إلى أي مدى ستغير أعمال التنقيب في حقل "قانا" المشهد الاقتصادي بلبنان؟

قسم الترجمة | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

سلط موقع "ذا ميديا لاين" الأميركي الضوء على تقدم لبنان في أعمال التنقيب عن النفط والغاز في نطاق حدوده البحرية، مستفيدا من التسوية التي أبرمها أخيرا مع الكيان الإسرائيلي.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2022، وقع لبنان وإسرائيل اتفاقا لترسيم الحدود البحرية، بعد مفاوضات مباشرة استمرّت نحو عامين بوساطة أميركية، إثر نزاع على منطقة بالبحر المتوسط تبلغ مساحتها 860 كم مربعا.

وبناء على الاتفاق، أعلن وزير الطاقة والمياه اللبناني وليد فياض، منتصف فبراير/ شباط 2023، اختتام عملية المسح في البلوك رقم 9 بحقل "قانا" وبدء أعمال الحفر صيف 2023، مؤكدا أن المعلومات تظهر أن الحقل "واعد جدا".

وعلى الرغم من أن قطاع الطاقة قد يبدو ذا إيرادات عالية، غير أن الخبراء ينوهون إلى أن الأمر سيستغرق وقتا طويلا قبل أن يدر هذا التنقيب أرباحا تساهم بصورة ملموسة في تحسين الاقتصاد اللبناني المتعثر.

طريق طويل

ووفقا لتقرير صادر عن البنك الدولي عام 2022، فإن لبنان يمر بواحدة من أخطر ثلاث أزمات اقتصادية في تاريخ العالم الحديث.

حيث فقدت الليرة أكثر من 95 بالمئة من قيمتها منذ عام 2019، وهناك ما يقرب من ثلث سكانها عاطلون عن العمل، فضلا عن أن حوالي 80 بالمئة من سكانها يعيشون تحت خط الفقر، وفقا لبيانات الأمم المتحدة.

ويعاني لبنان من العديد من المشكلات الأخرى، منها نقص وسائل إنتاج الكهرباء، حيث لا تصل الكهرباء لبيوت اللبنانيين سوى بضع ساعات في اليوم.

وفي حين أن التنقيب عن الغاز الطبيعي يمكن أن يوفر بصيص أمل للبلد الغارق اقتصاديا، فلا يزال هناك طريق طويل لتقطعه البلاد للاستفادة من هذا الغاز، حسب "ذا ميديا لاين".

وتحدث مدير المنتدى الاقتصادي العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مارون كيروز، للموقع الأميركي مؤكدا أن "عملية إيصال الغاز إلى السوق يمكن أن تستغرق أكثر من خمس سنوات من لحظة بدء الاكتشاف".

هذا "بافتراض أن عملية التنقيب ستجري بفاعلية، وهو أمر ليس مضمونا بحال، بالنظر إلى فراغ الحكم في لبنان في الوقت الراهن"، يضيف كيروز.

وأردف كيروز أنه "سيكون على لبنان الانتظار لفترة قبل أن يبدأ في جني ثمار التنقيب عن موارده الهيدروكربونية المحتملة".

مشددا على أنه "لا ينبغي انتظار أن تكون عائدات الغاز هي العصا السحرية التي ستنقذ البلاد، أو وصفها بأنها بديل للإصلاحات السياسية التي طال انتظارها، إذ إن هناك دولا أخرى ولدت عائدات كبيرة من مصادر النفط والغاز لكنها فشلت في تطوير اقتصاداتها.

وتابع أن "بعض الخبراء قدّروا عائدات لبنان من الغاز سنويا بحوالي 1-2 مليار دولار، فيما تجاوز الدين الجاري للبلاد 3 مليارات دولار عام 2021".

وعلق بالقول: إن "هذه الأرقام توضح حقيقة أن عائدات الغاز يمكن أن تكون عاملا مساعدا في سداد الديون، لكنها على الأرجح لن تكون كافية في حد ذاتها لتغيير المشهد الاقتصادي في لبنان".

وأكد كيروز أن الأمر سيستغرق عدة سنوات للوصول إلى هذا الرقم (1-2 مليار دولار)، الذي من المتوقع أن يكون ذروة إنتاج الطاقة بالنسبة للبنان.

وبتلك الشاكلة، يعتقد أن الاستخدام الواعد للغاز في السنوات القليلة الأولى سيكون موجها للسوق الداخلية، وتحديدا في توليد الكهرباء، التي هي إحدى الاحتياجات الماسة للمواطنين.

