من هرمز إلى باب المندب.. هل يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة الصدمة؟

تكمن خطورة باب المندب في أن قيمته لا تقاس فقط بموقعه على الخريطة، بل بوظيفته داخل شبكة النقل البحري العالمية
بدأ التحول في المشهد يتجاوز حدود التهديد النظري إلى واقع ميداني يتبلور سريعًا، ففي 28 مارس/ آذار 2026، ولأول مرة منذ اندلاع الحرب على إيران، تعلن جماعة الحوثي اليمنية، المتحالفة مع طهران، إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، في خطوة تعكس انخراطًا مباشرًا في المواجهة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
هذا التطور لا يمكن اعتباره تصعيدًا عابرًا، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا يضع مضيق باب المندب في صلب المعادلة، بوصفه أحد أكثر النقاط عرضة للاشتعال في حال قررت الجماعة فتح جبهة جديدة.
فالمضيق يُعد شريانًا رئيسيًا للملاحة العالمية باتجاه قناة السويس، وتزداد أهميته في ظل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، ما يمنحه وزنًا مضاعفًا في حسابات الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي.
وبهذا المعنى، لم يعد البحر الأحمر هامشًا في مسار الحرب، بل تحول إلى امتداد مباشر لها، وجزء لا يتجزأ من صراع أوسع يدور حول التحكم في طرق نقل الطاقة والبضائع والمواد الغذائية بين آسيا وأوروبا.
وتنبع خطورة باب المندب من كونه أكثر من مجرد موقع جغرافي؛ إذ يمثل عقدة محورية في شبكة النقل البحري العالمية. يقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 18 ميلًا (قرابة 29 كيلومترًا)، ما يجعل حركة الملاحة فيه محصورة ضمن ممرات ضيقة للسفن.
هذا الضيق يمنح أي تهديد أمني فيه بعدًا دوليًا فوريًا، إذ يحدّ من قدرة السفن على المناورة، ويجعل أي استهداف أو تلغيم أو تعطيل ممتد كفيلًا بإرباك أحد أهم المسارات البحرية المؤدية إلى قناة السويس.
ولهذا ظل المضيق، على مدى عقود، أحد أبرز نقاط الاختناق العالمية، ليس كخيار بديل، بل كبوابة إلزامية لربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط.
وتعكس الأرقام هذا الثقل الاستراتيجي؛ إذ تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) لعام 2024 إلى أن نحو 8.7 بالمئة من التجارة البحرية العالمية في 2023 مرت عبر باب المندب.
كما تُظهر البيانات أن السلع العابرة شملت الحاويات والسيارات بنسبة 20 بالمئة لكل منهما، إلى جانب المنتجات النفطية بنسبة 15 بالمئة، والنفط الخام بنسبة 13 بالمئة.
أما قناة السويس، التي يشكل المضيق مدخلها الجنوبي، فتستحوذ على نحو 10 بالمئة من التجارة العالمية المنقولة بحرًا، و22 بالمئة من حركة الحاويات، ما يعكس ترابط هذا المسار كمنظومة واحدة متكاملة.
وعليه، لا يمكن النظر إلى باب المندب كمضيق منفصل، بل كجزء من ممر تجاري وطاقوي ممتد من المحيط الهندي عبر البحر الأحمر إلى قناة السويس وخط "سوميد" المصري، وهو ما يفسر كيف يتحول أي تهديد فيه إلى مسألة تتجاوز الإقليم وتمس استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.

هرمز وباب المندب
من زاوية الطاقة تحديدًا، تكتسب الصورة أبعادًا أكثر حساسية؛ إذ تُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تدفقات النفط عبر مضيق باب المندب بلغت نحو 8.7 ملايين برميل يوميًا خلال عام 2023، قبل أن تتراجع في عام 2024، حتى أغسطس/ آب، إلى قرابة 4 ملايين برميل يوميًا، بفعل اضطرابات البحر الأحمر المرتبطة بالعدوان الإسرائيلي على غزة.
