حرب أميركا وإيران.. ما تأثيرها على مستقبل جنوب القوقاز ومشروع "ممر زنغزور"؟

"أذربيجان تمثل هدفا مناسبا للاستفزازات"
أعلنت وزارة الخارجية الأذربيجانية أن الهجوم الذي وقع في الخامس من مارس/ آذار 2026، تضمن إطلاق مسيرتين على الأقل عبرتا من إيران إلى جمهورية نخجوان الذاتية الحكم التابعة لأذربيجان.
وأفادت الوزارة في بيان بأن "مسيرة سقطت فوق مبنى مطار نخجوان، بينما سقطت مسيرة أخرى قرب مبنى مدرسة في قرية شكر آباد"، مما ألحق أضرارا بمبنى المطار وتسبب بإصابة مدنيين.
وقالت الوزارة: إنها استدعت السفير الإيراني في باكو لإبلاغه "تنديدا شديدا بالهجوم الذي يتعارض مع أصول ومبادئ القانون الدولي ويسهم في تصاعد التوتر في المنطقة"، وأكدت أن "أذربيجان تحتفظ بالحق في اتخاذ تدابير رد مناسبة".
في غضون ذلك، أجرى وزير خارجية أذربيجان جيهون بايراموف اتصالا هاتفيا مع نظيره الأرمني أرارات ميرزويان، وأعرب الطرفان عن قلقهما وأكدا أهمية تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد، مشددين على ضرورة الحفاظ على الاستقرار والأمن.
أطلع بايراموف ميرزويان على الهجمات بالطائرات المسيرة التي استهدفت جمهورية نخجوان الذاتية الحكم التابعة لأذربيجان، والتي أسفرت عن أضرار في البنية التحتية المدنية وإصابة عدد من السكان.
وأكد الدبلوماسيان أهمية العمل من أجل تحقيق سلام دائم بين أرمينيا وأذربيجان، وتبادلا الآراء حول قضايا ذات اهتمام مشترك.
في هذا السياق، تناول موقع "إي إيه ديلي" الروسي مسألة ارتباط الهجوم بالطائرات المسيرة بخطة إنشاء ما يعرف بـ "ممر زنغزور"، موضحا فرص انخراط أذربيجان في العدوان الأميركي الإسرائيلي ضد إيران.

مزيج قاتل
ويعود تاريخ الإعلان عن "ممر زنغزور" إلى 8 أغسطس/ آب 2025، عندما وقع في واشنطن كل من الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، والرئيس الأميركي دونالد ترامب على إعلان ثلاثي مكون من 7 نقاط".
وقد أكد فيه الطرفان أولا على العمل من أجل التوصل إلى اتفاق سلام وإعادة فتح المواصلات الإقليمية، "ما جعله يمثل مصدر قلق كبير لإيران"، وفق الموقع.
ولفت إلى أن طهران تجاهلت ما يطلق عليه في باكو اسم "ممر زانغزور"، وما يسمى في يريفان بـ "مسار ترامب"؛ إذ لطالما فكر الإيرانيون بشكل واسع النطاق، دون الدخول في تفاصيل النزاع بين طرفين ينفذان حاليا إرادة الإدارة الأميركية.
وفي اليوم التالي مباشرة للإعلان السياسي في واشنطن، أعلن مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي أكبر ولايتي بوضوح أن إيران تعارض مشروع الطريق الذي يربط الجزء الرئيس من أذربيجان بإقليم نخجوان عبر جنوب أرمينيا من خلال ممر زنغزور.
وقال حينها: "هل جنوب القوقاز أرض بلا صاحب حتى يتمكن ترامب من استئجارها؟ القوقاز من أكثر المناطق حساسية في العالم، وهذا الممر لن يكون طريقا عابرا في ملكية ترامب، بل مقبرة لمرتزقته".
كما أكد ولايتي أن روسيا تعارض هذا الممر إستراتيجيا، لكن إيران ستدافع عن أمن جنوب القوقاز حتى من دونها.
"وعند النظر إلى الخريطة، يظهر أن هذا المزيج الجغرافي شديد التعقيد يشبه خليطا قاتلا على مستوى الأحداث التاريخية، ويمكن للطائرتين المسيرتين الإيرانية المزعومتين أن تصبحا بمثابة "الطلقة السابعة للفرديناند"، كما يقال، وهو ما يمثل ذريعة مباشرة لاشتعال الحرب"، وفقا للموقع.
وتشير عبارة "سبع رصاصات ضد فرديناند" إلى حادثة اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند عام 1914 في سراييفو، والتي كانت الشرارة المباشرة لاندلاع الحرب العالمية الأولى.
ويرى الموقع أن هناك إدراكا في المنطقة لهذا الوضع الحرج، وقال: "يبدو أن أحد الوزيرين الأذربيجاني أو الأرمني اللذين تحادثا هاتفيا، يعرف تماما من يقف وراء هذه المسرحية ولماذا جرى تنظيمها، ومن يملك فعليا تلك المسيرات".
وتابع: "الرئيس إلهام علييف، الذي يطلق حاليا تصريحات نارية، كان قد شبّه علاقات بلاده مع إسرائيل بـ (جبل جليدي)، في إشارة إلى أن معظم الروابط غير معلنة، فالدولتان ترتبطان بعلاقات وثيقة في مجالي السلاح والنفط".