احتمالات التصدير

من جانبه، يرى المدير التنفيذي لجمعية استدامة البترول والطاقة في بيروت، مروان عبدالله، أن "طريق لبنان لأن يصبح دولة مصدّرة للنفط والغاز لا يزال طويلا".

ففيما يتعلق بتصدير الطاقة، فإن لبنان في وضع معقد بالنظر إلى الجارتين، سوريا وإسرائيل، حسب التقرير.

فمن ناحية، هناك "إسرائيل" في الجنوب، لكن لا يربط لبنان بها علاقات دبلوماسية ألبتة، وبالتالي لا يمكن توقع تعاون اقتصادي.

ومن ناحية أخرى، هناك سوريا في الشمال والشرق، لكنها يحكمها نظام يخضع للعقوبات، خاصة في قطاعي البنية التحتية والطاقة.

"وهذا يترك لنا القليل من الخيارات الإستراتيجية، منها التصدير بشكل فردي، غير أن هذا النوع من التصدير قد يكون عالي التكلفة"، يضيف عبد الله.

"أما الخيار الآخر فهو التصدير بالتنسيق مع قبرص، والتي هي بالفعل في شراكة إستراتيجية مع إسرائيل وأعضاء آخرين في منتدى غاز شرق البحر المتوسط"، وفق عبد الله.

لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أيضا آفاق سوق النفط والغاز، وحاجة العالم إلى الطاقة في خلال الخمس سنوات، وهي المدة المقدرة التي سيستغرقها وصول الغاز اللبناني إلى السوق، حسب كيروز.

فنقلا عن تقرير صادر عن مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، خلال فبراير 2023، فإنه من المقرر أن تسهم أزمة الطاقة الحالية في تسريع التحول الأوروبي في مجال الطاقة بمقدار 5-10 سنوات.

بدوره، يعتقد محلل الاقتصاد السياسي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أحمد القاروط، أن لبنان سيستفيد على المدى القصير من بدء التنقيب عن الغاز؛ لأنه سيولد نشاطا اقتصاديا ويخلق فرص عمل رسمية وغير رسمية للسكان.

وأكد القاروط أن "التأسيس لمجال إنتاج الطاقة في لبنان قد يعيد بعض الثقة في اقتصاد البلاد"، لكنه "بالنظر إلى عمق مشاكل لبنان، فإن الإيرادات الإضافية لن تؤدي بالضرورة إلى نتائج سياسية أفضل، أو ارتفاع في مستويات معيشة المواطنين الكادحين".

هواجس ومخاطر

 وعاد "كيروز" للتشديد على أهمية أن تكون هناك ضمانات داخل الدولة اللبنانية لحماية القطاع الناشئ من سوء الإدارة والفساد، مضيفا أنه من الناحية العملية سيكون هناك هاجسان رئيسان.

الأول هو عدم قدرة الدولة على إدارة هذه الموارد، مشيرا إلى "سوء الإدارة الفادح لأموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتي تم استثمارها في الغالب في سندات الحكومة اللبنانية".

هذا بالإضافة إلى فشل وزارة النقل اللبنانية في الاستفادة من تبرع فرنسا، في مارس/ آذار 2022، ببعض الحافلات لتطوير قطاع النقل العام.

أما الهاجس الثاني فهو أنه في كثير من الأحيان، لا تكمن مشكلة الفساد في لبنان في الجوانب القانونية، بل في الممارسة الفعلية"، حسب التقرير.

"يحتاج المرء فقط إلى النظر في التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص، حيث كان سبب الانفجار هو التخزين غير القانوني لـ 2750 طنا من نترات الأمونيوم"، يضيف كيروز.

وحاليا هناك 3 شركات أجنبية تملك تراخيص التنقيب عن الغاز في المياه اللبنانية، وهم: "شركة قطر للطاقة" شريكا مع "توتال إنيرجيز" الفرنسية و"إيني" الإيطالية.

وفيما يتعلق بالمخاطر التي تواجه استثمار هذه الشركات الأجنبية في التنقيب عن الغاز في لبنان، قال "عبد الله" إن قطاع النفط والغاز دائما ما يكون محفوفا بالمخاطر بشكل كبير، ولدى شركات الطاقة الكبرى طرقها للعمل في بيئات محفوفة بالمخاطر.

ومع ذلك، فقد حذر من أن "الاضطرابات السياسية الداخلية وعدم الاستقرار يمكن أن تكون الانتكاسة الكبرى؛ لأنها قد تؤخر العمل وتتسبب في خسائر اقتصادية ومالية ممتدة للبنان".