مستقبل الناتو مهدد.. لماذا فشل ترامب في الحشد لتشكيل "حلف هرمز"؟

ترامب هدد بمصير الناتو في حال لم تستجب دوله لـ"تحالف هرمز"
يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساعيه لتشكيل تحالف يضم دولا عدة لإعادة فتح مضيق هرمز، وذلك بعدما نفّذت إيران تهديدها السابق وأغلقته فعليا ما تسبب في تعطل ممر مائي إستراتيجي ينقل نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
يأتي الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدها في 28 فبراير/ شباط 2026، وسط تصاعد سريع في أسعار النفط التي تجاوزت المئة دولار أميركي للبرميل الواحد بعدما كان لا يتعدى الـ70 دولارا، الأمر الذي انعكس سلبا على سعر الطاقة في العالم.
وعلى ضوء ذلك، دعا ترامب إلى تشكيل تحالف دولي لفتح مضيق هرمز، وقال ترامب في حديث للصحفيين على متن طائرة الرئاسة الأميركية في 15 مارس: إن الولايات المتحدة تطلب مساعدة دول "الناتو" والدول المستوردة للنفط، بما في ذلك الصين، لضمان أمن مضيق هرمز.
وأضاف: "نتحدث مع دول أخرى حول الدوريات في المضائق، ومن الجيد أن تشارك دول أخرى معنا. نحن نقدم المساعدة وقد تلقينا ردودا جيدة". مشيرا إلى أن "الولايات المتحدة تتفاوض مع سبع دول، رغم أن بعض الدول رفضت المشاركة، وأن المهمة ستكون صغيرة؛ لأن إيران تمتلك قوة نيران محدودة جدًا".
وأشار ترامب إلى أنه يأمل من الصين وفرنسا واليابان، وكوريا الجنوبية وبريطانيا، ودول أخرى لم يسمها المشاركة معه بفتح المضيق، لكن الردود وردت من الدول تباعا، بعدم الموافقة على طلبه.

خذلان الحلفاء
واجهت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتشكيل تحالف دولي يهدف إلى المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز ردود فعل سلبية، لا سيما من أبرز الحلفاء، الذين رفض معظمهم المشاركة، مقدرين أن النزاع ليس حربهم، بل حرب الولايات المتحدة الأميركية. ووصف بعض المسؤولين هذا الطلب بأنه أشبه بـ"ابتزاز".
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 17 مارس: إن فرنسا غير مستعدة للمشاركة في تأمين مضيق هرمز "في الظروف الراهنة". مضيفا أن "أي عملية في المضيق يجب أن تكون منفصلة عن القتال الدائر".
وأكد ماكرون أن أي مهمة من هذا النوع تتطلب تنسيقاً مع إيران. مستدركاً: "بمجرد توقف الضربات، سنكون مستعدين لتولي مسؤولية نظام مرافقة السفن في المضيق، وأن أي دور سيكون فقط بعد توقف الأعمال القتالية".
وفي كوريا الجنوبية، أعلن وزير الدفاع آهن جيو باك، في 17 مارس، أن إرسال سفينة حربية تابعة لوحدة تشيونجهاي إلى مضيق هرمز يتطلب موافقة البرلمان، ما يعكس صعوبة تحقيق طلب ترامب للتدخل العسكري.
كما رفضت اليابان طلب ترامب؛ حيث قالت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي أمام البرلمان: “بلادنا لا تعتزم إرسال سفن حربية لمرافقة السفن في الشرق الأوسط”. مشددة على أن الحكومة "لم تتخذ أي قرارات بهذا الشأن، ونواصل دراسة ما يمكن فعله بشكل مستقل ضمن الإطار القانوني".
وأعلنت أستراليا، من جهتها، أنها لن ترسل سفناً حربية إلى المضيق، مؤكدة عدم انضمامها لأي تحالف بحري أميركي. وقالت وزيرة الدفاع كاثرين كينغ: "ندرك أهمية الأمر، لكن هذا ليس شيئاً طُلب منا المشاركة فيه، ولن نقوم به".
