Thursday 09 July, 2020

صحيفة الاستقلال

تقرير الحالة العربية: مايو/أيار 2020

منذ 2020/06/01 20:06:00| الحالة العربية ,دولي ,
تقرير شهري يتناول أبرز القضايا المتعلقة بالوطن العربي وما يتصل به داخليا وخارجيا
حجم الخط
المحتويات
مقدمة
المحور الأول: جائحة كورونا في المنطقة العربية
  • السعودية
  • قطر
  • الإمارات
  • الكويت
  • مصر
  • البحرين
 المحور الثاني: الحالة السياسية
  • الحالة الفلسطينية
  • الحالة الليبية
  • الحالة العراقية
  • الحالة اليمنية
  • الحالة السورية
المحور الثالث: الاقتصاد العربي 
  • كورونا والنزاعات تجبران بلدان عربية نفطية على تخفيض إنفاقها العام
  • كورونا يفاقم مشكلات الاقتصاد العراقي
المحور الرابع: الحالة الفكرية
  • الحرب على الإسلام "المكافح" في التراث الإسلامي .. ابن تيمية نموذجا
  • الدراما التطبيعية وتزييف الوعي
خاتمة

مقدمة

تتسارع الأحداث في المنطقة العربية، بشكل إيجابي في بعض المحاور، وبشكل سلبي في محاور أخرى، ففي ليبيا ثمة تقدم للحكومة الشرعية على الصعيد العسكري، ولكن دول دعم الثورات المضادة تكثف من دعمها لحفتر، ليستمر النزاع لأطول فترة ممكنة. وثمة هدف آخر لدول دعم الثورات المضادة يتمثل في إخفاق جهود تركيا في دعم الحكومة الشرعية، ومحاولة دعم الوجود الروسي بشكل كبير للحد من الوجود التركي.

وتشهد سوريا كذلك استمرارا للنزاع، وصراع القوى الإقليمية والدولية هناك، ولم يلح في الأفق بعد الوصول إلى حالة من الاستقرار، ولو بشكل جزئي، كما أن الوجود الروسي بدأ في الترسيخ لوجوده كقوة احتلال، من خلال تعيين بوتين لمندوب شخصي له في سوريا، وهو ما يعيد إلى الأذهان ممارسات الاحتلال الغربي في المنطقة العربية في النصف الأول من القرن العشرين.

وتأتي كورونا لتزيد من معاناة المنطقة العربية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، في ظل غياب تعاون عربي لمواجهة الجائحة، ما أدى إلى تراجع الاقتصاديات العربية بشكل كبير.

ولم تكن السياسة والاقتصاد بجوار جائحة كورونا هي مشكلات المنطقة العربية الأبرز التي يتناولها تقرير الحالة العربية هذا الشهر، لكن الحالة الفكرية على الصعيد العربي، تشهد حربا لاستئصال الهوية الإسلامية بالمنطقة، ومحاولة زعزعة رموز المقاومة الإسلامية من خلال اغتيال معنوي ممنهج لشخصيات علماء الإسلام، والدعوة للتطبيع مع إسرائيل.


المحور الأول: جائحة كورونا في المنطقة العربية

مع انقضاء نحو ما يزيد عن 5 أشهر منذ ظهور فيروس (COVID-19) المعروف باسم فيروس كورونا، ضربت الجائحة معظم دول العالم، وبلغت عدد الإصابات المكتشفة ما يزيد عن 5.5 ملايين حالة حول العالم منذ بداية الأزمة في ديسمبر/ كانون الأول 2019 حتى نهاية مايو/ أيار 2020، توفي منهم ما يربو على 350 ألف إنسان.

كان نصيب العالم العربي من هذه الإصابات 242 ألف إصابة، بنسبة قدرها 4.3% من مجمل الإصابات المكتشفة حول العالم، وبلغت الوفيات في الدول العربية نحو 3.012 وفاة، أي بنسبة بلغت 0.8% من إجمالي وفيات العالم جراء هذا الفيروس (كل الأرقام التي وردت، وسترد، في هذه الورقة، مُستمدة من موقع "Worldometer" الإحصائي العالمي[1]).

وبما أن نسبة سكان الوطن العربي إلى سكان العالم تبلغ نحو 6.6%. فإن هذه الأرقام تعني -نظريا- أن العالم العربي في حال أفضل من الأقطار الأخرى، أو أن منظومته الصحية قد استطاعت السيطرة على المرض بشكل كبير. بيد أنه من المعلوم في الإحصاء أن الأرقام والإحصاءات لا تعبر -بالضرورة- وحدها عن الواقع، بل قد تبدو الأرقام -أحيانا- مغايرة لما عليه الواقع، فلا بد من النظر وراء هذه الأرقام حتى نستطيع النظر ما إذا كانت دلائل هذه الأرقام صحيحة أم لا.

