85 بالمئة بطالة بعد العدوان الإسرائيلي.. كيف يصمد أهالي غزة بلا دخل ثابت؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

على الرغم من انتهاء العدوان الإسرائيلي ظاهريا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، يبدو قطاع غزة كحقل اختبار لاقتصاد يعيش تحت هدنة هشّة لا توفر الأمن ولا لقمة العيش.

فقد تسبب العدوان الذي استمر سنتين كاملتين بانهيار النشاط الاقتصادي في القطاع وانكماش الناتج المحلي بنسبة 83 بالمئة وتدمير أكثر من 70 بالمئة من البنية التحتية والقطاع الخاص.

وبينما تحسّنت وفرة السلع نسبيًا مع الهدنة، فإن الأسعار ظلت أعلى من مستويات ما قبل أكتوبر 2023؛ إذ رصدت تقارير أممية زيادات وصلت إلى 200 بالمئة في العديد من السلع.

النجاة بلا دخل

تجاوز معدل البطالة في غزة 80 بالمئة منذ يناير/كانون الثاني 2026 وحتى اليوم، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، وهو مستوى كارثي يُفقد الأسر ما تبقى لها من وظائف نظامية.

فيما قدّرت وزارة العمل في الضفة الغربية وصول نسبة البطالة إلى 85 بالمئة بعد أن دمرت الحرب أو عطّلت أكثر من 390 ألف وظيفة وتسببت في تدمير 37 ألف منشأة اقتصادية.

وفقد معظم العمال مصادر رزقهم في المصانع والورش والزراعة والخدمات، فيما يتقاضى الموظفون الحكوميون رواتب متقطّعة وغير منتظمة.

لذلك اتجهت نسبة كبيرة من سكان القطاع الذين يصل عددهم إلى 2.4 مليون نسمة إلى العمل اليومي أو البطالة المقنّعة، بما في ذلك تنظيف الأنقاض وبيع أشياء مستعملة في الأسواق أو العمل لساعات معدودة مقابل أجر زهيد.

مع هذا الوضع المأزوم غدت المساعدات النقدية والعينية شريان الحياة الأساسي، إذ توفر برامج المساعدات متعددة الأغراض حوالي 1250 شيكل (378 دولارًا) لكل أسرة عبر الدفع الرقمي (لمرة واحدة على الأغلب).

ويقدم هذه المساعدات شركاء مجموعة العمل النقدي في غزة “Cash Working Group – CWG” ضمن الاستجابة الإنسانية، وهي آلية تنسيق إنسانية متعددة القطاعات تعمل في الأراضي الفلسطينية.

ورغم انتشارها، فإن هذه المبالغ تُستهلك سريعًا، ويُخصّص جزء منها لرسوم السحب النقدي التي تتراوح بين 12 و14 بالمئة.

في الأثناء، تعتمد كثير من الأسر أيضًا على الديون من الأقارب والجيران أو تبيع جزءًا من المساعدات العينية لشراء سلع أخرى غير متوفرة ضمن السلات الغذائية.

وتلجأ الكثير من العائلات إلى التكايا الخيرية لتأمين وجبات ساخنة بعد إغلاق 170 مطبخًا جماعيًا كانت تقدّم 400 ألف إلى 500 ألف وجبة مجانية يوميًا، وذلك بفعل عدم توفر المنتجات بالكميات المطلوبة والدعم المالي أو كلاهما.

يقول محمد الفرا (43 عاما) وهو رب أسرة مكوّنة من 4 أفراد إنه يعتمد على التكايا الخيرية لتوفير الطعام والشراب، مبينا أن مصاريف الأمور الأخرى مثل مياه الشرب والتنقل وغيرها تكون من خلال الديوان.

ويوضح لـ"الاستقلال"، أنه عندما تنفد النقود يستدين من شقيقه أو يبيع جزءًا من أكياس الطحين التي يحصل عليها، مضيفا أنه يعمل أحيانًا في تنظيف الأنقاض أو في حمل بضائع مقابل 30 شيكلا في اليوم، لكن هذه الأعمال لا تتوافر دائمًا  (الدولار يساوي 310 شواكل).

معيشة مرتفعة

وتحتاج الأسرة الغزية اليوم إلى أكثر من مجرد غذاء، فرغم أن الأسواق تشهد بعض الاستقرار في توافر السلع، فإن مؤشر أسعار المستهلك في فبراير/شباط بلغ 146 بالمئة من مستوى ما قبل أكتوبر 2023، وهو ما يعني أن الأسعار بقيت مرتفعة في ظل دخل شبه معدوم.

وتشير التقديرات المحلية إلى أن الأسرة في غزة تحتاج إلى أكثر من 2000 شيكل شهريًّا على الأقل، بينما لا تغطي المساعدة النقدية سوى جزء صغير من هذه الاحتياجات.

وازداد الطين بلة مع بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي اتخذتها تل أبيب ذريعة لإغلاق المعابر وتقليص إدخال المنتجات، ما رفع سعرها بشكل كبير.

وتظهر بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" لعام 2026 أن الغذاء يستحوذ على نحو 40 بالمئة من إنفاق أهالي قطاع غزة، يليه الطاقة والغاز والمواد الصحية والأدوية والمواصلات والملابس.

ويتعين على الأسرة شراء الخضار والفواكه والخبز بأسعار مرتفعة بسبب منع الاحتلال الإسرائيلي دخولها بوفرة، مع محدودية الوجبات إلى اثنتين في اليوم كما تشير تقارير أممية.

