اتفاقيات دفاعية في زمن الحرب.. لماذا يطرق الخليج باب أوكرانيا؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل تصاعد الحرب الإسرائيلية‑الأميركية على إيران وما تبعها من استمرار الضربات على دول الخليج، اتجهت الأخيرة نحو أوكرانيا، البلد المنهك بفعل الحرب مع روسيا منذ أربع سنوات.

وكشفت الهجمات الإيرانية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة عن ثغرات في أنظمة الدفاع الصاروخي التقليدية، مما دفع دول الخليج للبحث عن تقنيات إضافية يمكنها صد هذه الضربات التي نالت منشآت حيوية.

عقود دفاع

برز هذا التطور مع زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لثلاث دول خليجية نهاية مارس/آذار 2026، وهي السعودية وقطر والإمارات؛ حيث أعلن عن توقيع اتفاقيات دفاعية.

ففي 27 مارس، أعلن زيلينسكي من جدة توقيع اتفاق تعاون دفاعي مع السعودية، مبينا في بيان عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي: “لقد توصلنا إلى ترتيب هام بين وزارتي الدفاع الأوكرانية والسعودية”.

وأردف أنه “جرى التوقيع على هذه الوثيقة قبيل اجتماعنا مع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان آل سعود، وهي تُرسّخ أسس عقود مستقبلية، وتعاوناً تقنياً، واستثمارات، كما تُعزز دور أوكرانيا الدولي كجهة مانحة للأمن”.

وواصل القول: “نحن على استعداد لتبادل خبراتنا وأنظمتنا مع السعودية، والعمل معاً لتعزيز حماية الأرواح. فالأوكرانيون، يُقاومون نفس نوع الهجمات الإرهابية - الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة - التي يشنّها النظام الإيراني حالياً بالشرق الأوسط ومنطقة الخليج”. وفق تعبيره.

وتغزل زيلينسكي بالسعودية قائلا إنها “تمتلك أيضاً قدرات تُثير اهتمام أوكرانيا، ويمكن أن يكون هذا التعاون مُفيداً للطرفين”، مبينا أن الطرفين ناقشا “الوضع بالشرق الأوسط ومنطقة الخليج عموماً، والمساعدات الروسية للنظام الإيراني، وتطورات أسواق الوقود، والتعاون المحتمل بمجال الطاقة”.

في اليوم التالي، التقى زيلينسكي بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فيما وقّع وزير الدفاع القطري سعود بن عبد الرحمن آل ثاني مع أمين مجلس الأمن القومي الأوكراني رستم إنفروفيتش اتفاقاً للدفاع المشترك خلال زيارة الوفد الأوكراني إلى الدوحة.

وأوضحت وزارة الدفاع القطرية أن الاتفاق يشمل “التعاون في المجالات التكنولوجية وتنمية مشاريع مشتركة واستثمارات دفاعية وتبادل الخبرة في مجال مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة".

لم يقف الأمر عند هذين البلدين، فقد واصل زيلينسكي جولته إلى الإمارات والتقى رئيسها محمد بن زايد، مبينا أنه سيوقّع اتفاقاً مماثلاً معها خلال الأيام التالية، وأن  الجانبين اتفقا على "التعاون في مجالَي الأمن ​​والدفاع"، دون إعلان اتفاق نهائي. 

وعبر إكس، غرد الرئيس الأوكراني مرفقا مقطع فيديو من لقائه بابن زايد بالقول: “يجب ألا يسود الإرهاب في أي مكان في العالم. يجب أن تكون الحماية كافية في كل مكان. ولذلك، نحن منفتحون على العمل المشترك الذي من شأنه، من منظور إستراتيجي، أن يعزز شعوبنا ويحمي الأرواح في بلدينا”.

وأردف: “ناقشنا الوضع الأمني ​​في الإمارات والهجمات الإيرانية وحصار مضيق هرمز، الذي يؤثر بشكل مباشر على سوق النفط العالمي".