نقطة جذب
من جانبه، يرى الباحث البارز في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية نيكولاي سيلاييف أن "الولايات المتحدة وإسرائيل، تسعيان إلى توسيع التحالف ضد إيران، وأن أذربيجان تمثل في هذا السياق هدفا مناسبا للاستفزازات".
وقال: "في الأشهر والسنوات الأخيرة، تصف أذربيجان نفسها بأنها دولة تزداد نفوذا دوليا بسرعة ولا تغفر أي إساءة".
وأردف: "هذا الكبرياء الوطني المتضخم يمثل نقطة جذب يمكن من خلاله استدراج أذربيجان بسهولة".
مضيفا: "ترى وسائل الإعلام الأذربيجانية أن باكو قائدة الإقليم وأنها شكلت نظاما أمنيا جديدا في المنطقة، وكأنها قد هزمت الجميع: الأرمن وروسيا وإيران، لذلك تضطر أذربيجان الآن إلى إصدار تصريحات ربما تكون أكثر حدة مما تقتضيه الحالة، للحفاظ على صورة نفسها في مخيلتها".
وفي رده على الهجوم، أعلن وزير الخارجية الأذربيجاني جيهون بايراموف أن باكو ستقوم بإخلاء السفارة في طهران والقنصلية العامة في تبريز، بناء على قرار الرئيس علييف بسحب كامل الطاقم الدبلوماسي من إيران.
كما صدرت تعليمات مرتبطة بهجمات الطائرات المسيرة، وجرى رفع مستوى جاهزية القوات المسلحة، كما تم وضع آلية لتوعية الجمهور وتثقيفه بشأن التهديد النووي.
ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن "أذربيجان لم تسمح حتى الآن إمكانية استخدام أراضيها أو مجالها الجوي لتنفيذ ضربات ضد إيران".
في الوقت ذاته، يعتقد أنه "في حالة وجود تهديد من طهران ستستعين بكل الموارد المتاحة، بما في ذلك الشراكة مع دول ثالثة".
وبحسب تحليله، فإن "هذا يعني أن الرئيس علييف لا يخطط لقطع العلاقات مع إيران بشكل نهائي، فيما خفت أصوات المحللين السياسيين بعد أن شاهدوا إيران تستهدف القواعد الأميركية بشكل مكثف، مما أجبر (أقوى جيش في العالم) على إجلاء قواته وموظفي سفاراته".
واستطرد: "لم تتحقق (النزهة السهلة) للقوات الخاصة الأميركية، والتوابيت المزينة بالعلم الأميركي بدأت تعود عبر المحيط".
بناء عليه، خلص التقرير الروسي إلى "استنتاج مؤقت مفاده أنه تحت أي ظرف من الظروف، لن تسمح طهران بتمرير (ممر ترامب) على حدودها مع أرمينيا، حتى لو تغيرت الحكومات والقيادات في إيران، وقد فهم علييف هذا جيدا".

حسابات أذربيجان
وبحسب رأيه، فإن هناك دوافع تدفع باكو نحو الانخراط في المواجهة، وأخرى قوية تدفعها للابتعاد.
وأوضح هذه الدوافع: "فمن جهة هناك التعاون العسكري التقني الطويل مع إسرائيل، ورغبة علييف في تعزيز علاقاته مع إدارة ترامب. ومن جهة أخرى هناك رفض من النخبة الأذربيجانية الدخول في تحالفات متعددة الأطراف تخدم مصالح الآخرين".
ويرى التقرير أن "ذلك يفسر تقديم علييف التعازي في مقتل المرشد السابق علي خامنئي شخصيا، رغم أنه كان خصما شديدا للولايات المتحدة وإسرائيل".
فضلا عن ذلك، " لدى باكو اهتمام بمشروع (طريق الشمال - الجنوب)، بينما (ممر ترامب) ما زال غير مؤكد".
وخلص قائلا: "في السنوات الأخيرة، أظهرت أذربيجان للجميع أنها لا تتراجع بسهولة، ورغم أن هناك إغراء بإزاحة إيران كعامل توازن لصالح أرمينيا، لكن هناك أيضا خطر الانزلاق في صراعات وأزمات لاجئين ودخول المنطقة في حالة عدم الاستقرار".
أما فكرة (أذربيجان الكبرى) بصيغة (تبريز لنا) فيرى التقرير أنها "غير واقعية ، نظرا للفروق السكانية والهوية بين سكان أذربيجان والأذربيجانيين في إيران، وغياب حركة انفصالية قوية".
ويشير مصطلح "أذربيجان الكبرى" لتيار قومي أذربيجاني يطمح لتوحيد محافظات أذربيجان الإيرانية (الشرقية، الغربية، أردبيل، زنجان) مع جمهورية أذربيجان الحالية، متخذا من تبريز التاريخية مركزا وثقلا ثقافيا وسياسيا.
وبناء على الأحداث الحالية، استخلص الموقع ثلاث نقاط رئيسة: "أولا، أولئك الذين أطلقوا الشرارات الآن يحصدون العاصفة؛ حيث تحولت طموحات الهيمنة العالمية إلى أزمة كبرى، وامتد التصعيد خارج حدود إيران، إذ يشكل القوقاز منطقة حيوية متصلة بالشرق الأوسط، مع حدود إجمالية تقارب 800 كيلومتر بين إيران وأذربيجان وأرمينيا".
ثانيا: "هناك مخاطر (البجعات السوداء)، أي الأحداث غير المتوقعة التي قد تقلب الحسابات، ولا يمكن الاعتماد على النماذج القديمة".
وأخيرا، يؤكد التقرير على أنه "لا غنى عن الضمير المهني لدى الخبراء، بل هو الآن يخضع لاختبار واسع. لذلك فإن التحليل الدقيق والرصين أفضل بكثير من الإثارة الإعلامية".
















