيا على نشر مثل هذه القوات إلى أقصى الشمال الأوروبي تُظهر الإمكانات الحقيقية للقوات المسلحة التركية من حيث القدرة التخطيطية واستغلال الموارد، والقدرة التشغيلية للمركبات والمعدات العسكرية.
علاوة على ذلك، وبالنظر إلى مشاريع القوات البحرية والجوية والبرية الحالية، فإن قدرة القوات البحرية التركية على القيام بمهام مستقلة في المناطق الخارجية ستستمر في الازدياد، بحسب المقال.
![]()
دبلوماسية عسكرية
وقال أصلان: "في هذا السياق، تبرز حاجة إلى تقييم إضافي من منظور تركي، فخلال التوترات في ليبيا، كان الدعم المقدم إلى حكومة طرابلس محدودا نسبيا بسبب عامل المسافة، لكنه حقق نتائج لافتة".
واستدرك: "أما اليوم، ومع قدرة الناتو وأوروبا على التحرك من مضيق الدردنيل حتى بحر البلطيق في سيناريوهات الأزمات والحروب، فقد دخلت المعادلة مرحلة جديدة".
وتبرز الصومال بوصفها المثال الأوضح على قدرة تركيا على نشر قدراتها العسكرية، وفق الأكاديمي التركي، إذ يمكن لأنقرة -في مواجهة محاولات إسرائيل المنسّقة مع الإمارات لبسط نفوذ أكبر في المنطقة- أن تعزز حضورها العسكري بصورة مباشرة وفعّالة.
وفي هذا الإطار، تستطيع تركيا توظيف قواتها البرية عبر قاعدة "توركسوم"، إلى جانب سلاح الجو (طائرات إف-16 وأنظمة الدفاع الجوي) والقوات البحرية، لتنفيذ مهام مشتركة تُعزز القدرات الأمنية للحكومة الصومالية.
وقال أصلان: "غير أن الحضور في مسارح عمليات بعيدة يقتضي عمقا عسكريا مستداما من حيث استمرارية الأفراد، والقدرة العملياتية، والكفاءة الاستخباراتية، والجاهزية اللوجستية، وهو ما يتطلب بنية تنظيمية واسعة".
وأوضح أن "القوات المسلحة التركية بلغت مستوى مختلفا عبر الحفاظ على وجود متزامن في بحر البلطيق وإفريقيا والبلقان. ومع ذلك، لا ينبغي إغفال ضرورة تطوير هذه القدرة كما ونوعا".
ويرى أصلان أن هذه القدرة تضع تركيا في موقع يتجاوز تعريفها كقوة إقليمية؛ فلم يعد محل نقاش أنها تخطّت إطار الفاعل الإقليمي التقليدي، وبحكم تاريخها وجغرافيتها، تبدو مطالبة بالحفاظ على حضور متزامن في ثلاث قارات.
وأكد أن "في المقابل، يفرض هذا الدور التركيز على المخاطر المحتملة التي قد تواجهها في الساحة الدولية، لا سيما في ظل استمرار نشر قواتها ضمن حلف الناتو أو عبر ترتيبات أمنية ودفاعية ثنائية".
واستطرد: "فامتلاك مثل هذه القدرة قد يفضي إلى بروز خصوم جدد ويفتح المجال أمام تدخلات غير متكافئة، ومن ثمّ، يجب أن تكون تركيا قادرة على حشد طاقاتها المدنية إلى جانب قدراتها العسكرية".
دولة فاعلة
وقال أصلان: إن "أبرز ما يميز مناورات (ستيدفاست دارت 2026) هو انسجام الأهداف الوطنية لتركيا والسياسات المتبعة لتحقيقها مع مفهوم الدبلوماسية العسكرية".
وأضاف أن “الوجود العسكري التركي المتزامن في إفريقيا والبلقان وبحر البلطيق يبعث برسائل سياسية ودبلوماسية ينبغي قراءتها بدقة، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية”:
تُعد تركيا، بحسب أصلان، من الدول الفاعلة والقوية داخل حلف الناتو بوصفه منظمة دفاع جماعي، وهي اليوم تمتلك القدرة على الحفاظ على قوات مستقلة وأخرى مشتركة في مناطق بعيدة مثل بحر البلطيق وإفريقيا.
وتمثل أنقرة شريكا دفاعيا مهما لأوروبا التي تعيش حالة قلق وتبحث عن بدائل في ظل الفتور الأميركي تجاه أمنها، فالقدرة العسكرية التركية يمكن أن تسهم في تعزيز أمن كل شبر من القارة الأوروبية، وفق تعبيره.
غير أن مثل هذا الدعم يفترض، بالمقابل، إعادة النظر بجدية في مسألة العضوية الكاملة لتركيا في الاتحاد الأوروبي، وألا تُختزل العلاقة الأوروبية مع أنقرة تحت تأثير كيانات تستغل الاتحاد الأوروبي، مثل اليونان أو الإدارة القبرصية الرومية، بحسب تأكيد أصلان.
وشدد على أن “تركيا تمتلك القدرة على نشر قواتها العسكرية في مناطق ذات أهمية قصوى ودنيا حسب مقتضيات مصالحها، لكن تستلزم هذه القدرة والعمل وجود تركيا على الأرض وعلى طاولة المفاوضات في الشؤون الإقليمية والعالمية".
وتعتمد الدبلوماسية العسكرية التي تمارسها القوات المسلحة التركية، من خلال نشر القوات وتنفيذ العمليات، على الردع والإكراه عند الضرورة، وفق المقال.
واستطرد: “في الوقت ذاته، تنسجم هذه القدرة مع الطابع البنّاء والتعاوني للسياسة الخارجية التركية؛ إذ تتسم الدبلوماسية العسكرية بطابع مشترك قائم على التعاون مع الدول الأخرى، لا على فرض الإرادة”.
وهي تظل مقيدة بقواعد القانون الدولي والالتزامات القانونية. وما يضفي قيمة إضافية على الدور التركي هو التزامه بالقواعد القانونية والمبادئ الأخلاقية التي تحكم استخدام القوة في إطار الدولة، يؤكد أصلان.
