ومن المعلوم أن عدد الإصابات -على وجه التحديد- لا يعبر عن نجاح أو فشل الدولة أو المنظومة الصحية في مواجهة الفيروس، بل إنه العامل الأقل أهمية على الإطلاق في التقييم، تتعدد العوامل التي تمثل أهمية أكبر بالنسبة للتقييم، فنسبة الوفيات إلى المفحوصين، عدد الفحوصات اليومية، نسبة الفحوصات المُجراة إلى عدد السكان، الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة قبيل انتشار المرض، الإجراءات التي تتخذها الحكومة بعد انتشار المرض، كذلك نسبة المصابين إلى المفحوصين، كل هذه العوامل وغيرها لا بد أن توضع في الميزان حتى يكون التقييم أكثر انضباطا وواقعية.

تحاول هذه الورقة استكمال ما بُدِء في الشهرين الماضيين من رصد وتحليل للأرقام المعلنة من قبل الحكومات العربية حول فيروس كورونا ومدى انتشاره في بلدانهم.

بشكل عام، فإن عدد الإصابات المكتشفة في الدول العربية تضاعف نحو 5 مرات خلال شهر مايو/ أيار 2020 عنه في سابقه، ففي أبريل/ نيسان 2020، بلغ عدد الحالات المكتشفة نحو 50 ألف مصاب، إلا أن الرقم تجاوز الـ 240 ألف مصاب هذا الشهر. كما أن الوفيات قد تضاعفت نحو 3 مرات خلال نفس الفترة الزمنية.

بلغت نسبة الوفيات إلى المصابين في العالم العربي نحو 2.6% الشهر الفارط، بينما بلغت النسبة هذا الشهر نحو 1.2%. يظهر أن نسبة الوفيات أقل بكثير من نسبة الوفيات العالمية هذا الشهر، حيث بلغت 6.2%.

تبدو نسبة الوفياتِ العربية إيجابية بالنسبة للمعدل العالمي، إلا أنه لا ينبغي إغفال أن عدد الوفيات أو الإصابات قد يتأثر بشكل كبير بعدد فحوصات الـ PCR التي تجريها كل دولة، حيث إن السبيل الوحيد لحساب الإصابات أو الوفيات من هذا الفيروس هو اكتشاف حامليه عن طريق هذا التحليل، ففي حالة عدم إجراء الفحوصات، قد يموت الكثيرون دون معرفة السبب الحقيقي وراء موتهم، سواء كان كورونا أو غيره.

لمحاولة رصد ما وراء هذه الأرقام، سواء كانت إيجابية أو سلبية، سيحاول التقرير البحث في الأرقام الصادرة عن كل دولة على حدة. وسيعتمد التقرير على الترتيب التنازلي من حيث عدد الإصابات. وسيكتفي بأخذ الدول أصحاب المراكز الستة الأولى من حيث أعداد الإصابات.

السعودية:

لم تبرح السعودية مركزها الأول في عدد الإصابات المكتشفة في العالم العربي، ووصلت إلى المركز 16 عالميا. بلغ عدد الحالات المكتشفة منذ ظهور الفيروس حتى الآن نحو 77 ألف حالة، وعدد وفيات الفيروس 411 وفاة. أي أن كلا من عدد الإصابات والوفيات قد تضاعف نحو 4 مرات. ومن ناحية فحوصات الـ PCR، بلغ عدد فحوصات المملكة منذ ظهور الفيروس مطلع مارس/ آذار 2020 حتى اللحظة 784 ألف فحص (منهم أكثر من 550 ألف فحص هذا الشهر فقط)، (21.235 فحص لكل مليون نسمة). ومن حيث الوفيات، بلغت وفيات المملكة منذ ظهور الفيروس 411 وفاة، أي بنسبة بلغت 0.5% من إجمالي المصابين، وهي نسبة متميزة عالميا. واستمرت نسبة المصابين إلى المفحوصين بنحو 10%.

من الملاحظ استمرار المؤشر الإيجابي لأداء المنظومة الصحية السعودية منذ بداية الأزمة حتى وقتنا هذا. وهو ما أدى إلى شبه ثبات في أعداد الحالات النشطة (Active Cases) طيلة هذا الشهر. وهو ما يفسر بطبيعة الحال دوافع اتخاذ السلطات قرارات بتخفيف إجراءات الحظر والإغلاق، مع الحفاظ على الإجراءات الوقائية والتعقيمية والتباعد الجسدي.

