قضية "النوها".. إلى أين يتجه الجدل حول العبودية بعد اعتقال نشطاء في موريتانيا؟

"التصدي لهذه الظاهرة لا يكون بإنكارها بل بالاعتراف بوجودها ومعالجتها"
تواجه السلطات الموريتانية انتقادات مستمرة بشأن ظاهرة العبودية، وسط اتهامات لها بعدم الجدية في محاربة هذه الآفة، بل واستغلال القضاء والمقاربة الأمنية في متابعة الناشطين الحقوقيين المدافعين عن "الانعتاق".
وفي هذا الصدد، أدان “ائتلاف التناوب الديمقراطي" المعارض، سجن ستة نشطاء ضد العبودية بالإضافة إلى امرأتين أبلغتا عن “حالة عبودية”، واصفا ذلك بأنه "انجراف قضائي غير مسبوق يهدف إلى إخفاء الحقيقة".
واستنكر “الائتلاف” في بيان تلاه خلال مؤتمر صحفي في 25 فبراير/ شباط 2026، محاولة النيابة العامة فرض نظرية "التزوير" من أجل إنكار "معاناة طفلة مستعبدة". مؤكدا أن اللجوء إلى تهمة "تكوين عصابة إجرامية" يثبت هشاشة الملف وإرادة السلطة في تحييد كل من يفضح التخلف والظلامية.
وأشاد بحضور أكثر من 30 محاميا تصدوا للدفاع عن "الكرامة الإنسانية"، مقدرا أن إحالة هذا الملف إلى إحدى محاكم الحق العام يشكل انتهاكا صارخا للقواعد القانونية.
ودعا الائتلاف القوى الحية إلى الاتحاد في مواجهة ما وصفه بـ"الخطر الذي يهدد التماسك الوطني"، مناديا المثقفين والأحزاب والمواطنين كافة إلى "نفير وطني شامل".
والطفلة "النوها" أثارت قضيتها تفاعلا واسعا، بعد تداول معطيات تفيد بأنها تعيش في “حالة عبودية” لدى إحدى الأسر في موريتانيا، لكن السلطات أوقفت المبلّغين بعدة تهم.
توقيف نشطاء
لجنة الإعلام في حركة "إيرا" المناهضة للعبودية، أعلنت أن توقيف عدد من قياداتها ونشطائها، إنما تم بصفتهم مبلّغون عن انتهاكات مرتبطة بجرائم الاسترقاق.
وذكرت اللجنة في بيان، أنه تم إيداع النشطاء السجن بنواكشوط في 23 فبراير 2026، وذلك على خلفية شكوى كانت الحركة قد تقدمت بها أمام المحكمة المختصة بقضايا الاسترقاق والاتجار بالأشخاص.
وأوضحت أنه قد وُجّهت للموقوفين في البداية تهم تتعلق بـ"استعمال التزوير" و"التشهير"، قبل أن يتم تعديل التكييف القانوني إلى "تكوين جمعية أشرار"، وهو ما أثار اعتراض هيئة الدفاع التي تحدثت عن نقل الملف بين جهات قضائية مختلفة وتجزئته.
كما أشار البيان إلى توقيف نشطاء آخرين في ولايات أخرى، بينهم منتخبون محليون وأعضاء في الحركة، مؤكدا أن الإجراءات تمثل مساسا بضمانات حماية المبلّغين المنصوص عليها في القانون.
وطالبت الحركة بالإفراج غير المشروط عن الموقوفين، وضمان حماية المبلّغين عن جرائم الاسترقاق والاتجار بالأشخاص.
وتأتي هذه التفاعلات إثر الانتشار الكبير لقضية الطفلة “النوها”، والتي قيل إنها في حالة "عبودية" من طرف أسرة تعيلها.
غير أن البيان الصادر عن النيابة العامة لدى المحكمة المختصة في جرائم العبودية والاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين، أوضح أن التحقيقات الابتدائية التي باشرتها بشأن القضية "لم تثبت صحة مزاعم الاستعباد التي تم تداولها".
وأفادت النيابة بأن التحريات والاستماع إلى الطفلة النوها ووالدتها، إضافة إلى شهادات محيطها ووثائقها المدرسية، بينت أنها كانت تعيش مع أسرة على صلة بأسرتها الأصلية بطلب من والدتها بسبب ظروف مادية، وأنها كانت تتلقى الرعاية والتعليم، دون ثبوت أي استغلال أو عنف.
كما أشارت إلى أن المعطيات المتداولة عبر بعض المنصات لم تثبت صحتها وفق ما خلص إليه التحقيق، قبل أن تقرر حفظ الملف لعدم “قيام أركان جريمة”.