وواصل التسويق لإمكانات بلاده بالقول: “تمتلك أوكرانيا خبرةً واسعةً في هذا المجال - فقد تعرضت مدننا، لهجمات يومية على مدى 4 سنوات من حرب شاملة، وطورنا نظام حماية يحقق نسبة اعتراض عالية ضد طائرات العدو المسيرة وصواريخه. هذا النهج وتكامل الخبرات هو ما نقدمه لشركائنا”.

وبالتزامن مع هذه الزيارة، أرسلت كييف أكثر من 200 خبير مضاد للمسيّرات إلى الإمارات وقطر والسعودية لإدارة أنظمة الاعتراض وتدريب القوات المحلية, بحسب وكالة رويترز.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتعاون فيها الخليج مع كييف، فالسعودية قدمت مساعدات إنسانية لأوكرانيا في السابق، كما توسطت قطر في تبادل أسرى بين هذا البلد وروسيا، لكن للمرة الأولى تنخرط دول خليجية في اتفاقات دفاعية طويلة الأجل معها.

لماذا أوكرانيا؟

خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، أطلق الإيرانيون المئات من صواريخ “شاهد” الرخيصة على مدن الخليج والتي تقدر تكلفتها بين 20 - 30 ألف دولار.

ولاعتراضها، أطلقت دول الخليج أكثر من 800 صاروخ باتريوت في أول ثلاثة أيام من الحرب، في استنزاف يشكّل معضلة إستراتيجية خاصة حال استهلاك مخزون الاعتراض، وفق دراسة لمعهد دول الخليج العربي في واشنطن.

ويقدّر المعهد أن تكلفة المسيّرة الاعتراضية الأوكرانية تتراوح بين 800 و3 آلاف دولار فقط فيما يقدر ثمن صاروخ باتريوت بـ4 ملايين دولار و"ثاد" بنحو 12.7 مليون دولار.

وصُممت هذه الأنظمة التقليدية الأميركية لمواجهة الصواريخ الباليستية، لكنها أُجبرت على إسقاط طائرات مسيّرة قيمتها بضعة آلاف من الدولارات.

ومنذ عام 2022 واجهت أوكرانيا موجات هجوم مماثلة مصدرها روسيا التي تستخدم أيضا مسيرات شاهد الإيرانية المطورة. وفي غياب مخزون صواريخ باهظة، طوّر الأوكرانيون طبقة دفاع جديدة تعتمد على مسيّرات اعتراضية منخفضة الكلفة. 

إلى جانب المعدات، بنت أوكرانيا شبكة طبقية من الدفاع الجوي: رادارات موزعة، وحدات ميدانية متنقلة، ومشغّلون مدربون على استخدام المسيّرات وأجهزة التشويش. 

مقال في مجلة “War on the Rocks”، الأميركية المتخصصة بالدفاع، يشير إلى أن تلك المنظومة تعمل كوحدة متكاملة تربط بين كشف الهدف والتوجيه والاشتباك، وتسمح بإطلاق المسيّرات الاعتراضية بسرعة من نقاط متعددة، وهو نموذج يجنّب الاعتماد المفرط على الصواريخ الباهظة.

ويوضح تقرير لمنصة “بريكنغ ديفنس” الأميركية أن أوكرانيا طورت طبقة دفاع رخيصة لتجنب معادلة غير مستدامة تتمثل في تدمير طائرة مسيّرة بقيمة 20 ألف دولار بصاروخ يكلّف ملايين.

وعن إمكانية تلبية الطلب الخليجي، تستطيع أوكرانيا إنتاج 2000 مسيّرة اعتراضية يومياً وتحتاج إلى ألف فقط للدفاع المحلي، ما يعني قدرتها على تصدير نحو 30 ألف وحدة شهرياً، وفق ما أعلن زيلينسكي في وقت سابق أمام البرلمان البريطاني.

وبدورها، تنتج شركات مثل “وايلد هورنتس” الأوكرانية المتخصصة بمجال الدفاع عشرات آلاف المسيّرات شهرياً، وتعمل على تطوير نماذج أسرع لملاحقة مسيرات شاهد.