أما ألمانيا، فقد كانت واضحة في رفضها دعوات ترامب؛ حيث استبعد وزير الدفاع بوريس بيستوريوس المشاركة العسكرية في أي جهود لإعادة فتح المضيق. قائلاً: "هذه ليست حربنا ولم نبدأها، ونريد حلولاً دبلوماسية ونهاية سريعة للوضع القائم".
وأكد وزير الخارجية يوهان فاديفول أن ألمانيا لن تشارك في أي عملية عسكرية دولية لحماية السفن التجارية في المضيق، نافيا دور بلاده كطرف فاعل في الصراع.
ولم تختلف بريطانيا في موقفها، حيث رفض رئيس الوزراء كير ستارمر التورط العسكري في الحرب على إيران أو فرض حل بالقوة لمضيق هرمز. مؤكداً أن الإجراءات تتعلق بالدفاع عن النفس والحلفاء فقط، ولا يمكن أن تُسحب بلاده إلى حرب أوسع.
كما رفض رئيس وزراء لوكسمبورغ كزافييه بيتيل الدعوة الأميركية، مؤكداً أن بلاده لن ترضخ لـ"الابتزاز" من واشنطن. مضيفاً: "لا تطلبوا منا إرسال قوات عسكرية".
وأكّد نائب رئيسة الحكومة الإيطالية ماتيو سالفيني أن إيطاليا ليست في حالة حرب مع أي طرف، وأن إرسال سفن إلى منطقة حرب يعني الدخول في النزاع، وهو ما ترفضه روما.
في المقابل، تحفظت الصين على الدعوات الأميركية؛ حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية لين جيان: "الوضع المتوتر في مضيق هرمز ومياهه المجاورة يؤثر على طرق التجارة الدولية للبضائع والطاقة، ونحن على تواصل مع جميع الأطراف وملتزمون بدفع الجهود الرامية إلى تهدئة الوضع وخفض التوتر".

مؤشرات للفشل
وعن مدى إخفاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تشكيل تحالف دولي لإعادة فتح مضيق هرمز، قال الكاتب والمحلل السياسي حازم عياد: "محاولات ترامب لإشراك دول أوروبا وحلف الناتو، إضافة إلى دعوته روسيا والصين، لضمان أمن المضيق، تعكس مؤشرات واضحة على العجز وفقدان السيطرة".
وأضاف عياد لـ"الاستقلال": "هذا يدل على عدم وجود خطة عسكرية وأمنية أميركية واضحة لاستعادة السيطرة على مضيق هرمز، رغم انتشار القواعد الأميركية في الدول الخليجية السبعة والحضور العسكري الكبير لأميركا، لكنها لم تفلح في إبقاء المضيق مفتوحاً. بالتالي، يمكن القول إنه فشل سياسي وعسكري، ويعكس ضعف وتراجع النفوذ الأميركي في المنطقة".
وتابع: "الأمر الأخطر يكمن في عجز الولايات المتحدة عن إقناع حلفائها المقربين بدعم جهودها العسكرية لفتح المضيق. خصوصاً أن هذه الدول لديها مصالح اقتصادية قوية، ما دفعها إلى اتباع طرق بديلة عبر اتفاقات جزئية مع الجانب الإيراني لضمان مرور شحنات النفط، كما هو الحال مع الهند وتركيا. وهناك تقارير عن جهود فرنسية وألمانية لتوقيع صفقة مع إيران لتأمين وصول النفط إلى بلادهما".
ورأى الخبير في شؤون الشرق الأوسط أن "الفشل الأميركي أصبح واضحاً، وأن محاولات إنشاء هذا التحالف تُظهر أن واشنطن لم تكن تمتلك خطة حقيقية لمواجهة إيران، بل استندت إلى فرضيات ثبت خطؤها منذ اليوم الأول للحملة العسكرية، ما يضع الجانب الأميركي في مأزق كبير".
