جزيرة "خرج" الإيرانية.. كيف يمكن أن تتحول إلى نقطة اشتعال الاقتصاد العالمي؟

أي عملية للسيطرة على جزيرة خرج قد تتحول بسرعة إلى حرب استنزاف طويلة
مع اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، عاد اسم جزيرة “خرج” إلى صدارة النقاشات العسكرية في واشنطن وتل أبيب.
وبدأت تقارير في وسائل إعلام غربية تتحدث عن احتمال انتقال الصراع إلى مرحلة استهداف البنية التحتية النفطية الإيرانية، وفي مقدمتها هذه الجزيرة التي تُعد الشريان الرئيس لصادرات النفط الإيرانية.
وفي هذا السياق، نقل موقع أكسيوس الأميركي، في تقرير نشره في 5 مارس/آذار 2026، عن مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن البيت الأبيض درس ضمن الخيارات المطروحة إمكانية الاستيلاء على جزيرة خرج عبر غزو بري، بدلا من الاكتفاء بضرب منشآتها النفطية.
وأشار التقرير إلى أن الفكرة نوقشت في إطار سيناريوهات أوسع تهدف إلى شل القدرة الاقتصادية لإيران إذا استمرّ التصعيد العسكري.
غير أن اسم الجزيرة لا يظهر للمرة الأولى في الخطاب السياسي الأميركي. ففي عام 1988، وفي خضمّ الحرب العراقية الإيرانية، تحدث ترامب نفسه عن الجزيرة في مقابلة مع صحيفة الغارديان البريطانية أثناء الترويج لكتابه الشهير فن الصفقة.
وقال آنذاك: إن إيران "تهزم الولايات المتحدة نفسيا وتجعلها تبدو وكأنها مجموعة من الحمقى".
وأضاف: “طلقة واحدة على أحد رجالنا أو سفننا، وسأقوم بعمل كبير في جزيرة ”خرج".. سأدخل إليها وأستولي عليها".
وجاءت تلك التصريحات في ذروة ما عُرف بـحرب الناقلات في الخليج، حين كانت منشآت النفط والسفن التجارية هدفا لهجمات متبادلة بين إيران والعراق، بينما كانت البحرية الأميركية ترافق ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
واليوم، وبعد ما يقرب من أربعة عقود، تعود الجزيرة ذاتها إلى واجهة التفكير العسكري، في سياق حرب جديدة قد تتحول إلى معركة مفتوحة على مصادر الطاقة في المنطقة.

الرئة النفطية
تقع جزيرة خرج في شمال الخليج العربي على بعد نحو 55 كيلومتراً شمال غرب ميناء بوشهر الإيراني، وعلى مسافة تقارب 15 ميلاً بحرياً (نحو 28 كيلومتراً) من الساحل الإيراني.
ورغم أن مساحتها لا تتجاوز 22 كيلومتراً مربعاً، وأن عدد سكانها لا يزيد على نحو 20 ألف نسمة، فإن الجزيرة تؤدي دوراً يفوق بكثير حجمها الجغرافي.
فمنذ ستينيات القرن الماضي، ومع توسع إنتاج النفط الإيراني واكتشاف حقول بحرية جديدة في الخليج، تحولت خرج إلى المركز الرئيس لتصدير النفط الإيراني.
ويعود ذلك إلى موقعها البحري العميق الذي يسمح باستقبال الناقلات العملاقة التي لا تستطيع الرسو في كثير من الموانئ الأخرى في المنطقة.
وقد تطورت الجزيرة تدريجياً لتصبح عقدة لوجستية ضخمة تضم مرافئ نفطية ومنشآت للتخزين والمعالجة، إضافة إلى مطار وقاعدة عسكرية.
كما تعد جزيرة خرج اليوم القلب النابض لقطاع النفط الإيراني. فبحسب بيانات وزارة النفط الإيرانية وتقارير شركات الطاقة الدولية، تمر عبر الجزيرة نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيراني.
ويعادل ذلك نحو 950 مليون برميل سنوياً من النفط الخام، حيث تستقبل الجزيرة النفط القادم من ثلاثة حقول بحرية رئيسة هي: حقل أبو ذر، وحقل فروزان، وحقل دورود.
ويُنقل النفط من هذه الحقول عبر شبكة من خطوط الأنابيب البحرية إلى منشآت المعالجة والتخزين في الجزيرة؛ حيث يُحمّل على ناقلات متجهة إلى الأسواق العالمية.
