من الأرض إلى الفضاء.. كيف أصبحت البيانات وأقمار ستارلينك سلاحًا في الحرب؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

يشهد الصراع القائم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تحوّلاً جذرياً في طبيعة الحروب، التي لم تعد مقتصرة على الأسلحة التقليدية والهجمات الجوية والصاروخية، بل امتدت لتشمل فضاء المعلومات والاتصالات؛ حيث أصبح التحكم في تدفق البيانات عاملا محوريا في تحديد نتائج العمليات العسكرية وتقييم قدرات الخصم.

وفي قلب هذه المعركة برز اسم شبكة الإنترنت الفضائي "ستارلينك"، التابعة لشركة "سبيس إكس" الأميركية التي أسسها رجل الأعمال إيلون ماسك. هذه الشبكة تعتمد على آلاف الأقمار الصناعية الصغيرة في المدار الأرضي المنخفض لتوفير الإنترنت عالي السرعة، وتتميز بسرعة اتصال مرتفعة واستجابة شبه فورية مقارنة بالبنية التحتية التقليدية.

وقد اكتسبت الشبكة في سياق النزاع الحالي أهمية إستراتيجية كبيرة؛ إذ يمكن تشغيلها بسهولة في المناطق التي تتعرض فيها البنية التحتية الأرضية للتدمير أو الإغلاق، ما منحها بعدا سياسيا وعسكريا يتجاوز الغرض التجاري من إنشائها.

تهريب الأجهزة

تصاعد الجدل حول استخدام ستارلينك داخل إيران بعد تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية في 12 فبراير 2026، نقلت فيه عن مسؤولين أميركيين أن الولايات المتحدة قامت بتهريب نحو ستة آلاف محطة اتصال للشبكة إلى الداخل الإيراني عقب الاحتجاجات الشعبية في أواخر 2025.

ووفق التقرير، جرى إدخال هذه الأجهزة عبر قنوات غير رسمية بهدف توفير الإنترنت للمعارضين والناشطين بعد أن فرضت السلطات الإيرانية قيودا صارمة على شبكة الإنترنت خلال الاحتجاجات.

إلا أن السلطات الإيرانية رأت في هذه الخطوة تهديدا أمنيا مباشرا؛ إذ يسمح وجود شبكة اتصال مستقلة خارج سيطرتها بنقل المعلومات الحساسة بسرعة إلى الخارج، سواء كانت صورا لمواقع عسكرية أو مقاطع فيديو توثق نتائج الضربات الجوية.

وفي سياق المواجهة، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية في 10 مارس 2026 اعتقال عشرات الأشخاص بحوزتهم أجهزة "ستارلينك"، بتهم التجسس والعمل لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما أعلن قائد الشرطة الإيراني أحمد رضا رادان في 15 مارس توقيف 500 شخص خلال أيام قليلة لتورطهم في تسريب معلومات حساسة وإحداثيات مواقع عسكرية إلى الخارج.

وتوضح هذه التحركات مدى جدية طهران في الحد من أي تهديد خارج نطاق سيطرتها، ومخاوفها من أن تصبح الشبكات الفضائية أدوات حاسمة في الحرب السيبرانية والاستخباراتية الحديثة.

ومن منظور إيراني، فإن هذه الخطوة لا تقتصر على ضمان حرية الوصول إلى الإنترنت، بل تتعلق بإنشاء شبكة اتصالات موازية داخل البلاد تعمل خارج نطاق سيطرة الدولة.

وفي الحروب الحديثة، لم تعد شبكات الاتصال مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو التواصل بين الأفراد، بل أصبحت جزءا أساسيا من منظومة العمليات العسكرية. فالمعلومات المرسلة، سواء كانت صورا للضربات الجوية، أو مقاطع فيديو تُظهر حجم الأضرار، أو إحداثيات تحدد مواقع حساسة، يمكن أن تتحول بسرعة إلى بيانات استخباراتية تُستخدم لتقييم الضربات أو لتحديد أهداف جديدة.

"الحرب الهجينة"

تزداد المخاوف الإيرانية بشأن الشبكات الفضائية وخطر تسريب المعلومات إذا ما وضعناها في سياق تجربة الحرب التي استمرّت اثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران 2025.

فقد شهدت تلك المواجهة سلسلة من الضربات الدقيقة التي استهدفت قيادات عسكرية إيرانية رفيعة داخل البلاد، ما أسفر عن خسائر كبيرة في صفوف القادة الأمنيين.

