جيل مهدد بالضياع.. كيف أطاحت الحرب بمنظومة التعليم في السودان؟

تحولت كثير من المدارس والمؤسسات التعليمية إلى ثكنات للجنود
تواجه منظومة التعليم في السودان انهيارًا غير مسبوق منذ اندلاع الحرب، مع خروج ملايين الأطفال من المدارس وتعطل العملية التعليمية والامتحانات في مساحات واسعة من البلاد، في مشهد يهدد بضياع جيل كامل.
ويقدّر مقرر لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، في 22 مارس/آذار 2026، أن نحو 11 مليون طالب وطالبة لم يتمكنوا من استئناف تعليمهم حتى الآن، من أصل قرابة 14 مليونًا كانوا ضمن النظام التعليمي قبل الحرب.
وتتقاطع هذه الأرقام مع تقديرات منظمات دولية؛ إذ تشير اليونيسف إلى أن ملايين الأطفال السودانيين فقدوا مئات الأيام الدراسية، في واحدة من أسوأ أزمات التعليم على مستوى العالم.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على إغلاق المدارس، بل تمتد إلى تعطل تسجيل الطلاب، وانهيار نظام الامتحانات، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى مراكز إيواء للنازحين، ما يعمّق من تعقيد المشهد ويضع مستقبل جيل كامل على المحك في ظل غياب حلول شاملة.
وسبق أن حذّرت اليونيسف، في وثيقة النداء الإنساني لعام 2025، من أن نحو 17 مليون طفل من أصل 19 مليونًا في سن الدراسة كانوا خارج المدرسة خلال معظم العام الدراسي 2024/2025. مشيرة إلى أن 8.4 ملايين منهم حُرموا من التعليم مباشرة بسبب النزاع.
كما أكدت أن قرابة 11 مليون طفل فقدوا بيئات التعلم الآمنة نتيجة تدمير المدارس أو استخدامها لأغراض غير تعليمية، إلى جانب النزوح وتعطل الخدمات الأساسية.
من جانبها، قدّرت اليونسكو عدد الأطفال خارج المدرسة بنحو 19 مليونًا، مشيرة إلى أن أكثر من 10,400 مدرسة أغلقت أبوابها أو تعطلت بفعل الحرب.
وبين هذه الأرقام التي قد تبدو متباينة ظاهريًا لكنها متقاربة في دلالاتها، تتكشف حقيقة واحدة: السودان لا يواجه مجرد تعثر دراسي، بل انهيارًا واسعًا لمنظومة التعليم، وانكشافًا خطيرًا لدولة لم تعد قادرة على حماية أحد أبسط حقوق أطفالها.

500 يوم من الانقطاع
تعكس إفادات المعلمين في السودان صورة لا تقل قتامة عن أرقام المنظمات الدولية، خصوصًا فيما يتعلق بانهيار منظومة الامتحانات.
فبحسب مقرر لجنة المعلمين السودانيين سامي الباقر، جلس نحو 570 ألف طالب وطالبة لامتحانات الشهادة السودانية في العام السابق للحرب (2023)، قبل أن يتراجع العدد إلى قرابة 200 ألف فقط، ما يعني حرمان نحو 370 ألف طالب من أداء الامتحانات خلال عام واحد فحسب.
وفي إقليم دارفور، تتضاعف المأساة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 150 ألفًا و200 ألف طالب، غالبيتهم من الفتيات، حُرموا من الجلوس لامتحان الشهادة الثانوية لثلاث سنوات متتالية، فيما يُقدّر عدد المحرومين في مناطق العمليات بولاية غرب كردفان وأجزاء من شمال وجنوب كردفان والنيل الأزرق بنحو 80 ألف طالب إضافي.
هذا الانهيار في منظومة الامتحانات يتقاطع مع تحذيرات أنقذوا الأطفال التي أعلنت في 22 يناير/كانون الثاني 2026 أن ملايين الأطفال في السودان فقدوا ما يقارب 500 يوم من التعلم منذ اندلاع الحرب، في واحدة من أطول موجات إغلاق المدارس عالميًا.