ورغم العقوبات الدولية المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني منذ سنوات، فإن النفط الإيراني ما زال يجد طريقه إلى المشترين، وفي مقدمتهم الصين التي تعد أكبر مستورد للخام الإيراني.
وخلال السنوات الأخيرة سعت إيران إلى تطوير البنية التحتية للجزيرة. ففي تقرير صدر في مايو/أيار 2025، ذكرت شركة ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس أن إيران أضافت مليوني برميل من سعة التخزين في الجزيرة بعد إعادة تأهيل خزانين نفطيين كبيرين.
وبسبب هذا الدور المحوري، ينظر العديد من الخبراء في الغرب إلى جزيرة خرج بوصفها نقطة الضعف الأبرز في الاقتصاد الإيراني.
فبحسب تحليل نشره بنك الاستثمار الأمريكي جي بي مورغان في 9 مارس/آذار 2026، يمر عبر منشآت الجزيرة ما بين 1.3 و1.6 مليون برميل من النفط يوميا.
وأشار التقرير إلى أن إيران رفعت صادراتها النفطية إلى نحو 3 ملايين برميل يوميا في منتصف فبراير/شباط 2026، ما يزيد من أهمية الجزيرة في معادلة الطاقة الإيرانية.
ولهذا يرى بعض المحللين أن ضرب هذه العقدة النفطية أو السيطرة عليها قد يشكل ضربة اقتصادية قاسية لإيران.
فالعائدات النفطية تمثل أحد أهم مصادر تمويل الدولة الإيرانية، بما في ذلك تمويل الجيش والحرس الثوري الإيراني.
وفي مقال نشر في يناير/كانون الثاني 2026 على موقع معهد أميركان إنتربرايز، قال المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية مايكل روبن: إن الاستيلاء على الجزيرة قد يشل الدولة الإيرانية مالياً.
وكتب روبن: "إذا استولى دونالد ترامب على خرج بدلاً من تدميرها، فإنه يستطيع أن يضمن أن النظام الإيراني لن يتمكن مرة أخرى من دفع رواتب موظفيه وجنوده".
وأضاف أن حرمان إيران من بيع نفطها قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي سريع.
كما تصاعدت الدعوات داخل إسرائيل لاستهداف الجزيرة؛ ففي 10 مارس/آذار 2026 دعا زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد إلى تدمير منشآت الطاقة في جزيرة خرج، مقدرا أن ذلك قد يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني اقتصادياً.

حرب الناقلات
وتناول تقرير تحليلي نشرته شبكة إيه بي سي نيوز الأسترالية في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2024 تاريخ جزيرة خرج بوصفها واحدة من أكثر المنشآت النفطية تعرضاً للاستهداف في تاريخ الشرق الأوسط.
وأشار التقرير إلى أن الجزيرة كانت هدفا رئيسا خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما حاول العراق تدمير منشآت النفط الإيرانية في الخليج.
وخلال تلك الفترة تعرضت الجزيرة لسلسلة من الضربات الجوية والصاروخية في إطار ما عُرف بـحرب الناقلات في الخليج.
لكن رغم القصف المكثف، تمكنت إيران من إعادة تشغيل منشآت الجزيرة بسرعة نسبية، وهو ما دفع بعض الخبراء إلى وصفها بأنها واحدة من أكثر البنى النفطية صموداً في تاريخ المنطقة.
كما أشار التقرير إلى أن وثائق أميركية تعود إلى فترة إدارة الرئيس الأميركي الراحل جيمي كارتر (1977 ـ 1981) كانت تعد الجزيرة الهدف الأكثر حساسية في قطاع الطاقة الإيراني.
وفي السيناريوهات العسكرية التي يناقشها بعض الخبراء، قد تبدأ أي عملية للسيطرة على الجزيرة بضربات جوية تستهدف الدفاعات الجوية الإيرانية المحيطة بالجزيرة والساحل القريب.
وبعد ذلك قد يجري تنفيذ عملية إنزال جوي أو بحري سريع للسيطرة على المطار والمنشآت النفطية.
وغالبا ما يُشار في هذا السياق إلى دور الفرقة 82 المحمولة جوا التابعة لجيش الولايات المتحدة.
وتُعد هذه الفرقة واحدة من أهم قوات التدخل السريع في الجيش الأميركي؛ إذ تمتلك القدرة على الانتشار خلال نحو 18 ساعة في أي مكان من العالم.
كما تتخصص هذه القوة في السيطرة على المطارات والبنية التحتية الحيوية خلال المراحل الأولى من العمليات العسكرية.