وبدوره يؤكد تقرير لمؤسسة واشنطن أن أوكرانيا تمتلك “جيلاً كاملاً من المشغلين والمهندسين ذوي الخبرة العملية” في إسقاط المسيّرات، وهو أمر  يشمل دمج الرادارات والبرمجيات والتدريب السريع للوحدات، وهي خبرة تفتقد إليها جيوش الخليج. 

وأوضحت المؤسسة أن “لا بلد آخر يملك مثل هذا القدر من الخبرة البشرية والتصنيعية (للمسيرات)”. فيما يشير المجلس الأطلسي إلى أن أوكرانيا تمتلك طاقات هندسية مرنة وثقافة تطوير سريعة”.

عقيدة الدفاع إلى أين؟

ووفر الاعتماد التاريخي لدول الخليج على الأنظمة الغربية الثقيلة – باتريوت، ثاد، ورادارات الإنذار المبكر – حماية ضد الصواريخ الباليستية، لكنه أثبت قصوراً أمام موجات المسيّرات الرخيصة. 

مقالات تحليلية في موقعي ميدل إيست آي البريطاني و"منتدى الخليج الدولي" تشير إلى أن الهجمات الأخيرة كشفت حدود هذه الدفاعات عندما تُستنزف مخزونات الصواريخ خلال أيام، إذ يحذر الخبراء من أن الاستمرار بهذا النسق سيستهلك إنتاج عام كامل من الصواريخ الاعتراضية خلال أسابيع.

ويرى معهد الخليج العربي أن هذا النموذج سيجبر الخليج على إعادة النظر في حياده تجاه الحرب في أوكرانيا؛ لأن دعم كييف عسكرياً قد يدفع نحو تدهور علاقات تلك الدول مع روسيا أو التعرض لتهديدات إيرانية مستمرة.

في المقابل، يعتقد معهد واشنطن البحثي أن التعاون يمثل فرصة للولايات المتحدة لتقوية شبكة حلفائها في الشرق الأوسط وتحجيم نفوذ روسيا وإيران.

وخاصة أن زيلينسكي ومصادر حكومية أوضحت أن الاتفاقيات توفر هذه الأدوات مقابل الحصول على صواريخ باتريوت وغيرها ما يعزز فكرة أن الدافع الأولي هو سد فجوة تكتيكية لدى الجانبين في زمن الحرب.

ويرى المجلس الأطلسي في الاتفاقيات مؤشراً على توجه أعمق لتنويع مصادر التكنولوجيا العسكرية. مبينا أن السعودية والإمارات وقطر تسعى لتطوير قدرات دفاعية محلية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وبريطانيا. 

لكن رغم مزاياها، لا تستطيع المسيّرات الأوكرانية حل جميع مشاكل الدفاع، فهي مناسبة لاعتراض المسيّرات والذخائر الجوالة، ولا تغني عن الصواريخ طويلة المدى المطلوبة لاعتراض الصواريخ الباليستية أو الطائرات المقاتلة. 

ويؤكد المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية IISS أن منظومة الدفاع الأوكرانية يمكن أن تكون مكملة وليست بديلاً عن الصواريخ الاعتراضية بعيدة المدى.

في الأثناء، أوضح المجلس الأطلسي أن الشراكة مع أوكرانيا قد تفتح الباب لنقل المعرفة وإنتاج مشترك للمسيّرات والبرمجيات، ما يسهم في تعزيز الصناعة الدفاعية الخليجية.

لكنه يحذر من مخاطر تسريب التكنولوجيا الأوكرانية إلى روسيا أو الصين عبر شركات خليجية، “ما يتطلب إطاراً قانونياً وتنظيمياً دقيقاً”.

وينطلق الجانبان من الحاجة المشتركة إذ إن كييف بحاجة ماسة إلى صواريخ باتريوت لتحصين مدنها، فيما يحتاج الخليح للخبرة الأوكرانية والمسيرات الاعتراضية والأموال، وفق رويترز.

ويقول معهد واشنطن: “تملك أوكرانيا المسيرات بينما تقدم دول الخليج رأس المال وشبكات التسويق، ما يجعل الشراكة فرصة لتأسيس صناعات دفاعية مشتركة، خصوصاً في مجالات البرمجيات والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات”.