فالمملكة قررت فتح المساجد وإقامة الجمع والجماعات منذ مطلع الشهر المقبل (يونيو/حزيران 2020)، مع الحفاظ على تعليمات السلامة والوقاية. وخلال الشهر القادم، ستُرصد نتائج هذا التخفيف. بيد أن المتوقع أن المنظومة الصحية ستظل -بمشيئة الله- متماسكة قوية تبعا للإجراءات التي اتخذتها الحكومة قبل وصول الفيروس للحيلولة دون وصوله، وبعد وصوله لمحاصرته والحد من انتشاره.

قطر:

كذلك ثبتت قطر في مركزها الثاني عربيا من حيث عدد الإصابات المكتشفة، وبلغت المركز 20 عالميا. تضاعفت عدد حالات الإصابة هذا الشهر نحو 4 أضعاف عن سابقه، فبلغ عدد الإصابات منذ ظهور الفيروس مطلع شهر مارس/ آذار 2020، نحو 47 ألف مصاب، وارتفعت عدد الوفيات لتصل إلى 28 وفاة، بزيادة نحو ضعفي الشهر الفائت.

ومن ناحية فحوصات الـ PCR، أجرت قطر 196 ألف فحص خاص بفيروس كورونا (منهم أكثر من 115 ألف فحص هذا الشهر فقط)، (68.290 فحص لكل مليون نسمة). ومن حيث النسب، فبلغت نسبة الوفيات إلى المصابين نحو 0.05%، كما بلغت نسبة المصابين إلى المفحوصين 20.9%، وهي نسبة مرتفعة ومؤشر غير جيد.

بالرغم من أن استمرار معدل الوفيات المنخفض بالنسبة للمعدلات العالمية يعد مؤشرا إيجابيا للغاية، ويدل على مستوى الرعاية الصحية التي تقدمها الحكومة القطرية. بيد أن ارتفاع نسبة المصابين إلى المفحوصين يعد مؤشرا سيئا، فنحو خُمس المفحوصين، مصابون، وهي بالتأكيد نسبة مرتفعة للغاية. لمعالجة هذه الإشكالية،

لا بد أن تُشدد الحكومة من إجراءات الحظر والإغلاق والتباعد الجسدي، وهذا يكون بالتزامن مع توسيع دائرة الفحص للمخالطين بأكبر صورة ممكنة، حتى يتم محاصرة الفيروس والحد من انتشاره.

ليس من المرجح -ومن غير المقبول- أن تخفف الحكومة القطرية من إجراءاتها بأي شكل من الأشكال إلا بعد أن تصل النسبة المرتفعة إلى معدلات مقبولة. هنا تجدر الإشارة إلى أن المعدل الذي تجري الحكومة عليه الفحوصات بالنسبة لعدد السكان هو معدل جيد بالنسبة للمعدلات العالمية (21.253 فحصا لكل مليون نسمة)، إلا أن ارتفاع نسبة المصابين تجعل لزاما على الدولة أن تحاول مضاعفة هذا المعدل.

الإمارات:

حافظت الإمارات على مركزها الثالث عربيا من حيث عدد حالات الإصابة المكتشفة، وبلغ مركزها الـ 27  عالميا. تضاعف عدد الإصابات في الإمارات هذا الشهر نحو 3 مرات، فبلغ عدد الإصابات منذ ظهور الفيروس نحو 31 ألف مصاب. بينما تضاعفت الوفيات نحو مرتين ونصف، وبلغ عددها 253 وفاة.

ومن حيث الفحوصات، فالإمارات صاحبة التجربة الرائدة عالميا في إجراء الفحوصات، فقد أجرت الدولة فحوصات كورونا على نحو خُمس عدد السكان على أرضها (أكثر من 2 مليون فحص)، وهو المعدل الأول عالميا، وهو بالتأكيد ما كان له أثره الإيجابي على مؤشرات أداء المنظومة الصحية فيها. وبلغت نسبة المصابين إلى المفحوصين 1.4%، وهي نسبة تعد من بين الأقل في العالم.

تُظهر مؤشرات الأداء ارتفاعا متدرجا مطردا في عدد الحالات النشطة (Active Cases) هذا الشهر، فبالرغم من قدرة المنظومة الصحية على استيعاب أعداد أكبر من الإصابات، إلا أن هذا المؤشر السلبي نسبيا قد يحدو بالحكومة إلى التمهل في تخفيف إجراءات الحظر والإغلاق والتباعد الجسدي.