كما تشير البيانات إلى أن باب المندب، إلى جانب قناة السويس وخط "سوميد"، نقل في النصف الأول من عام 2023 نحو 12 بالمئة من إجمالي النفط المتداول بحرًا عالميًا، وقرابة 8 بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
هذه الأرقام لا تحمل دلالة تقنية فحسب، بل تكشف لماذا يتحول المضيق، في لحظة الحرب، إلى أداة ضغط وتأثير في أسواق الطاقة العالمية، لا تقل أهمية عن كبرى الحقول والمنشآت النفطية.
في هذا السياق، تتضح العلاقة العضوية بين مضيقي هرمز وباب المندب. فتعطيل هرمز أو إغلاقه لا يعني فقط تعطّل صادرات الخليج، بل يدفع الدول المنتجة إلى إعادة توجيه تدفقاتها عبر مسارات بديلة، في مقدمتها البحر الأحمر.
وقد عكست بيانات وكالة "رويترز" في 24 مارس/ آذار 2026 هذا التحول بوضوح؛ إذ قفزت صادرات النفط الخام السعودي من ميناء ينبع على البحر الأحمر إلى ما يقارب 4 ملايين برميل يوميًا في منتصف مارس، مقارنة بمتوسط لم يتجاوز 770 ألف برميل يوميًا خلال يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط.
ويعود ذلك إلى الاعتماد المكثف على خط الأنابيب الشرقي-الغربي السعودي، الذي تصل طاقته إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، مع إمكانية تخصيص ما يقارب 5 ملايين برميل يوميًا للتصدير بعد تلبية الطلب المحلي.
غير أن هذه المناورة، رغم فعاليتها التكتيكية، لا تلغي جوهر الأزمة، بل تعيد توزيعها جغرافيًا؛ إذ تنقل جزءًا من تدفقات النفط من رهينة مضيق هرمز إلى رهينة مضيق باب المندب.
بمعنى آخر، فإن الضغط الذي تعذر كسره عند مدخل الخليج قد يعاود الظهور عند مدخل البحر الأحمر.
من هنا، يصبح الحديث عن اختناق مزدوج أكثر من مجرد توصيف بلاغي؛ إذ تقدّر إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن نحو 20.9 مليون برميل يوميًا عبرت مضيق هرمز في عام 2023، وهو ما يعادل قرابة 20 بالمئة من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية.
وإذا كانت الحرب الأميركية الإيرانية قد دفعت إلى تقليص الاعتماد على هرمز وتعظيم دور المسارات البديلة عبر ينبع والبحر الأحمر، فإن تعريض باب المندب للخطر يعني عمليًا استهداف هذا البديل نفسه، وإعادة خنق الإمدادات من مسار آخر.

حسابات معقدة
هنا تتقاطع الجبهتان بشكل مباشر: الأولى تخنق منفذ التصدير الرئيس من الخليج عبر مضيق هرمز، والثانية تستهدف المسار البديل الذي يُفترض أن يستوعب جزءًا من هذه التدفقات عبر مضيق باب المندب.
وعند هذه النقطة، يتغير السؤال جذريًا؛ فلا يعود الأمر متعلقًا بما إذا كانت الأسواق ستتأثر، بل بحجم الصدمة المحتملة حين تتعرض شرايين الطاقة العالمية لتعطيل متزامن.
التجربة القريبة في البحر الأحمر تؤكد أن هذا السيناريو ليس مجرد افتراض نظري. ففي 25 مارس/ آذار 2026، نشرت وكالة "رويترز" تحقيقًا مطولًا خلص إلى أن الجهود الغربية لحماية الملاحة منذ أواخر عام 2023 كلّفت مليارات الدولارات، مع إنفاق تجاوز مليار دولار على الذخائر وحدها، وغرق أربع سفن، دون أن ينجح ذلك في إعادة الثقة إلى المسار.
فعلى الرغم من هذه الكلفة، ظل الطريق الذي كان يحمل سابقًا نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية ممرًا تتجنبه شركات الشحن بدرجة كبيرة.
وفي السياق ذاته، أفادت وكالة "بلومبيرغ"، في تقرير صدر في 21 مارس/ آذار 2026، بأن أحجام الشحن اليومية عند نقاط الاختناق في البحر الأحمر وقناة السويس ما تزال أقل بنحو 60 بالمئة مقارنة بمستويات ما قبل هجمات الحوثيين.