وأشارت المنظمة إلى أن أكثر من 8 ملايين طفل—أي نحو نصف الأطفال في سن الدراسة—لم يعودوا يرتادون المدارس، فيما ذهبت مديرتها التنفيذية إنجر آشينغ إلى تحميل المجتمع الدولي مسؤولية "تقصير واضح" بحق أطفال السودان. مؤكدة أن عدد الأيام الدراسية المفقودة يفوق ما خسره كثير من أطفال العالم خلال جائحة كورونا.
واستنادًا إلى بيانات مجموعة التعليم العالمية، أوضحت أنقذوا الأطفال أن أكثر من ثلاثة أرباع الأطفال في سن الدراسة كانوا خارج المدرسة مع بداية العام الأكاديمي، فيما بقيت نحو 55% من المدارس مغلقة، واستخدم نحو مبنى مدرسي واحد من كل عشرة كمراكز إيواء للنازحين.
ولا تعكس هذه المؤشرات مجرد فقدان عام دراسي أو تأجيل امتحانات، بل تكشف تحوّل المدرسة نفسها من فضاء تعليمي جامع إلى بنية مهددة أو مغلقة، أو منشغلة بوظائف البقاء الأساسية.
وفي بلد كان يعاني أصلًا من هشاشة تعليمية قبل الحرب، فإن هذا الانقطاع الممتد لا يمثل أزمة قطاعية فحسب، بل مسارًا متسارعًا نحو إنتاج جيل أقل تعليمًا، وأكثر هشاشة، وأشد عرضة للفقر والاستغلال والتجنيد والتفكك الاجتماعي.

مدارس تحولت لثكنات
لكن أحد أكثر أوجه المأساة في السودان قسوة أن الحرب لم تكتف بحرمان الأطفال من التعليم عبر الإغلاق والخوف، بل مضت أبعد من ذلك، حين حوّلت المدارس نفسها إلى فضاءات عسكرية، في مشهد يجسّد انهيارًا حادًا في بنية الدولة الاجتماعية.
فبحسب تقرير الشراكة العالمية من أجل التعليم الصادر في 8 فبراير/شباط 2026، تحولت أعداد كبيرة من المدارس والمؤسسات التعليمية إلى ثكنات للجنود وقواعد للاستخدام الحربي، فيما بقي أكثر من نصف المدارس مغلقًا، واستُخدم عدد واسع منها أيضًا كمراكز إيواء للأسر النازحة.
وأشار التقرير إلى أن التعليم في السودان "يتعرض لهجوم"، مع بقاء ملايين الأطفال خارج المدرسة رغم إعادة فتح بعض المؤسسات بشكل جزئي.
وفي صورة ميدانية تعكس عمق الأزمة، وثّقت المنظمة مدرسة ابتدائية تستقبل نهارًا نحو 1200 طالب، بينهم 400 طفل نازح من الفاشر وطويلة، قبل أن تتحول الفصول نفسها ليلًا إلى مأوى مكتظ بالعائلات الفارّة من الحرب.
هذه المفارقة القاسية تختصر المشهد: طفل يأتي صباحًا ليتعلم، ثم يعود مساء ليجد مدرسته ملجأً للنازحين، أو مغلقة بالكامل لأن من لجؤوا إليها لم يعد لديهم سقف آخر.
وفي شمال دارفور، حيث يتركز القتال الأعنف، لم يبقَ مفتوحًا سوى 3% فقط من المدارس، في مؤشر صادم على حجم الانهيار.
وفي السياق ذاته، تؤكد اليونسكو أن آلاف المدارس أُغلقت أو تعطلت، بينما تشير تقارير حقوقية إلى أن استخدام المدارس لأغراض عسكرية أو مدنية مرتبطة بالنزاع يفقدها صفتها الآمنة، ويجعلها أهدافًا محتملة للهجمات، ما يدفع كثيرًا من الأسر إلى إبقاء أطفالها بعيدًا عنها.