الكويت:

تقدمت الكويت من المركز السادس إلى الرابع عربيا من حيث أعداد الإصابات المكتشفة، وبلغ مركزها الـ 34 عالميا. بلغ عدد الإصابات في الكويت منذ بداية الأزمة ما يقارب 23 ألف حالة إصابة، وهو ما يعني أن العدد تضاعف نحو 6 مرات مقارنة بالشهر الماضي.

وبلغت أعداد الوفيات منذ الأزمة 172 وفاة، أي أن الوفيات تضاعفت نحو 7 أضعاف، وبنسبة بلغت 0.8% من إجمالي أعداد المصابين. ومن حيث عدد فحوصات الـ PCR، بلغت الفحوصات 276,207 فحصا (64,773 فحصا لكل مليون نسمة)، وهو معدل مقبول عالميا. وبلغت نسبة المصابين إلى المفحوصين 8.1%.

تضاعف أعداد الوفيات والإصابات جعل المؤشر يرتفع بشكل حاد خلال هذا الشهر، وهو ما سيؤخر بلا شك إجراءات فك الحظر في الكويت. هذه الزيادة المضاعفة تزيد العبء على الحكومة الكويتية، فبالرغم من أن معدل الفحوصات بالنسبة إلى السكان يعد مقبولا نسبة إلى المعدلات العالمية، إلا أنه لا بد على الحكومة من زيادة عدد هذه الفحوصات، بالإضافة إلى تشديد إجراءات الحظر وفحص أكبر نسبة من المخالطين، حتى تتمكن الدولة من السيطرة على معدل الانتشار المتصاعد في الآونة الأخيرة.

مصر:

تراجعت مصر من المركز الرابع عربيا إلى الخامس، وبلغ ترتيبها 37 عالميا. بلغت عدد الحالات الإيجابية المكتشفة منذ بداية الأزمة حتى الآن نحو 19 ألف حالة، بمعدل تضاعف بلغ نحو 4 مضاعفات. وبلغت الوفيات 797 وفاة، بنسبة بلغت 4.2% من إجمالي المصابين. بينما كان عدد فحوصات PCR منخفضا للغاية مقارنة بعدد وكثافة السكان المرتفعة في مصر، فبلغت الفحوصات 135 ألف فحص (منهم 45 ألف فحص خلال هذا الشهر)، وبلغت نسبة المصابين إلى المفحوصين نحو 14%، وهي نسبة مرتفعة نسبيا.

يبدو أن الحكومة المصرية مصرة على تخفيض عدد الفحوصات، فالحال لم يتغير منذ ظهور الفيروس في مصر منتصف فبراير/ شباط 2020، الفحوصات منخفضة للغاية، معدلات الوفيات مرتفع، نسبة المصابين مرتفعة مقارنة بأعداد المفحوصين. كل هذه العوامل، علاوة على الأنباء الواردة بالتراخي الحكومي والشعبي في تطبيق إجراءات الوقاية والحظر والتباعد الجسدي، تلقي بظلال الشك على مدى جدية الحكومة المصرية في مواجهة الفيروس، وتلقي بظلال الشك كذلك على مدى الانتشار الفعلي للفيروس في مصر.

وهنا تجدر الإشارة للأنباء المتصاعدة عن الإصابات المتزايدة والمنتشرة في الأطقم الطبية، علاوة على بروتوكولات وزارة الصحة بعدم إجراءات مسحات على الأطباء المشكوك في إصابتهم بالفيروس إلا بعد تدهور حالة الطبيب المريض، وكذلك عدم فحص المخالطين لهم.

البحرين:

تقدمت دولة البحرين في ترتيبها على مستوى الوطن العربي من حيث عدد الإصابات المكتشفة، فاحتلت المركز السادس عربيا، والـ 50 عالميا (والبحرين من أصغر البلدان على مستوى العالم من حيث المساحة وعدد السكان).

بلغ عدد الإصابات في البحرين منذ بداية ظهور الفيروس حتى كتابة هذه السطور ما يربو على 9 آلاف حالة، وسجلت 14 وفاة فقط. ما يعني أن الإصابات تضاعفت 4 مرات خلال هذا الشهر، بينما تضاعفت الوفيات أقل من مرتين خلال نفس الفترة الزمنية. ومن حيث عدد فحوصات الفيروس، فحصت الدولة ما يقارب 286 ألف فحص منذ مطلع الأزمة (168.866 فحصا لكل مليون نسمة)، وهي نسبة مرتفعة للغاية مقارنة بمساحة البحرين وعدد سكانها وكثافتهم.