وقفة شعبية
رغم بيان النيابة العامة، إلا أن التفاعلات المجتمعية لم تتوقف، وفي هذا الصدد، نظمت نساء مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية "إيرا"، وقفة احتجاجية أمام مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بنواكشوط، تنديدا بسجن نشطاء من الحركة.
ورفعت المشاركات لافتات كُتب عليها: "لا للعبودية"، "لا لقمع المبلغين عن العبودية"، "النظام يسجن المبلغين والضحايا ويحمي المتورطين".
في السياق، قالت البرلمانية قامو عاشور: إنهم نظموا هذه الوقفة أمام المفوضية التي لديها الكثير من القوانين لتجريم العبودية، مشددة على أن موريتانيا أصبحت تسجن المبلغين عن حالات العبودية وتفرج عن الممارسين لها.
وأضافت بنت عاشور في تصريحات صحفية، أن رسالتهم إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان، أن هناك مناضلون سُجنوا بسبب التبليغ عن العبودية، وهناك طفلة "مستعبدة" كانت موقوفة لدى الشرطة ولا يُعرف مكانها حاليا.
وأكّدت أن السجن “لن يردّ مناضلي ومناضلات الحركة عن موقفهم من العبودية”.
بدورها قالت القيادية في "إيرا"، دمب ناصر الدين، إنهم ضد تصفية الحسابات ويرفضونها. مشيرة إلى أن المحامي عبد الرحمن ولد زروق قال: إن القضية ربما تكون شخصية بين وزير العدل محمد ولد اسويدات ورئيس الحركة برام ولد أعبيد.
فيما أوضحت الناشطة الحقوقية آسية صالح أن زملاءها سُجنوا لأنهم سلكوا الإجراءات القانونية عند تبليغهم بحالة العبودية، لافتة إلى أنهم يرفضون سجنهم وينددون به، ولن يزيدهم ذلك إلا استمرارا في النضال، وسيقفون ضد النظام، متمسكون "بنضال سلمي".

انتقادات برلمانية
كما وجه النائب البرلماني ورئيس الحركة الانعتاقية "إيرا"، برام الداه اعبيد، انتقادات لاذعة للسلطات على خلفية قضية الطفلة النوها التي بلغت عنها الحركة على أنها حالة عبودية، وما تلاها من اعتقالات.
ونقل موقع "إنفو كاست" في 28 فبراير 2026، عن ولد اعبيد تأكيده أن نظام محمد ولد الشيخ الغزواني خرج في الإعلام العمومي ليؤكد بشكل أو بآخر ما ذهبت إليه الحركة.
ولفت إلى أن “والي ولاية الحوض الشرقي أكد عبر التلفزيون الرسمي أن مندوبية التآزر قدمت قطعة أرضية ومبلغ مليوني أوقية لأسرة الطفلة النوها كبادرة تعاطف معها من طرف السلطات”.
ولد اعبيد أبدى استغرابه من حرص المندوبية على التعاضد مع تلك الطفلة ووالدتها إذا كانت مقتنعة بأنها لم تتعرض لأية عبودية.
واستدرك قائلا: إن “جميع من حررتهم حركة إيرا من العبودية لم يتمتعوا بأي اهتمام لا من طرف الحكومة ولا من طرف رئيس الجمهورية وكذلك الفقراء في نواكشوط وفي الولايات الداخلية”.
وتساءل ولد اعبيد عن سبب عودة الطفلة النوها إلى حضن أسرتها إذا كانت تحظى بكل اهتمام من طرف الأسرة "التي كانت تستغلها" بحسب تعبيره.
وأكد أن الطفلة وأسرتها إن كانوا يستحقون تعاطف الحكومة فإنه من باب الأحرى عدم سجنها النشطاء الحقوقيين الذين بلغوا عن حالتها.
وقال ولد اعبيد: إن "نظام الغزواني يعيش حالة تناقض؛ حيث بات محرجا بسبب حادثة الطفلة النوها التي أكدت تفاصيلها بأن عناصر حركة إيرا ليسوا جماعة أشرار كما تصفهم السلطات".
وأضاف “نرى أنه ما من مبرر لتحويل الطفلة النوها عن مدرستها الآن إذا كانت الحركة كاذبة في دعواها”. متسائلا عما “إذا كان نظام الغزواني قد اهتم بدعم أي أسرة حرة أو مسترقة بمبلغ مالي وقطعة أرضية قبل هذه الحادثة”.