من بين أبرز هذه العمليات مقتل اللواء غلام علي رشيد، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي في القوات المسلحة الإيرانية، في ضربة جوية استهدفت موقعا عسكريا في طهران بتاريخ الثالث عشر من يونيو 2025.

وفي اليوم نفسه، قتل أيضاً العميد غلام رضا مهرابي، نائب رئيس جهاز الاستخبارات في هيئة الأركان الإيرانية، خلال غارات استهدفت منشآت عسكرية بالعاصمة.

وبعد يومين، أعلنت تقارير إعلامية مقتل رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري العميد محمد كاظمي ونائبه حسن محقق في غارة إسرائيلية استهدفت مقرا أمنيا في طهران.

وقد أثارت هذه العمليات تساؤلات واسعة داخل إيران حول كيفية تمكن إسرائيل من تحديد مواقع هؤلاء القادة بدقة عالية، لا سيما أن بعضهم كان يتحرك في مواقع مفترضة أنها محمية وسرية.

ويشير خبراء إلى أن مثل هذه العمليات تعتمد عادة على مزيج معقد من المصادر الاستخباراتية، بما في ذلك التنصت الإلكتروني وتحليل الاتصالات وصور الأقمار الصناعية، إضافة إلى المعلومات التي يوفرها العملاء على الأرض.

ولا شك أن جميع تلك الإحداثيات، بحسب تقرير وكالة "رويترز" البريطانية في 10 مارس، كان العامل المشترك فيها نشاط المستخدمين لشبكة "ستارلينك".

وبالإضافة إلى الضربات الجوية، أفادت تقارير إعلامية عن قيام جهاز الموساد الإسرائيلي بتنفيذ عمليات سرية داخل إيران قبل بدء الهجمات العسكرية، مشيرة إلى أن عملاء الموساد استخدموا "ستارلينك" لإنشاء قواعد سرية لطائرات مسيرة داخل إيران، استُخدمت لاحقاً لتعطيل منصات إطلاق الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي قبل بدء القصف الإسرائيلي.

ويأتي هذا النوع من العمليات ضمن ما يُعرف بـ"الحرب الهجينة"؛ حيث تتداخل العمليات الاستخباراتية مع الهجمات العسكرية التقليدية والعمليات السيبرانية في إطار إستراتيجية متكاملة تهدف إلى إضعاف قدرات الخصم قبل بدء المواجهة العسكرية المباشرة.

معركة التشويش

وفي مواجهة التحديات الناجمة عن استخدام شبكة "ستارلينك" داخل البلاد، تسعى إيران للحد من تأثير هذه الشبكة عبر عدة وسائل، تشمل التشويش الإلكتروني على الإشارات ومصادرة الأجهزة، وملاحقة شبكات تهريبها داخل الأراضي الإيرانية.

كما رفعت طهران شكوى رسمية إلى الاتحاد الدولي للاتصالات بشأن تشغيل محطات ستارلينك داخل البلاد دون الحصول على الترخيص الرسمي اللازم.

ويشير خبراء الاتصالات إلى أن تعطيل الشبكة بالكامل يعد أمراً بالغ الصعوبة، نظرا لاعتمادها على آلاف الأقمار الصناعية الصغيرة المتحركة باستمرار في المدار الأرضي المنخفض، وهو ما يجعل مهمة التشويش الشامل عملية معقدة للغاية.

ومع ذلك، يمكن لإيران توظيف وسائل متعددة لإضعاف أداء الشبكة، مثل التشويش على الإشارات، تتبع مواقع الأجهزة ومصادرتها، في إطار جهود تهدف إلى الحد من انتشار هذه الخدمة وتأثيرها على الأمن الوطني.

وفي الوقت نفسه، تعمل إيران على تقليل اعتمادها على الأنظمة التكنولوجية الغربية التي يمكن للولايات المتحدة التحكم بها أو تعطيلها.

وفي هذا السياق، عززت طهران تعاونها مع الصين وروسيا في مجالات الاتصالات والملاحة والتقنيات السيبرانية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك اعتمادها على نظام الملاحة الصيني “بايدو” الذي يوفر خدمات تحديد المواقع بدقة عالية ويُمكّن إيران من الاستغناء جزئيا عن نظام "جي بي إس" الأميركي، ما يعزز قدرة البلاد على حماية أنظمتها العسكرية من التشويش أو التعطيل في زمن الحرب.

كما نقلت وكالة "رويترز" في يناير 2026 عن مسؤولين روس تأكيدهم استعداد موسكو لتعزيز التعاون التقني مع طهران في ظل الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية.