وإذا كانت هذه التداعيات قد نتجت عن مواجهة مع فاعل غير دولتي، فإن الحسابات تصبح أكثر تعقيدًا بكثير في حال اتساع المواجهة لتشمل إيران مباشرة، أو عبر تنسيق أوثق بينها وبين الحوثيين.
ولا تقتصر الانعكاسات على الجانب الأمني، بل تمتد بوضوح إلى بنية التجارة العالمية؛ فقد أشار صندوق النقد الدولي، في 7 مارس/ آذار 2024، إلى أن حجم التجارة المارة عبر قناة السويس تراجع بنسبة 50 بالمئة على أساس سنوي خلال الشهرين الأولين من ذلك العام، في مقابل قفزة بنسبة 74 بالمئة في حركة السفن حول رأس الرجاء الصالح.
أما البنك الدولي، فقد قدم في مايو/ أيار 2024 صورة أكثر شمولا، موضحًا أن حركة المرور عبر قناة السويس وباب المندب انخفضت إلى النصف بحلول نهاية مارس، بينما تضاعفت الملاحة حول رأس الرجاء الصالح، مع زيادة مسافات الرحلات بنسبة تصل إلى 53 بالمئة، وارتفاع أزمنة الشحن بنسبة 51 بالمئة لسفن الحاويات و39 بالمئة لناقلات النفط.
وتكشف هذه المؤشرات أن الالتفاف حول إفريقيا لا يمثل حلًا بقدر ما هو إعادة توزيع للأزمة، من اختناق في الإمدادات إلى تضخم في التكاليف والزمن ومخاطر التأمين.
وعلى المستوى الاقتصادي المباشر، كانت مصر من أوائل المتضررين من هذا التحول. ففي 18 يوليو/ تموز 2024، أعلنت الحكومة المصرية تراجع إيرادات قناة السويس خلال السنة المالية 2023-2024 إلى 7.2 مليارات دولار، مقارنة بـ9.4 مليارات في العام السابق، بالتوازي مع انخفاض عدد السفن العابرة إلى 20,148 سفينة مقابل 25,911.
وسبق ذلك فقدان القناة نحو 40 بالمئة من إيراداتها الدولارية خلال الأيام الأولى من عام 2024، وفق تصريحات رئيس هيئة القناة آنذاك الفريق أسامة ربيع، مع تراجع حركة السفن بنسبة 30 بالمئة بين 1 و11 يناير/ كانون الثاني 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
بناءً على ذلك، لا يقتصر تأثير استهداف باب المندب على تعطيل تدفقات الطاقة، بل يمتد ليصيب أحد أهم الشرايين المالية في المنطقة، ويدفع اقتصادات تعتمد على العبور، مثل مصر، إلى مواجهة صدمة مزدوجة: تراجع الإيرادات من جهة، وارتفاع كلفة الواردات من جهة أخرى.

ضربة للشركات
على مستوى الشركات العالمية، تبدو التداعيات أكثر وضوحًا ومباشرة؛ فمنذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب في 1 مارس/ آذار 2026، سارعت كبرى شركات الشحن البحري، مثل "ميرسك" و"هاباغ لويد" و"سي إم إيه–سي جي إم" الفرنسية، إلى إعادة توجيه سفنها بعيدًا عن مساري قناة السويس وباب المندب، عبر الالتفاف حول القارة الإفريقية.
ولم تمضِ أيام حتى بدأت الكلفة الحقيقية لهذا التحول في الظهور؛ إذ أعلن الرئيس التنفيذي لشركة "هاباغ لويد"، رورلف هابن يانسن، أن الشركة تتحمل أعباء إضافية تتراوح بين 40 و50 مليون دولار أسبوعيًا، موزعة بين ارتفاع استهلاك الوقود، وتكاليف التأمين، ونفقات تخزين الحاويات.
غير أن هذه الأرقام لا تخص شركة بعينها، بقدر ما تعكس آلية انتقال أثر الحرب من الجغرافيا إلى الاقتصاد؛ من الممرات البحرية إلى فواتير النقل، ومنها إلى أسعار السلع التي يتحملها المستهلك النهائي.
فكل يوم إضافي تقضيه السفن في البحر يعني استهلاكًا أكبر للوقود، وساعات عمل أطول للطاقم، وتأخرًا في دورة تشغيل الحاويات، ما ينعكس في نهاية المطاف على كلفة الشحن وأسعار البضائع في الموانئ والأسواق.