وبذلك، لم تعد أزمة التعليم في السودان مرتبطة فقط بتعطل المناهج أو نقص المعلمين أو اضطراب التسجيل، بل تجاوزت ذلك إلى انهيار "المكان" ذاته—المدرسة بوصفها فضاءً آمنًا ومحصنًا.
ولهذا، بدا الاحتجاج الذي شهده شرق السودان، وتحديدًا في بورتسودان مطلع يناير/كانون الثاني 2026، من نازحين يقيمون داخل المدارس ويرفضون قرارات إخلائها، تعبيرًا صارخًا عن مأزق مزدوج: دولة تسعى لاستئناف التعليم، لكنها تفتقر إلى بدائل إنسانية لآلاف الأسر التي لم تجد سوى الفصول مأوى.
وبين هاتين الحاجتين، تتجلى صورة الحرب بأوضح معانيها؛ حين تتصادم الحقوق الأساسية نفسها، فيتحول التعليم إلى ضحية للنزوح، ويغدو النزوح سببًا جديدًا لتعطيل التعليم.

امتحانات الشهادة
لهذا لم يكن غريبًا أن تتحول قضية امتحانات الشهادة السودانية إلى قضية وطنية تتجاوز بعدها الأكاديمي البحت. فامتحان الشهادة ليس مجرد استحقاق تعليمي، بل يمثل أحد الرموز الأخيرة لفكرة الدولة الموحدة، وتعثره بهذا الشكل يعكس الانقسام المؤسسي والجغرافي العميق الذي أحدثته الحرب.
وفي اجتماع عقد في 23 فبراير/شباط 2026، شارك فيه أكاديميون ومهنيون وقادة مجتمع مدني إلى جانب لجنة المعلمين السودانيين وآباء وأمهات وطلاب من ولايات مختلفة، تم إطلاق "المبادرة الوطنية لضمان حق طلاب السودان في الجلوس لامتحان الشهادة السودانية".
ودعت المبادرة إلى تشكيل لجنة طوارئ قومية تعمل من مدخل إنساني حقوقي بعيد عن الاستقطاب السياسي، والمطالبة بتأجيل الامتحانات لمدة شهر أو شهرين لتمكين معالجة العقبات وضمان قدرة نحو 200 ألف طالب على أداء الامتحان هذا العام.
كما رفعت المبادرة خطابًا عاجلًا إلى اليونيسف، مع نسخة إلى منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، طالبت فيه بتيسير حوار إنساني محايد بين جميع الأطراف.
وشملت المقترحات بحث إمكانية الإشراف الدولي الفني واللوجستي على الامتحانات، ودعم آليات حصر وتسجيل الطلاب المتضررين عبر قنوات آمنة ومرنة، وتأمين ممرات تعليمية أو بدائل خاصة في المناطق عالية الخطورة.
وتنسجم هذه المقترحات مع ما تؤكد عليه المنظمات الدولية حول الطبيعة المنقذة للحياة للتعليم في أوقات النزاع. فصندوق "التعليم لا ينتظر" شدد في تحديثه العالمي لعام 2025 على أن التعليم في البيئات الهشة ليس رفاهًا، بل حماية نفسية واجتماعية واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.
وفي السودان تحديدًا، أشار الصندوق في أبريل/نيسان 2025 إلى أن النظام التعليمي بات في حالة تمزق، مع نزوح نحو 3.1 ملايين طفل داخليًا، وهجرة 1.2 مليون آخرين عبر الحدود.
وفي تقريرها لعام 2025، قالت اليونيسف: إنها تمكنت من تقديم التعليم والحماية والدعم النفسي والاجتماعي لـ3.5 ملايين طفل، بما في ذلك دعم إعادة فتح المدارس وإنشاء مساحات تعلم آمنة، إلا أن هذه الاستجابة تبقى أقل بكثير من حجم الانهيار.