هذا التقارب لا يعني بالضرورة إدارة روسيا أو الصين للحرب التقنية الإيرانية بشكل مباشر، لكنَّه يشير إلى سعي إيران لتقليل هشاشتها أمام البنى التحتية التي يمكن لواشنطن توظيفها سياسياً أو تعطيلها.

في هذا السياق، تصبح المعركة الإيرانية أكثر تعقيداً؛ إذ لا تقتصر على استخدام السلاح التقليدي فقط، بل تمتد إلى حماية البنية التي توجهه، وتأمين اتصاله، وحماية شبكاته، وتقليل انكشافه أمام الاختراق الأميركي والإسرائيلي.

تحول في المفاهيم

يرى المهندس محمد سامي، المتخصص في إدارة الشبكات السحابية واللاسلكية، أن المواجهة الدائرة حول شبكة "ستارلينك" تكشف عن تحول جذري في طبيعة الحروب التي لم تعد تقتصر على الأدوات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل فضاء المعلومات والاتصالات؛ حيث أصبحت السيطرة على تدفق البيانات لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.

ويضيف سامي في تصريح لـ"الاستقلال" أن الشبكات الفضائية، مثل ستارلينك، منحت الولايات المتحدة قدرة غير مسبوقة على تجاوز القيود الرقمية داخل الدول الخصمة، من خلال توفير قنوات اتصال تعمل خارج البنية التحتية المحلية، وهو ما يمنحها بعدا إستراتيجيا يتجاوز كونها مجرد خدمة إنترنت.

وفي المقابل، يؤكد سامي أن إيران تعاملت مع هذا التحدي بوصفه تهديدا أمنيا مباشرا. مشيرا إلى أن ما جرى خلال الفترة الأخيرة يمثل نموذجا متقدما لإدارة الحرب المعلوماتية.

كما يوضح أن طهران لم تحاول تعطيل الأقمار الصناعية نفسها نظراً لتعقيد ذلك تقنياً، بل ركزت على ما وصفه بنقطة الضعف الحقيقية، وهي الأجهزة الطرفية الموجودة على الأرض.

ويشرح أن كل جهاز ستارلينك يصدر بصمة تردد راديوي مميزة عند اتصاله بالأقمار الصناعية، ما يسمح باستخدام تقنيات متقدمة لتحديد اتجاهه ورصد موقعه بدقة عالية. وتسمح عمليات المسح الإشاري ببناء قواعد بيانات شاملة لمواقع الأجهزة والمستخدمين المحتملين.

ويشير سامي إلى أن اختفاء أعداد كبيرة من أجهزة ستارلينك خلال فترة قصيرة، إذا صحّت هذه المعلومات، يعكس عملية أمنية منسقة تعتمد على جمع البيانات مسبقاً ثم تنفيذ مداهمات متزامنة، ما يدل على مستوى عالٍ من التكامل بين العمل الأمني والتقني.

ويضيف أن البعد الأخطر لا يقتصر على مصادرة الأجهزة فحسب، بل يمتد إلى احتمال استغلال بعضها في عمليات هندسة عكسية، أو إعادة استخدامها كأدوات مراقبة بعد إدخال برمجيات معدلة، ما قد يسمح بجمع بيانات عن المستخدمين وأنماط الاتصال داخل الشبكة.

ويختم سامي بالقول: إن هذا النوع من العمليات يعكس تحولا في مفهوم الحرب السيبرانية؛ حيث لم تعد المواجهة تقتصر على الهجمات الإلكترونية التقليدية، بل أصبحت تشمل السيطرة على البنية التحتية للاتصالات واختراقها وإعادة توظيفها استخباراتيا.

ويرى أن الحديث عن القدرة الكاملة على تعطيل الشبكة أو السيطرة عليها بشكل شامل لا يزال محل نقاش تقني، نظرا لاعتماد ستارلينك على آلاف الأقمار الصناعية، ما يجعل إيقافها بالكامل أمرا صعبا، لكنها تظل عرضة للتقييد والتشويش والاستهداف على مستوى الأجهزة الأرضية.

ويختتم سامي ملاحظاته بالإشارة إلى أن ما يجري يعكس ملامح مرحلة جديدة من الصراع الدولي؛ حيث تتداخل التكنولوجيا مع الجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق، مشيراً إلى أن إيران قد تعتمد بشكل متزايد على شراكاتها التقنية مع الصين وروسيا لتعزيز قدراتها في مجال الحرب السيبرانية وتقليل اعتمادها على الأنظمة الغربية.