الجزيرة المحظورة
غير أن السيطرة الأولية على جزيرة خرج لا تعني بالضرورة نجاح العملية؛ فإيران عملت منذ عقود على تحصين الجزيرة عسكريا، واضعةً إياها تحت حماية مباشرة من الحرس الثوري الإيراني.
وتدرك إيران الأهمية الإستراتيجية للجزيرة، لذلك سعت إلى تحويلها إلى موقع عسكري شديد التحصين.
فالجزيرة تخضع لحراسة مشددة من قبل الحرس الثوري، وتحيط بها إجراءات أمنية صارمة، حتى إن بعض المراقبين يطلقون عليها لقب "الجزيرة المحظورة".
كما تنتشر في محيطها منظومات دفاع جوي وصواريخ ساحلية قادرة على استهداف السفن والطائرات في مياه الخليج.
وتعتمد إيران في الخليج على إستراتيجية الحرب غير المتكافئة التي تقوم على استخدام الزوارق السريعة المسلحة بالصواريخ، والطائرات المسيّرة، والألغام البحرية، والصواريخ المضادة للسفن.
ويهدف هذا الأسلوب إلى رفع كلفة أي عملية عسكرية معادية في الخليج.
ولهذا يحذر خبراء عسكريون من أن السيطرة على خرج قد تكون أسهل من الاحتفاظ بها.
فالجزيرة تقع على مسافة قصيرة جداً من الساحل الإيراني، ما يجعلها ضمن مدى الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة الإيرانية.
كما أن خطوط الإمداد الأميركية في الخليج قد تصبح أهدافا سهلة لهجمات الزوارق السريعة أو الألغام البحرية.
وفي مثل هذا السيناريو قد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى نشر قوات كبيرة وموارد عسكرية ضخمة لحماية جزيرة صغيرة محاطة ببيئة معادية.
ولهذا يرى بعض المحللين أن أي عملية للسيطرة على الجزيرة قد تتحول سريعاً إلى حرب استنزاف طويلة.
وقد أشارت إلى ذلك منصة جزيرو ميديا الأميركية المتخصصة في التحليل السياسي، في تقرير نشرته في 4 مارس/آذار 2026، إذ رأت أن الإمداد سيكون الحلقة الأضعف إذا حاولت واشنطن السيطرة على خرج.
وذكرت المنصة أن القوة المهاجمة قد تصل إلى الجزيرة بسرعة، لكن الحفاظ على الوقود والذخيرة ومنظومات الدفاع الجوي وقدرات الإخلاء الطبي سيكون أكثر صعوبة، إذا بقي مضيق هرمز ومياه الخليج تحت تهديد النيران الإيرانية.
ووصف التقرير العملية بأنها قد تتحول إلى "كابوس لوجستي".
كما أشار إلى أن التداعيات الاقتصادية العالمية قد تكون باهظة؛ إذ إن أي معركة حول الجزيرة قد تؤدي إلى تعطيل الملاحة في الخليج واستهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة.
وتبقى جزيرة خرج أكثر من مجرد هدف عسكري محتمل، فهي القلب النابض لصادرات النفط الإيرانية، وأي تصعيد عسكري حولها قد يترجم فوراً إلى صدمة في أسواق الطاقة العالمية.
ووفق مراقبين، فإن تعطيل الإنتاج أو استهداف المرافئ النفطية سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الخام بشكل حاد، وزيادة مخاطر نقص الإمدادات في آسيا وأوروبا.
كما أن أي مواجهة طويلة قد تعطل حركة الملاحة في الخليج العربي، مما سيزيد من تكاليف التأمين على ناقلات النفط ويضاعف أزمة الطاقة العالمية.
وفي ظل الاعتماد الكبير للصين والهند ودول شرق آسيا على النفط الإيراني، فإن أي اشتباك في خرج لن يكون محلياً أو إقليمياً فقط، بل سيترك بصماته على الأسواق المالية والاقتصادات الكبرى في العالم بأسره، محولاً النزاع العسكري إلى تهديد اقتصادي شامل لا يمكن تجاوزه بسهولة.
المصادر
- Why Kharg Island matters: Iran’s strategic oil island in focus as Middle East conflict grows
- After decapitation, what’s next?
- Iranian island once at centre of illegal CIA arms deal, US presidential plotting and bungled Iraqi bombings now looms as Israeli target
- The oil island that could break Iran
- على حافة الغزو البري.. استنفار أمريكي وجزيرة خرج تتصدر الواجهة وطهران تتوعد

