ومن حيث النسب، فبلغت نسبة الوفيات إلى المصابين 0.1%، وهي نسبة منخفضة للغاية، وتعد مؤشرا إيجابيا على كفاءة الرعاية الصحية في المملكة. وتبلغ نسبة المصابين إلى المفحوصين نحو 3.2%، وهي كذلك نسبة منخفضة ذات مؤشر إيجابي.

مؤشرات أداء البحرين تشير إلى تصاعد متدرج بطيء نسبيا في أعداد الحالات النشطة (Active Cases)، وبالرغم من المؤشرات الإيجابية الأخرى مثل نسبة المفحوصين ومعدل الوفيات وغير ذلك من دلائل إيجابية، إلا أنه من المتوقع أن تُبقي الحكومة على إجراءات الحظر والإغلاق عدة أسابيع مقبلة حتى تصل إلى مرحلة شبه ثبات في الحالات النشطة، وذلك لضمان قدرة المنظومة الصحية على الاستمرار في استيعاب أعداد المصابين وتقديم الرعاية الصحية الأنسب لهم.

***

يبدو أن النتائجَ التي تُبديها لنا إحصائيات العالم العربي تثبت لنا أن عدد الإصابات ليس مؤشرا بذاته على الإطلاق، فالسعودية ذات المركز الأول من حيث عدد الإصابات بدأت في تخفيف إجراءات الحظر والإغلاق لديها، نظرا لاجتماع عدة عوامل أخرى، مثل معدل الوفيات المنخفض، وكذلك الثبات النسبي في نسبة المصابين إلى المفحوصين، والأهم هو العدد شبه الثابت لأعداد الحالات النشطة التي تستوعبها المنظومة الصحية للمملكة.

كذلك فإن نسبة الوفيات أو عدد الفحوصات ليست ودَها تعد مؤشرا، فقطر صاحبة نسبة الوفيات المنخفضة للغاية وكذلك عدد الفحوصات المرتفع مقارنة بمساحتها وعدد سكانها، كل تلك المؤشرات الإيجابية لم تشفع لها حين ظهرت أن نسبة المصابين إلى المفحوصين مرتفعة نسبيا، فواحد من كل 5 مفحوصين يكون حاملا وناقلا للفيروس. وعليه، فإن إجراءات التخفيف لديها ستتأخر بعض الشيء.

عدد الفحوصات المرتفع ليس هو المؤشر الأبرز كذلك، فالإمارات صاحبة أكبر معدل إجراء فحوصات على قاطنيها، وكذلك نسبة الوفيات فيها منخفضة، علاوة على معقولية نسبة المصابين إلى المفحوصين، إلا أن زاوية ميل منحنى أعداد الحالات النشطة لديها يسجل انكسارا متصاعدا حادا بعض الشيء، وهو مؤشر سلبي بلا شك، مما سيساهم في تأخير إجراءات تخفيف التدابير المشددة.

والكويت تبرهن على أن عدد الفحوصات أو حتى معقولية النسب ليست هي العامل الحاسم وحده، فرغم أن جميع النسب المجردة التي تظهرها الكويت هي نسب مقبولة عالميا، بل وبعضها يحمل دلالات ومؤشرات إيجابية للغاية، بيد أن تضاعف الإصابات والوفيات خلال شهر واحد يجعل التريث في اتخاذ قرارات التخفيف هو الخيار الأكثر معقولية بالنسبة للسلطات الكويتية.

ورغم تراجعِ مصر في ترتيبها العالمي والعربي في عدد الإصابات المكتشفة، إلا أن المؤشرات الأخرى تحمل دلالات سلبية قد تضعها في قائمة الدول الأسوأ في التعامل مع الفيروس على الإطلاق.

وعليه، فلا بد من النظر إلى جميع العوامل والمؤشرات مجتمعة حتى نستطيع تحليل أداء دولة بعينها في مواجهة هذه الجائحة. والنظر إلى عامل أو عوامل دون أخرى يجعل التحليل قاصرا والنظرة سطحية، وهو ما قد يعطي في النهاية صورة مغايرة للواقع.


المحور الثاني: الحالة السياسية

يبدو أن حالة التيه التي يعيشها وطننا العربي لا يراد لها أن تنفك عنه في المستقبل المنظور. فالقوى الكبرى جعلت من العديد من الأقطار العربية مسرحا لحروبها. واستغلت في ذلك أمراء حرب لا يرقبون في أوطانهم إلًّا ولا ذمة. والشعب العربي هو الخاسر الأكبر وسط كل هذه الأحداث.

