في قلب الصراع.. ما تداعيات حرب الشرق الأوسط على العراق؟

منذ ٦ ساعات

12

طباعة

مشاركة

التجارب التاريخية أثبتت أن العراق كان دائما أحد الساحات الرئيسة التي تنعكس عليها تداعيات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. 

فمنذ اندلاع الهجوم الأميركي الإسرائيلي ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ظهرت آثارها الأولى بوضوح داخل الأراضي العراقية، سواء من خلال الضربات العسكرية المتبادلة أو عبر التفاعلات السياسية والاجتماعية التي تلتها.

واستهدفت الولايات المتحدة مواقع لفصائل شيعية جنوب بغداد، بينما ردّت إيران بقصف القاعدة الأميركية في أربيل ومطارها. 

كما أعقب الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي اندلاع احتجاجات مناهضة للولايات المتحدة في بغداد والبصرة.

ونشر مركز "سيتا" التركي مقالا للكاتب بيلجاي دومان، ذكر فيه أن "فهم تأثير هذه الحرب على العراق لا يمكن حصره في البعد العسكري وحده، بل يتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الحسبان الأبعاد الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية".

تداعيات أمنية

وقال الكاتب التركي: إن "العراق، مع اندلاع الحرب، قد أصبح ساحة مواجهة مباشرة، فالفصائل الموالية لإيران مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء أعلنت صراحة انخراطها في مواجهة الولايات المتحدة".

واستباقا لذلك، شنّت واشنطن ضربات على مواقع لهذه الفصائل جنوب بغداد. 

في المقابل، نفذت إيران هجمات صاروخية بالإضافة إلى أخرى بالمسيّرات على قاعدة حرير في أربيل، ليس فقط انطلاقا من أراضيها، بل أيضا عبر شبكات من الفاعلين غير النظاميين داخل العراق.

ويبرز في هذا السياق تصاعد دور ما يُعرف بـ"مليشيات الظل"، وهي مجموعات لا تخضع رسميا لهيكلية الحشد الشعبي ولا تمتلك قيادة هرمية واضحة. 

وقد ظهرت هذه التشكيلات بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020، وتتبنّى أيضا خطاب "محور المقاومة". 

وأضاف دومان أن إعلان تنظيم "سرايا أولياء الدم" مسؤوليته عن استهداف قاعدة حرير في الأول من مارس/آذار 2026 يعكس هذا التحول في طبيعة الفاعلين، ومن المرجح أن تتزايد وتيرة هجمات هذه المجموعات، بما يعمّق هشاشة المشهد الأمني.

كما أن إقليم كردستان العراق لم يكن بمنأى عن الاضطراب؛ إذ تعرضت القاعدة الأميركية والقنصلية في أربيل لعشرات الهجمات خلال الأيام الأولى للحرب.

ونجد أن المشهد يزداد تعقيدا بوجود جماعات إيرانية معارضة مسلحة داخل الإقليم، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني التي أعلنت قبل الحرب تنسيقا مشتركا. 

ومع أي تراجع في قدرات طهران العسكرية، قد تتصاعد تحركات هذه الجماعات، وهو ما قد يدفع إيران إلى تكثيف ضرباتها داخل أراضي الإقليم، وهو ما قد يهدّد بانفلات أمني أوسع، يؤكد دومان.

تداعيات سياسية

وقال الكاتب: إن “الاهتزاز الأمني ينعكس بطبيعته على المشهد السياسي، فالعراق يعيش أصلا أزمة تشكيل حكومة على المستوى الاتحادي، في ظل خلافات حادة بين القوى الشيعية حول ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، ومعارضة أميركية واضحة لعودته”. 

وأضاف أن “الحرب قد تُعَزّز  هذا الرفض؛ إذ يُنظر إلى المالكي في واشنطن بوصفه رمزا لمرحلة ترسيخ النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة العراقية، وتغلغل شبكات المليشيات فيها”. 

ولفت دومان إلى أن “هذا التوتر قد يؤدّي إلى انقسام داخل البيت الشيعي ذاته، خاصة أن بعض القوى الشيعية تعارض عودته”. 

واستطرد: “في ذات الوقت، فإن استمرار الهجمات على أربيل انطلاقا من مناطق تخضع لسيطرة الحكومة الاتحادية، وعجز بغداد عن احتوائها، قد يعيد إحياء الخلافات العالقة بين المركز والإقليم”.

وتابع: "تتعمق الأزمة السياسية أيضا بسبب عدم التوافق بين الحزبين الكرديين الرئيسين؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني؛ حيث تتمحور المسألة بينهما حول المرشح لرئاسة الجمهورية، وهذا الأمر هو ما يعرقل تشكيل الحكومة الاتحادية". 

