27% فقط يؤيدون الحرب.. ماذا تقول استطلاعات الرأي عن شعبية ترامب بعد ضرب إيران؟

"لا شيء أسوأ من التورط في حرب إلا الفشل في تحقيق نصر"
لطالما رأى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن معارضة الحروب تمثل أحد أهم مصادر شعبيته؛ غير أن عدوانه على إيران يوحي بأنه بات أكثر ميلا إلى استنزاف رصيده السياسي بدلا من الحفاظ عليه.
بهذا الشكل تناول معهد “تشاتام هاوس” البريطاني الأمر في تقرير رصد فيه ما وصفه بـ"نهاية عهد رئيس السلام".

مغامرات عسكرية
وأشار المعهد إلى أنه عندما ترشح ترامب للانتخابات الرئاسية عام 2024، كرر مرارا أنه أول رئيس منذ جيمي كارتر لم يزج بالولايات المتحدة في حرب جديدة، مؤكدا ذلك مجددا في خطاب النصر ليلة الانتخابات حين قال: "لن أبدأ حروبا، بل سأعمل على إنهائها".
لكن بعد مرور ما يزيد قليلا على عام، أعطى ترامب الضوء الأخضر لاستخدام القوة في سبع دول مختلفة خلال ولايته الثانية.
وأضاف: "لسنوات طويلة كان ترامب يتشدق بمعارضته لحروب الشرق الأوسط التي خاضها مَن سبقوه، ورأى فيها أخطاءً مكلفة ومغامرات عسكرية هوجاء، لكن بعد مقتل المرشد الأعلى وتدمير أجزاء كبيرة من إيران، يبدو أن ترامب قد اكتسب في النهاية ميلا نحو تغيير النظام نفسه".
وتابع التقرير: "مع تأييد 27 بالمئة فقط من الأميركيين للضربات، ووصف الديمقراطيين للهجوم بأنه "حرب اختيارية"، وانقسام الجمهوريين، أقدم ترامب على مقامرة سياسية كبيرة". وتساءل: "لماذا؟"
وأوضح أن "آفاق ترامب السياسية قد تغيرت"، مضيفا أن "في فترته الرئاسية الأولى، تراجع ترامب عن حافة الحرب في مناسبات عدة".
ففي 2019، أوقف الرد العسكري على إسقاط طهران لطائرة أميركية مسيّرة، بعدما اقتنع، على ما يبدو، بنصائح مذيع البودكاست الشهير، تاكر كارلسون، بأنه قد "يودع فرصه في إعادة الانتخاب" إذا دخل في حرب مع إيران.
وكانت عملية اغتيال قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في العام التالي فعلا عدائيا، إلا أن ترامب سعى بعد ذلك لخفض التصعيد بدل المخاطرة بالانخراط في حرب خلال عام انتخابي، وفق التقرير.
وأردف: "اليوم، يبدو الرئيس أقل قلقا بكثير حيال هذه المخاطر. فهو الآن رئيس لولاية ثانية، ولن يضطر لمواجهة الناخبين مجددا. وهذا يقلل من حساسيته للمخاطر السياسية عموما، فلم يعد يسعى لإعادة انتخابه، بل يفكر في إرثه السياسي".
صحيح أن كارلسون وصف ضربات ترامب بأنها "مقززة وشريرة"، لكن ترامب لم يعد يسمع له، أما من له تأثير عليه، مثل السيناتور ليندسي غراهام، فيدركون أن الرئيس أصبح أكثر اهتماما باستنزاف رأس ماله السياسي منه بالحفاظ عليه.
وبعد أن نصح غراهام ترامب بعدم استهداف سليماني عام 2020، كان من بين أبرز الأصوات التي حثت الرئيس على تجاهل هذه التحذيرات، وضرب إيران.