عدة عوامل داخلية وخارجية تفتح شهية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضم ثلث أراضي الضفة الغربية، معتبرا أن هذا الوقت هو الأفضل في التاريخ بالنسبة لإسرائيل، متخذا في سبيل ذلك سياسة الاستعلاء وفرض الأمر الواقع. ولا زال محمود عباس يعول على التسويات السياسية والاتفاقات الدولية رغم ثبوت فشل هذه المسارات مرات ومرات مع كيان لا يحترم المواثيق ولا يحفظ العهود.

وفي ليبيا تحاول حكومة الوفاق استثمار حالة القوة التي هي عليها في مواصلة الضغط على قوات حفتر لإحكام السيطرة على كامل الغرب الليبي، فبعد السيطرة على قاعدة الوطية، يُحكَم الحصار على "ترهونة" أهم معاقل حفتر في الغرب الليبي. كما أن انقلاب حفتر على حلفائه قد أربك جبهته الداخلية، ويحاول ترميمها.

بينما نجحت العراق أخيرا في تسمية رئيس وزرائها بعد نحو 6 أشهر من مباحثات غير مجدية، منح البرلمان الثقة لمصطفى الكاظمي و15 وزيرا من تشكيلته الحكومية، ومتبقي 7 وزارات لم يُحسم أمرها بعد. والحكومة الجديدة أمام تحديات داخلية خارجية، رغم أن انبثاقها ومخاضها كان من نفس النخبة الحاكمة وبنفس الآليات السابقة.

ويبقى اليمن يعاني في التجاذبات الداخلية بين الحوثيين والحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي. وخارجيا بين إيران والسعودية والإمارات. فرغم الهدنة التي أعلنها تحالف الشرعية بقيادة السعودية مطلع الشهر الماضي، إلا أن القتال لم ينقطع من حينها يوما بين الشرعية وبين الحوثيين. والمجلس الانتقالي مستمرون في تصعيدهم أمام الحكومة الشرعية، وإشعال جبهات حرب جديدة لم تصلها الحرب منذ 2015.

ورغم الهدنة التركية-الروسية التي شارفت على انتهاء شهرها الثالث، إلا أن المناوشات بين النظام السوري وفصائل المعارضة المسلحة لم تنقطع. والخلافات تتصاعد داخل الجبهة الثورية، بين هيئة "تحرير الشام" وبعض الفصائل مقربة منها من جهة، وبين الجانب التركي والجيش الحر من جهة أخرى.

الحالة الفلسطينية

  • نتنياهو يعتزم ضم ثلث الضفة الغربية

تعود القضية الفلسطينية للتصدر مرة أخرى بعد إعلان بنيامين نتنياهو، عزمه ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية بداية من يوليو/ تموز 2020[2]. يأتي إعلان نتنياهو متوافقا مع خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط (صفقة القرن) التي أُعلِن عنها في يناير/ كانون الثاني 2020 دون أخذ الإرادة الفلسطينية في الاعتبار.

فخطة ترامب تعطي الحق لتل أبيب بضم نحو 30% من أراضي الضفة لسيطرتها، وهو ما تعهد به نتنياهو بالفعل في كلمته أمام نواب حزبه الليكود هذا الشهر، حيث تعهد بضم غور الأردن الممتد بين بحيرة طبريا حتى البحر الميت، بالإضافة إلى ضم جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة، والتي يبلغ عددها نحو 130 مستوطنة، ويقطن فيها نحو 600 ألفا. وتقدر هذه المساحة بثلث مساحة الضفة الغربية، وهي نفس المساحة التي سمحت بها خطة ترامب للسلام (صفقة القرن) شريطة أن يوافق الإسرائيليون على خطة ترامب، وهو ما يعني أن موافقة الفلسطينيين من عدمها ليست في اعتبار الإدارة الأميركية الحالية.

  • الوقت الأفضل في التاريخ

يرى نتنياهو أنه لا يوجد وقت أفضل في تاريخ بلاده لضم هذه المناطق، فالفرصة الحالية لم تكن موجودة منذ عام 1948 لتطبيق السيادة بطريقة حكيمة وكخطوة سياسية في "يهودا" و"السامرة" (استخدم الأسماء العبرانية للضفة الغربية)، "ولن ندع هذه الفرصة تمر"، بحسب تصريحات نتنياهو[3].