وأشار ولد اعبيد إلى أن “أغلب ساكنة منطقة النعمة هم من الطبقات الفقيرة وبأن ما قام به النظام اتجاه أسرة النوها لا يمكن أن يكون إلا رشوة”.
وتساءل عن سبب "استماتة الرئيس الغزواني في إقناع الرأي العام بأنه يكافح الفساد والعبودية في الوقت الذي يسجن فيه رئيس منظمة الشفافية الشاملة، محمد ولد غده، ونشطاء حركة إيرا، وما مبرر إعطائه أسرة الطفلة النوها تلك المبالغ إن لم يكن هناك ما يخفيه".
وسبق للسلطات الإدارية بولاية الحوض الغربي أن قد سلمت قطعة أرضية لأسرة الطفلة النوها في مدينة لعيون، إضافة إلى مبلغ مالي مقدم من طرف “المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء” (التآزر)، وذلك في إطار برامج الدعم الاجتماعي الموجهة للفئات الهشة.
انتهاك حقوقي
في ظل النقاش الدائر في موريتانيا حول حالات العبودية ومخلّفاتها، أكد رئيس حركة "كفانا" الحقوقية، أحمد يعقوب لمرابط، أن هذه الظاهرة “تمثل انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان ومسا مباشرا بكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، ولا يمكن القبول بها أو التساهل معها تحت أي ظرف”.
وأضاف لمرابط لـ"الاستقلال"، أنه “لهذه الأسباب أسّسنا في حركة كفانا مقاربتنا لهذا الملف على تقدير أن العبودية، بكل أشكالها وممارساتها، جريمة شرعية وأخلاقية وقانونية، وتشكل خرقا واضحا لمبادئ العدالة والمساواة، فضلا عن تعارضها مع مقتضيات الشرع والمعايير الدولية لحقوق الإنسان”.
وأردف “نحن نرى أن التصدي لهذه الظاهرة في مجتمع مثل المجتمع الموريتاني لا يكون بإنكارها أو التقليل من شأنها".
واستطرد: "بل بالاعتراف بوجودها ومعالجتها عبر مقاربة حقوقية شاملة تقوم على التطبيق الصارم للقوانين، وتفعيل الآليات القضائية لمكافحة العبودية، وتعزيز الوعي المجتمعي، وضمان حماية الضحايا وتمكينهم من الوصول إلى العدالة وجبر الضرر”.
وأكد لمرابط على أن “معالجة هذه القضية تقتضي العمل الجاد على مخلّفات العبودية الاجتماعية والاقتصادية، بصفتها أحد التحديات البنيوية التي تعيق تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية بين المواطنين”.
وفي هذا السياق، شدد الناشط الحقوقي على أن “النظام القائم يجب عليه الكف عن التوظيف السياسي لملف العبودية؛ لأن استغلال هذه القضية الحساسة في الصراعات السياسية يضر بالضحايا ويقوّض الجهود الرامية إلى معالجتها بشكل جاد ومسؤول”.
وأشار إلى أن “حركة كفانا تقدمت برؤية واضحة لمعالجة هذه الظاهرة والقضاء على مخلّفاتها، ضمن إستراتيجية متعددة المستويات تشمل المدى القريب والمتوسط والبعيد، وتستند إلى مقاربة حقوقية وتنموية متكاملة”.
ودعا لمرابط، السلطات العمومية إلى أن “تتبنى مثل هذه المقاربة إذا كانت جادة في إيجاد حلول مستدامة، بعيدا عن المزايدات الحقوقية والسياسية ذات العواقب الخطيرة”.
كما دعا السلطات والهيئات الحقوقية والنشطاء المدنيين إلى “مضاعفة الجهود وتعزيز آليات الحماية القانونية للقضاء على جميع الممارسات التي تمس حرية الإنسان وكرامته، والعمل على ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية، بما يضمن لموريتانيا مستقبلا قائما على العدالة والإنصاف وسيادة القانون”.
وفي السياق، أكّد لمرابط على “ضرورة حماية المبلّغين عن الانتهاكات وتعزيز الإطار القانوني المنظم لعمل المنظمات الحقوقية، بما يضمن استقلاليتها وقدرتها على أداء دورها في الرصد والتبليغ، خاصة في ظل ما يثار من مخاوف بشأن ضعف استقلالية القضاء وتغوّل السلطة التنفيذية”.
وخلص رئيس الحركة الحقوقية إلى أن “كرامة الإنسان غير قابلة للمساس، ولا يمكن بناء دولة القانون والمؤسسات إلا على أساس احترام حقوق الإنسان وحمايتها للجميع دون تمييز أو استثناء”.

