وتزداد حدة هذا المسار مع عامل التأمين الذي يتحول في أوقات الأزمات إلى عنصر حاسم في القرار التجاري. ففي سبتمبر/ أيلول 2024، أفاد البنك الدولي بأن كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة للبحر الأحمر تضاعفت أكثر من مرتين خلال أسابيع قليلة.
بل إن بعض شركات التأمين بدأت بالفعل في تقليص أو سحب تغطيتها للرحلات في المنطقة، فيما وصل بعض عروض التأمين إلى نحو 2 بالمئة من قيمة السفينة للرحلة الواحدة.
وعند هذا المستوى من المخاطر والتكاليف، لا يعود القرار مجرد حساب ربحي تقليدي، بل يتحول إلى معادلة بقاء. فحين تُضاف هذه الأعباء إلى كلفة الوقود والزمن، يصبح الخيار الأكثر منطقية لكثير من الشركات هو تجنب المسار بالكامل، لا المجازفة بالمرور فيه.
وهكذا، يتحول التهديد العسكري، حتى قبل أن يتجسد في ضربة مباشرة، إلى تعطيل اقتصادي فعلي، يعيد رسم خريطة التجارة العالمية بفعل الخوف وحده، لا بفعل القوة فقط.

أزمة عالمية
في هذا السياق، تتكشف ملامح أزمة تتجاوز حدود الجغرافيا لتنال بنية الاقتصاد العالمي نفسه؛ إذ يشير تحليل للباحث الاقتصادي الكندي روري جونستون، نشرته منصة "ديسباتش إنرجي" في 26 مارس/ آذار 2026، إلى أن الفائض النفطي المحدود عالميا يتآكل بوتيرة متسارعة، مع تعطل تدفقات مضيق هرمز واحتمالات انزلاق مضيق باب المندب إلى قلب الصراع.
ويعني ذلك أن الأسواق لم تعد تواجه مجرد اضطراب مؤقت، بل بدأت فعليا في موازنة العجز عبر آلية قسرية، تتمثل في خفض الطلب نتيجة ارتفاع الأسعار، وليس عبر زيادة الإمدادات.
ويؤكد التحليل أن توفر النفط في حد ذاته لم يعد كافيا لضمان استقرار السوق؛ إذ تبقى سلامة الممرات البحرية شرطا حاسما لاستمرار تدفقه. ومن هنا تكتسب أهمية مضيق باب المندب بُعدا مضاعفا، ليس فقط كممر ملاحي، بل كحلقة أساسية ضمن شبكة المسارات البديلة التي يعتمد عليها العالم في أوقات الأزمات.
وتتجلى التداعيات بشكل أكثر حدة في الدول النامية التي تفتقر إلى القدرة المالية على امتصاص صدمات الأسعار؛ فارتفاع كلفة الطاقة لا ينعكس فقط على الوقود، بل يمتد إلى قطاعات الكهرباء والنقل والإنتاج، ما يدفع بعض المجتمعات إلى العودة إلى مصادر طاقة تقليدية أكثر تلويثا وأقل كفاءة.
وفي موازاة ذلك، تحذر مؤسسات دولية، مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، من انتقال تأثيرات الأزمة إلى أسعار الغذاء والسلع الأساسية، نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف النقل والتأمين. وهو ما يضيف طبقة جديدة من الضغوط التضخمية، خصوصا في الاقتصادات الهشة.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن زيادة تكاليف الشحن قد ترفع معدل التضخم العالمي بنحو 0.7 نقطة مئوية، بينما حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في 26 مارس، من احتمال تراجع النمو العالمي إلى حدود 2.9 بالمئة إذا استمرت صدمة الطاقة.
وبهذا المعنى، لم يعد مضيق باب المندب مجرد ممر بحري ضمن خرائط التجارة، بل تحول إلى عنصر حاسم في معادلة الاستقرار الاقتصادي العالمي، خاصة إذا تزامن اضطرابه مع تعطيل مضيق هرمز، بما يضع العالم أمام اختناق مزدوج في شرايين الطاقة والتجارة معا.
