عوامل كثيرة تجعل من هذا الوقت "أفضل وقت في التاريخ" بالنسبة لنتنياهو، فالولايات المتحدة برئيسها وإدارتها الحالية تهرول في الدعم العلني والمفتوح لإسرائيل، فهي الإدارة التي اتخذت قرار نقل السفارة الأميركية لأول مرة إلى القدس، واعترفت بالقدس عاصمة للدولة اليهودية، وهي الإدارة التي أعلنت عن خطة جديدة لتسوية (أو يمكن القول: لتصفية) القضية الفلسطينية على خلاف مقررات الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بالرغم من الرفض الفلسطيني الكامل لهذه الخطة. وبالرغم من أن معظم الدول والهيئات الدولية سارعت بتحذير إسرائيل من مغبة ضم أجزاء من الضفة، إلا أن موقف إدارة الولايات المتحدة يتراوح بين الصمت والتأييد لخطوات نتنياهو المزمع تنفيذها عقب شهرين.

تدرك إسرائيل الفرصة المتاحة لها في ظل الإدارة الأميركية الحالية، لذلك تسعى إلى الحصول على مصادقة أميركية على إجراءات ضم سريعة قبيل إجراء الانتخابات الأميركية في نوفمبر المقبل،  تحسبا من احتمالية وصول المرشح الديمقراطي المحتمل، جو بايدن، إلى الرئاسة[4]، حيث إن المرشح الديمقراطي يجهر بمعارضته المستمرة لسياسات الإدارة الأميركية الحالية تجاه القضية الفلسطينية، بل إنه صرح أنه سيمارس -حال وصوله للسلطة- عكس السياسات التي تمارسها الإدارة الحالية، معتبرا إياها سياسات ضارة بالسلام[5].

حال الدول العربية كذلك هو الأفضل بالنسبة لإسرائيل منذ قيامها عام 1948، فالحكومات العربية تهرول بالتطبيع العلني والسري مع الكيان، والعلاقات الإسرائيلية-العربية في أفضل حالاتها منذ قيام إسرائيل. في نفس الوقت، فإن حالة الضعف التي وصلت إليها الشعوب العربية، والاضطهاد المطرد المتنامي في جميع الدول العربية إزاء التيارات التحررية المناهضة لإسرائيل، عوامل أخرى مهمة تزيد من الشهية الإسرائيلية لاتخاذ إجراءات استيطانية أكثر تعسفية تجاه الفلسطينيين ومقدساتهم.

هذه العوامل وغيرها جعلت الإدارةَ الإسرائيلية تتعامل بشكل استعلائي أحادي مع القضية الفلسطينية، فبحسب نتنياهو "الجميع يدرك أن مئات الآلاف من المستوطنين في يهودا والسامرة (أسماء عبرانية للضفة الغربية) سيبقون في أماكنهم في أي اتفاق مستقبلي". فنتنياهو يتعامل بسياسة وضع اليد وفرض الأمر الواقع، حاله كحال جميع القوى الاستعمارية، فهي لا تعطي وزنا للمعاهدات أو الاتفاقات أو المفاوضات، إنما تنفذ ما تريد بالقوة العسكرية على الأرض.

  • لا زال عباس يعوّل على أميركا

يبدو أن محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، لا يؤمن بالمبدأ الذي يؤمن به نتنياهو ويفرض به خططه على الأرض، فلا زال عباس يعوّل على التسوية والمفاوضات رغم نقضها من قبل الاحتلال مرات ومرات، ويراهن على الدور الأميركي رغم مناوراتها التي لا تنقطع وانحيازها الواضح لكيان الاحتلال، وهو ما انتقدته حركات المقاومة المسلحة الشعبية في فلسطين كحركتي حماس والجهاد الإسلامي[6].

وبالرغم من أن السلطة الفلسطينية برئاسة عباس قد أعلنت أنها في حِل من الاتفاقات الأمنية مع الكيان الإسرائيلي، وكذلك مع المخابرات المركزية الأميركية (CIA)[7]، وبالرغم كذلك من أن السلطات قد أعلنت بالفعل تعليق التنسيق بين الجهات الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية على خلاف ما حدث عشرات المرات من قبل، إلا أن جهات فلسطينية وأخرى إسرائيلية شككوا أو قللوا من جدية هذه الخطوة.

القيادي في حركة حماس والمسؤول عن عمل الحركة في الضفة، صالح العاروري، قال: "نأمل أن تكون خطوة عباس جدية هذه المرة"، وكذلك أوضح القيادي في حركة "حماس" أسامة حمدان في حديث مع "عربي21"، أنها ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الرئيس محمود عباس عن انسحابه من الاتفاقات والالتزامات مع الحكومتين الإسرائيلية والأميركية، معربا عن خشيته من أن يكون إعلان عباس مجرد محاولات لإثبات الوجود في ظل خطة ترامب التي لم تترك مجالا للمناورة[8].