ومع تصاعد التوتر بين أربيل وبغداد، قد تتجه بعض القوى إلى إعادة تموضعها السياسي. 

فالسوابق تشير إلى أن الاتحاد الوطني، بحكم علاقاته الأقرب ببغداد، قد يتبنى موقفا مختلفا عن الحزب الديمقراطي، خاصة في ظل تعثر تشكيل حكومة جديدة في الإقليم منذ أكثر من عام، وتفاقم أزمة الرواتب والخدمات في السليمانية. 

وإذا طال أمد الحرب، فقد تبرز سيناريوهات أكثر جذرية، من بينها التفكير في ترتيبات فيدرالية داخل الإقليم نفسه، بحسب دومان.

تداعيات اجتماعية

وأردف الكاتب أن تجارب العراق السابقة تُظهر أن الأزمات الأمنية والسياسية “تترك آثارا عميقة في النسيج الاجتماعي”. 

ومع تصاعد الحرب، قد تعود التوترات العرقية والطائفية إلى الواجهة، لا سيما في المحافظات ذات التركيبة السكانية المتنوعة مثل كركوك ونينوى وديالى. 

وتبدو كركوك تحديدا عرضة للاهتزاز، نظرا لتاريخها الحساس والتنافس القائم حول إدارتها، وفق دومان.

كما أن الحرب تحمل في طيّاتها احتمالات تصاعد الخطاب الطائفي؛ فقد لوحظ ارتفاع في حِدّة الخطاب المذهبي لدى بعض القوى الشيعية عقب اندلاع المواجهة، خاصة بعد مقتل خامنئي. 

ونبَّه دومان إلى أن الاحتجاجات التي استهدفت البعثات الدبلوماسية الأميركية في بغداد والبصرة قد تمتد إلى مدن ذات رمزية دينية كبرى مثل النجف وكربلاء.

وأكد أن ذلك “قد يفتح الباب أمام توترات داخل البيت الشيعي نفسه، في ظل التنافس التاريخي بين مدرستي النجف وقم”.

تداعيات اقتصادية

ولفت الكاتب النظر إلى أن الاقتصاد العراقي، المعتمد بشكل شبه كلي على صادرات النفط، “يُعدّ أكثر القطاعات هشاشة أمام تداعيات الحرب”.

وأوضح أن “الضربات العسكرية قد ألحقت أضرارا بالبنية التحتية، بينما يشكّل أي اضطراب في الخليج العربي ومضيق هرمز تهديدا مباشرا لعصب الاقتصاد العراقي”. 

ولفت دومان إلى أن “معظم النفط العراقي يُصدّر عبر موانئ البصرة، في حين لا تتجاوز صادرات خط كركوك–جيهان نسبة 10-15 بالمئة من إجمالي الصادرات”.

وأشار إلى أن إغلاق مضيق هرمز أو تعطل الملاحة فيه "قد يشل التجارة ويقلص عائدات النفط، ما يهدد الاستقرار المالي الذي بدأ العراق يستعيده خلال السنوات الأخيرة". 

بالإضافة إلى ذلك، نجد أن الوضع يزداد تعقيدا، وذلك بالنظر إلى اعتماد بغداد على النظام المالي الأميركي في إدارة عائدات النفط؛ حيث تُودع الإيرادات أولا في البنك المركزي الأميركي قبل تحويلها إلى العراق. 

وبذلك فإن "أي تعثر في التصدير سيعمق الاعتماد المالي على واشنطن، ويهدد مشاريع إستراتيجية".

كما أن استمرار الحرب قد يدفع المستثمرين الأجانب إلى إعادة تقييم وجودهم في العراق، ما يهدد بتراجع تدفقات رأس المال. 

أمّا على مستوى السوق المحلية، فإن الاعتماد الواسع على السلع الإيرانية يجعل العراق عرضة لأزمات إمداد إذا تضررت القدرة الإنتاجية الإيرانية.

وختم الكاتب مقاله قائلا: "يتضح أن العراق يُعد من أكثر الدول تأثرا بالحرب بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل بسبب هشاشة بنيته الداخلية وتشابك أزماته". 

واستطرد: “فرغم رغبة بغداد في تجنب التحول إلى ساحة صراع، فإن تداخل العوامل الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية يجعلها عرضة للانجرار إلى قلب المواجهة”. 

وتابع: “من ثم، فإن مستقبل الاستقرار في العراق سيظل مرهونا بقدرته على إدارة هذه التحديات المركبة، وبمدى احتواء التصعيد الإقليمي قبل أن يتحول إلى أزمة داخلية شاملة”.