وحين يصبح الملايين خارج المدرسة، لا تعد المسألة مجرد خدمة يمكن توسيعها تدريجيًا، بل تتحول إلى معركة على منع الانقطاع من أن يصبح وضعًا دائمًا، وعلى ضمان ألا تتحول الشهادة السودانية نفسها إلى امتياز جغرافي يحدده خريطة الحرب، بدل أن تحدده خريطة الوطن.

جيل على المحك
وقال الناشط السياسي السوداني خالد يوسف الركبي في حديثه لـ"الاستقلال": إن السودان يواجه اليوم خطر نشوء جيل ضائع بالكامل، بعد أن انقطع ملايين الأطفال عن التعليم لسنوات نتيجة الحرب.
وأشار الركبي إلى أن الخسارة لا تقتصر على الجانب الأكاديمي، بل تمتد إلى فقدان البيئة الاجتماعية والنفسية التي توفرها المدارس، وهي عناصر أساسية في تشكيل وعي الأجيال واستقرار المجتمعات.
وأوضح أن تجارب الدول التي شهدت نزاعات طويلة، مثل نيجيريا ورواندا وكينيا، تؤكد أن إعادة دمج الأطفال المنقطعين عن التعليم عملية معقدة ومكلفة، قد تستغرق سنوات طويلة، ما ينذر بتداعيات ممتدة تتجاوز حدود السودان.
وأضاف أن ارتفاع معدلات التسرب المدرسي يرتبط بشكل مباشر بزيادة عمالة الأطفال، والهجرة غير النظامية، والتجنيد في النزاعات المسلحة، وهي عوامل تهدد بإعادة إنتاج عدم الاستقرار الإقليمي لسنوات قادمة.
وأشار الركبي إلى مفارقة حادة: بينما تتجه دول العالم نحو تطوير أنظمتها التعليمية لمواكبة اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، يجد ملايين الأطفال السودانيين أنفسهم خارج المدارس، مهددين بالأمية والانقطاع الكامل عن التعليم.
ولفت إلى أن الحديث عن الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية عالميًا يقابله واقع محلي قاسٍ، يتمثل في حرمان الأطفال من أبسط مقومات التعليم الأساسي.
وأكد أن المسؤولية عن هذه الأزمة تقع على عاتق الأطراف كافة، داخليًا وخارجيًا، مشددًا على ضرورة أن تعترف الأطراف المتحاربة بأن التعليم يجب أن يبقى خارج دائرة الصراع، باعتباره حقًا إنسانيًا غير قابل للتفاوض.
ودعا الركبي المجتمع الدولي إلى الانتقال من مرحلة البيانات والتحذيرات إلى اتخاذ خطوات عملية تضمن استمرار العملية التعليمية، ولو في حدها الأدنى.
وأضاف أن السودان دخل عام 2026 مرحلة مفصلية في تاريخ نظامه التعليمي؛ حيث لم يعد البحث عن حلول بديلة، مثل التعليم عن بعد أو النماذج التعليمية المرنة، خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة ملحة لإنقاذ جيل كامل مهدد بفقدان مستقبله، وحماية ما تبقى من رأس المال البشري والاقتصادي للبلاد.
وختم الركبي تصريحه بالتأكيد على أن أزمة التعليم في السودان لا يمكن اختزالها في أرقام، مهما كانت صادمة؛ لأن كل رقم يمثل طفلًا فقد حقه في التعلم، وأسرة فقدت أملها في المستقبل، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل عاجل وفعال سيحول الأزمة من تداعيات حرب إلى إرث طويل الأمد يعيد تشكيل السودان لعقود قادمة.
المصادر
- 11 مليون طالب سوداني خارج مدارسهم
- حق التعليم في زمن الحرب في السودان
- التعليم في السودان.. كيف ضيعته الحرب؟ جميع الحقوق محفوظة لصحيفة مداميك، لقراءة المزيد قم بزيارة... https://www.medameek.com/?p=178219 .
- UNICEF Sudan Humanitarian Situation Report 2025
- More than three quarters of Sudan’s children out of school as new academic year begins
- Children dying because of hunger as famine risks detected in two new locations in Sudan

