تغيير جذري
ولم يكن ترامب أول رئيس يسعى إلى تغيير جذري في علاقة واشنطن مع طهران كوسيلة لترسيخ إرثه في السياسة الخارجية فمنذ ثورة 1979، تذبذبت العلاقات بين فترات من العداء ومحاولات التقارب.
لكن معظم الرؤساء سعوا إلى استغلال الحيز السياسي الذي تتيحه ولاية ثانية للتوصل إلى حل دبلوماسي. أما ترامب، بشنّه ضربات عسكرية بهذا الحجم غير المسبوق، فقد قلب الموازين.
ويرى ترامب أن استخدام القوة لا يتعارض مع السعي نحو السلام. بل على العكس، فقد أعرب مرارا وتكرارا عن إيمانه بفعالية استخدام القوة العسكرية كأداة لتحقيق السلام.
وأشار التقرير إلى أن ترامب يُكثر من الاحتفاء بنجاحاته خلال ولايته الأولى في تصفية شخصيات بارزة، بدءا من أبو بكر البغدادي في سوريا وصولا إلى سليماني في العراق. وهذا أحد أسباب عدم دقة محاولات تصوير ترامب كسياسي انعزالي.
وأوضح معهد "تشاتام هاوس" أن موقف ترامب يعكس أيضا تناقضا مركزيا في مواقف الرأي العام تجاه السياسة الخارجية.
فمن جهة، يميل الناخبون إلى معارضة الحروب الطويلة والمكلفة التي يتحمل فيها الجمهور العبء البشري والمالي، وهو ما يشكل عائقا واضحا أمام المبالغة في استعراض القوة أثناء الحملات الانتخابية.
كما مازح الرئيس جورج دبليو بوش الجنود في الشرق الأوسط قائلا: "لا تترشح في ديمقراطية وتقول للناس: صوّتوا لي، وأعدكم بالحرب".
من جهة أخرى، تظهر الاستطلاعات باستمرار أن الرأي العام الأميركي يعبر عن قلق كبير إزاء مجموعة واسعة من التهديدات العالمية، ويؤيد استخدام القوة كأداة مناسبة للتعامل معها.
ويبرز برامج إيران النووي بانتظام في أعلى هذه القوائم، حيث عدّ 77 بالمئة منها تهديدا خطيرا حينما استطلعت مؤسسة غالوب آراءهم حول هذا الموضوع آخر مرة عام 2024.
وأظهر استطلاع رأي أجرته شبكة "سي بي إس" أخيرا، قبل ثلاثة أيام فقط من الهجمات، أن 51 بالمئة من الأميركيين يؤيدون العمل العسكري ضد إيران لمنعها من إنتاج أسلحة نووية.
وتشير الأبحاث أيضا إلى أن الناخبين يميلون بشكل منهجي إلى تفضيل المرشحين الذين يتبنون مواقف سياسية تُظهر صورة الحزم.
وبحسب التقرير، يمكن فهم ضربات ترامب على إيران على أنها تتويج منطقي لجهوده في تلبية نزعة شعبية متأصلة في السياسة الخارجية، فالناخبون يريدون قادة قادرين على توجيه ضربات فعّالة للجهات المعادية والتأثير على النتائج التي تهمهم، دون تحمل تبعات ذلك.

شعبية منهارة
وأكد أن اتجاهات الرأي العام تجاه السياسة الخارجية قابلة للتأثر والتغيير. وقد تكون ميول ترامب للمخاطرة مدعومة بثقته في قدرته على توجيه الرأي العام.
فالسياسة الخارجية قضية بعيدة عن اهتمامات معظم الناخبين، الذين يعتمدون على قادتهم السياسيين لفهم الأحداث العالمية، والرئيس نفسه يتمتع بنفوذ كبير في التأثير على الرأي العام، لا سيما بين أنصاره.
لنأخذ فنزويلا مثالا. فوفقا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة (YouGov) في أواخر ديسمبر/كانون الأول، أيد 21 بالمئة فقط من الأميركيين استخدام القوة العسكرية للإطاحة بنيكولاس مادورو.
ولكن بعد ثلاثة أسابيع فقط، وبعد أن فعل الرئيس ذلك بالفعل، تضاعف التأييد تقريبا ليصل إلى 40 بالمئة. والأهم من ذلك، ربما، أن قاعدة دعم ترامب تعززت بقوة، حيث ارتفع تأييد الجمهوريين من 43 إلى 78 بالمئة خلال الفترة نفسها.
وقال التقرير: "قد تدفع تصرفات ترامب مستشاريه إلى اللجوء إلى تبريرات ملتوية لتبرير استخدامه المتكرر للقوة في الخارج بما يتوافق مع رؤيته "أميركا أولا".
لكن المعارضة الصريحة من العناصر المتشددة في جناح "ماغا" بالحزب الجمهوري تبدو استثناءً للقاعدة في الوقت الراهن، وفق تقييم المعهد.
ويشير التاريخ إلى أنه، من الناحية السياسية، لا شيء أسوأ من التورط في حرب إلا الفشل في تحقيق نصر بتكلفة مقبولة. وقد تمنح مرونة الأهداف الأميركية التي طرحتها الإدارة، ترامب هامشا لإعلان النصر ببساطة إذا بدأت التكاليف بالتزايد.
لكن تسامحه مع الخسائر لن يكون بلا حدود. وإذا بدأ اضطراب أسواق النفط يُؤثر على جيوب الأميركيين، فمن المرجح أن تتضاءل رغبته في مواصلة استخدام القوة، وفق التقرير.
"لذا، يُساعدنا السياق السياسي الأميركي على فهم كيف وصل ترامب إلى هذه النقطة. لكن هذا يشير أيضا إلى كيف يمكن أن تصبح الحرب عبئا على ترامب داخليا، إذا ثبت أن النصر مكلف أو بعيد المنال، أو كليهما".