ويعد الماء كذلك سلعة نادرة، إذ أوضح تقرير أممي في مارس/آذار 2026 أن سكان مدينة غزة يحصلون على أقل من ستة لترات للفرد يوميًّا بسبب أضرار في خطي مياه "مكوروت" و"الصفا" بفعل القصف والقطع الإسرائيلي والنقص الحاد في الوقود.

وهو ما يفرض على الأسر شراء مياه شرب من الشاحنات بسعر مرتفع أو جمع مياه الأمطار. وبدوره، لا يغطي الغاز المنزلي المتوفر إلا 20 بالمئة من احتياجات السكان، ما يضطر كثيرون لحرق النفايات أو الحطب للتدفئة والطهي.

كما أن الرعاية الصحية تكلف المزيد، فالأدوية غير متوفرة في المراكز الحكومية، ويلجأ المرضى إلى الصيدليات بأسعار باهظة.

وتتأثر جميع الأعمال بسبب غياب الكهرباء، حيث دمرت الحرب أكثر من 80 بالمئة من شبكة التوزيع، ولم يتلق قطاع غزة أي كهرباء منذ عامين. ويعتمد ما تبقى من الطاقة على مولدات تعمل بالديزل أو ألواح شمسية محدودة، تستهلك الوقود القليل المتاح.

وتشمل النفقات الأخرى رسوم السحب النقدي، وقسط إيجار أو نفقات مأوى مؤقت، وشراء الملابس أو البطانيات في الشتاء، وغيرها.

يقول محمود المناعمة (39 عاما) وهو رب أسرة لطفلين فقد عمله في مطبعة بعد استهدافها، إن معظم دخله اليومي يأتي من أعمال مؤقتة، وتستحوذ المواد الغذائية على نصف ما ينفقه.

يشير لـ"الاستقلال" إلى أن كيلوغرام الطماطم وصل إلى 30 شيكلا والبطاطا بـ17 شيكلا، أما الفواكه فتتراوح بين 30 - 35 شيكلا، موضحا أنه يشتري الماء المعبأ بمبلغ مرتفع لأنه لا يملك مياها صالحة للشرب. 

هدنة بلا تعافٍ

ورغم أن الهدنة قللت من القصف الإسرائيلي في بعض الأوقات، فلم يشهد الاقتصاد تعافيًا حقيقيًا بسبب العراقيل التي يضعها الاحتلال أمام أي انتعاش اقتصادي.

فقد استمرت القيود على المعابر والتجارة ما أدى إلى تقلب دخول السلع، خصوصًا غير الغذائية وارتفاع الأسعار إلى مستويات تقارب فترة الحرب.

وعقب إغلاق المعابر في 28 فبراير 2026، ارتفعت الأسعار بشكل حاد واضطرت المنظمات الإنسانية إلى تقنين الوقود، ما أدى إلى تقليص جمع النفايات وإنتاج الماء وتوزيعه.

وحتى بعد إعادة فتح معبر كرم أبو سالم (تجاري) جنوب القطاع، ظل التدفق التجاري الذي يمكن أن ينعش القطاع المحاصر محدودًا بسبب عمليات التفتيش والرفض.

إذ يواصل الاحتلال منع شحنات المواد الصناعية وقطع الغيار الضرورية لإعادة تشغيل المصانع ويصنفها ضمن إطار "مزدوجة الاستخدام"، خوفا من استخدامها في التصنيع العسكري.

وبدوره، يعاني القطاع الخاص من انهيار شبه تام، فوفقًا لوزارة العمل الفلسطينية، دمّر القصف الإسرائيلي 37 ألف منشأة كليا أو جزئيا، ما أدى إلى شلل الصناعات التحويلية والحرفية وتوقف معظم الورش والمزارع والصيد والخدمات.

وفيما يخص المصانع الكبيرة فقد دُمّرت أو تفتقر إلى الكهرباء والمعدات، فيما تقتصر المشاريع المنزلية على منتجات صغيرة تُباع داخل مخيمات النزوح.

وحرم هذا الانهيار الآلاف من فرص العمل وقلّص الإمدادات المحلية، وزاد الاعتماد على المواد المستوردة والمساعدات. في الأثناء، تواجه محاولات إعادة تشغيل المشاريع الصغيرة أو المتوسطة صعوبات في الحصول على رأس المال والمواد الخام.

ويقدّر تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" أن إعادة إعمار غزة ستحتاج إلى أكثر من 70 مليار دولار وإلى عقود زمنية لاستعادة مستوى 2022.

كما أن التوقعات الاقتصادية لعام 2026 لا تحمل الكثير من الأمل، إذ توقع البنك المركزي الفلسطيني نهاية 2025 استمرار القيود على الحركة والسلع، وأكد أن النشاط الاقتصادي سيبقى محصورًا في نطاق ضيق مرتبط بالمساعدات الإنسانية

ويترافق الانهيار الاقتصادي مع استمرار الانتهاكات العسكرية، إذ لا تزال إسرائيل تقصف قطاع غزة يوميا حتى أثناء التهدئة، ما يبقي أي محاولة للانتعاش بعيدة الآمال.

ويقول المناعمة: "الدمار المادي وانعدام الدخل يجعل الهدنة الراهنة مجرد وقف جزئي للنار لا يترجم إلى تعاف معيشي ما يبقي الناس على حافة النجاة دون أي تحسن اقتصادي".

وأردف: "ما لم يتوفر وقف إطلاق نار دائم وفتح كامل للمعابر وإعادة إعمار شاملة، سيظل سكان غزة يعيشون على حافة البقاء الاقتصادي يبحثون يوميًا عن طرق للبقاء، بلا دخل ثابت ولا رؤية قريبة للتحسن".