وبحسب عياد، فإن "دعوة ترامب لتدخل القوى الدولية تُعد مؤشراً للضعف ومحاولة للهروب من المسؤولية، والتهرب من حرب استنزاف طويلة باتت تلوح في الأفق، في حال عدم التوصل إلى مخرج واضح مع إيران، وهو أمر مستبعد حتى اللحظة".
وأضاف: "توريط الدول الأوروبية كان إحدى المحاولات الأميركية الجادة لتخفيف الأعباء، لكنها أثبتت فشلها حتى الآن، وأكدت عجز الولايات المتحدة التي تمتلك الأثقل والأهم حضوراً سياسياً وعسكرياً، بل وحتى اقتصادياً من خلال الشراكات مع دول الخليج".
ولفت عياد إلى أن "ترامب يحاول التخفيف من الأعباء العسكرية الناجمة عن إغلاق المضيق، ونقل هذا العبء إلى المجتمع الدولي وحلفائه وشركائه، محملاً إياهم أيضا كلفة هذا الفشل التي تنعكس سلباً على الاقتصاد الدولي. بالتالي، هي محاولة لتذليل المشكلة لكنها تعمّق الأزمة الأميركية ولا تعالجها على المستوى الدولي".
وفي ردّه على رفض دعوته لتشكيل تحالف دولي، شن ترامب هجوما حادا على حلف الناتو، قائلاً: "لقد كنت أقول هذا منذ فترة طويلة. هذا هو أعظم شيء نتج عن هذا". وذلك خلال تصريحات أدلى بها من البيت الأبيض في 17 مارس.
وأضاف ترامب: "ننفق تريليونات الدولارات على حلف الناتو للدفاع عن دول أخرى. ودائما أقول، إذا حان وقت الدفاع عن بلدنا، فلن يكونوا موجودين. كثير منهم لن يكونوا موجودين، وسنضطر للتفكير بشكل أكثر حكمة في هذا البلد".
وأردف: "بعض الحلفاء كانوا جيدين جدا، واحد أو اثنان كانا رائعين. سأخبركم من هم الرائعون في الوقت المناسب".

خيارات ترامب
وفيما يتعلق بالسيناريوهات التي يدرسها الرئيس ترامب، كشف موقع "أكسيوس"، في 17 مارس، نقلا عن مسؤولين أميركيين لم يُسمّوا، أن واشنطن تدرس أيضاً خيار السيطرة على محطة النفط بجزيرة خرج الإيرانية، وهو إجراء يستلزم نشر قوات برية أميركية.
وتُعد جزيرة خرج، أو "خرج"، محطة إستراتيجية تبعد نحو 24 كلم عن الساحل الإيراني، وتشكل نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الخام الإيراني، وقد حذّرت السلطات الإيرانية من أنه إذا استُهدفت الجزيرة، فستقوم بتوجيه ضربات انتقامية على منصات نفطية في المنطقة.
وأضاف الموقع نقلاً عن مصادره أنه "طالما استمر الحصار وقيود تصدير النفط من الدول الخليجية، فلن يستطيع ترامب إنهاء الحرب حتى لو أراد". مشيراً إلى أن "ترامب يتوقع إعلان بعض الدول دعمها لتشكيل ما يسميه البيت الأبيض (تحالف هرمز)".
وبحسب الخطة الأميركية، سيُطلب من الدول المشاركة توفير سفن حربية وطائرات مسيّرة وأنظمة قيادة ومعدات عسكرية أخرى لهذه المهمة، مع التركيز حاليا على الحصول على الالتزام السياسي، على أن تُحدد لاحقا تفاصيل "أي دولة ستزود بماذا ومتى".
وأشار "أكسيوس" إلى أن ترامب أبدى اهتماما بفكرة السيطرة الكاملة على جزيرة خرج، عادا إياها "ضربة اقتصادية قاتلة للنظام الإيراني"؛ إذ ستقطع عملياً مصادر تمويله.
ومع ذلك، حذر المسؤولون الأميركيون من أن تنفيذ هذا الإجراء يتطلب وجود قوات برية، وقد يؤدي إلى هجمات انتقامية من إيران على منشآت نفطية وخطوط أنابيب في دول الخليج، خصوصا السعودية.
من جانبه، أشار المحلل الإسرائيلي رون بن يشاي، في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية في 17 مارس، إلى أن إغلاق المضيق يهدد الاقتصادات الكبرى في آسيا وأوروبا؛ إذ يمر عبره نحو خُمس استهلاكها من الطاقة، بما في ذلك النفط الإيراني.
وأكد بن يشاي أن الولايات المتحدة لا تعاني مباشرة من نقص الطاقة بفضل استقلالها النسبي في هذا المجال، إلا أن ارتفاع أسعار النفط يزيد تكلفة البنزين والديزل في محطات الوقود الأميركية بنحو 40 سنتاً للغالون، ما يشكل ضربة للرئيس ترامب الذي وعد بخفض الأسعار قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وأضاف المحلل الإسرائيلي أن الإيرانيين يتصرفون بذكاء وحنكة، فالإغلاق الانتقائي للمضيق يقلل الأضرار الاقتصادية عليهم ويحافظ على صورتهم الدولية؛ حيث يستهدفون الناقلات التي تحاول العبور فعليا، مع استثناء تلك المتجهة إلى الصين والهند، والتي تتلقى دعما صينيا سياسيا واستخباراتياً، إلى جانب وعد بمساعدات لإعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب.
وأوضح بن يشاي أن إيران لا تحتاج لبذل جهد كبير لإغلاق المضيق الذي يبلغ عرضه 21 ميلاً بحرياً في أضيق نقطة ويضم ممرين ملاحيين فقط لناقلات النفط الثقيلة، كما أنها تسيطر على سبع جزر إستراتيجية تمكنها من استخدام وسائل متعددة ضد أي سفينة تحاول المرور.
وحول الخيارات الأميركية لمواجهة الوضع، يرى بن يشاي أن أمام واشنطن ثلاثة مسارات رئيسة:
1ـ استخدام جزيرة خرج كورقة ضغط إستراتيجية؛ إذ يتم تحميل نحو 90 بالمئة من النفط الإيراني عليها، ويمكن إنزال حوالي 2200 جندي من مشاة البحرية بعد قصف المنشآت العسكرية للسيطرة على الجزيرة، إلا أن هذا الخيار قد يثير هجمات انتقامية مدمرة من إيران على منشآت النفط في الخليج وحلفاء واشنطن العرب.
2ـ مرافقة قوافل ناقلات النفط عبر المضيق، وهو الخيار المرجح وفق نصائح الجنرالات، ويتيح مرور ناقلات النفط بشكل مؤقت دون تصعيد مباشر أو خسائر بشرية كبيرة، لكنه يتطلب تجهيزات معقدة تشمل القوات البحرية والجوية، وقد تستغرق عدة أسابيع.
3ـ عملية عسكرية واسعة للسيطرة على كامل الساحل الإيراني والجزر السبع، بهدف تحييد جميع مصادر التهديد، وهي عملية ضخمة للغاية تحمل احتمالات خسائر بشرية كبيرة، وقد تتعرض القوات للانزلاق في المستنقع كما حدث في العراق سابقاً.
وأشار بن يشاي إلى أن ترامب يسعى لاستغلال الخيار الثاني بمشاركة قوات حلف الناتو، لا سيما وجود كاسحات الألغام البريطانية والفرنسية والألمانية، ما يسمح ببدء العملية خلال أسبوع إلى أسبوعين.
المصادر
- "أكسيوس": ترامب يسعى لتشكيل “تحالف هرمز” ويدرس خيار السيطرة على النفط في "خارك" الإيرانية
- خطة ترامب لفتح مضيق هرمز .. ما هي خياراته المتاحة؟
- دعوة ترامب لتحالف يفتح مضيق هرمز عسكريا تتحول إلى "حفلة" اعتذارات
- ماكرون: فرنسا غير مستعدة للمشاركة في تأمين مضيق هرمز في الظرف الراهن
- جزيرة خرج.. شريان النفط الإيراني إلى العالم


