يبدو أن عباس استطاع توحيد وجهات نظر المقاومة الفلسطينية وبعض الإسرائيليين هذه المرة، فمسؤولون إسرائيليون يرجحون كذلك استمرار التنسيق الأمني السري مع السلطة الفلسطينية، حيث أن سلطات رام الله قد بعثت برسائل لإسرائيل مفادها أنه على الرغم من إنهاء التعاون، فإنها لن تسمح بهجمات ضد إسرائيليين أو انتفاضة شعبية كبيرة، بحسب قناة 13 العبرية[9].

ويبدو أن وجهة النظر هذه لها ما يبرهنها من تصريحات قادة السلطة الفلسطينية أنفسهم، فرئيس وزراء السلطة الفلسطينية، محمد اشتية، قال: إن حكومته ستمنع الفوضى والاضطراب العام في الضفة الغربية، بالرغم من قطع التنسيق الأمني مع إسرائيل[10].

ويعتبر هذا القرار -حال تنفيذه- تنفيذا للعهود التي قطعها نتنياهو وحزبه (الليكود) للناخبين الإسرائيليين قبل الانتخابات الأخيرة التي جاءت به مرة أخرى رئيسا للوزراء بعد عقد اتفاق بينه وبين حزب غريمه السابق بيني غانتس (حزب أزرق أبيض). جدير بالذكر أن الاتفاق بين الحزبين مدته 3 سنوات، يتناوب فيها الرجلان على رئاسة الوزراء مناصفة بينهما (18 شهرا لكل منهما)، على أن يكون النصف الأول فيهما من نصيب نتنياهو، الذي يقبع في السلطة منذ عام 2009.

التعويل الأكبر في هذه اللحظة هو على قدرة الفصائل الفلسطينية، ومن خلفها الشعب الفلسطيني، على ترتيب صفوفها ولَمِّ شتاتها للوقوف صفا واحدا خلف قيادة شعبية حقيقية ورؤية وطنية واحدة غايتها النهائية مصلحة الشعب الفلسطيني وتحرير أراضيه المحتلة. بينما التعويل على أي جهة خارجية -مهما كانت- هو من ضرب الخيال والعبث الذي لم تجن منه القضية الفلسطينية سوى المماطلة والمناورة، والتي تصب في النهاية لصالح الكيان المحتل.

الحالة الليبية

  • الوفاق تصر على مواصلة القتال

يبدو أن الحكومة الليبية الشرعية تعي أن القوة هي صاحبة اليد الطولى في التأثير على العديد من مواقف الهيئات الدولية، فالمجتمع الدولي الذي عجز -أو تكاسل- عن ردع قوات حفتر ومنع انتهاكاتها ضد المدنيين طيلة الأعوام الماضية لن ينفع حكومة الوفاق الوطني بشيء حال تهاونها في استثمار حالة القوة الحالية التي حصدتها جراء الاتفاق المعقود بين الحكومتين التركية والليبية.

حتى أنه حين أعلنت ميليشيات حفتر وقف العمليات العسكرية من جانب واحد نهاية الشهر الماضي[11]، لم تقبل الوفاق -على غير عادتها- الهدنة وأعلنت أنها ستواصل عملياتها[12]، معللة ذلك بعدم الثقة في مساعي حفتر الذي أعلن قبلها بأيام قلائل تنصيب نفسه حاكما للبلاد متجاهلا كل الاتفاقيات السياسية والقرارات الدولية التي تدعم المسار السياسي في البلاد.

من المرجح كذلك أن العملية التي أطلقها الاتحاد الأوروبي "إيريني" أعطت حافزا آخر للحكومة الليبية في استكمال انتصاراتها على الأرض، حيث تعد العملية التي أُطلقت في مارس/ آذار 2020، بمثابة تكبيل يد للحكومة الليبية الشرعية، وهو في نفس الوقت يطلق يد ميليشيات حفتر من ناحية أخرى.

فالاتفاق يقضي بمراقبة حركة السفن القادمة إلى ليبيا عبر البحر المتوسط، والتفتيش عما إذا كان يوجد بها سلاح أم لا، والمعلوم أن المستفيد الأكبر من البحر هي الحكومة الليبية الشرعية، وأن معظم الإمدادات التي تصل لميليشيات حفتر تأتي عن طريق البر أو الجو، وبالتالي، فإن المتضرر الأكبر من هذه الاتفاقية هي حكومة الوفاق وداعموها.

بالتأكيد، قد ألقى الاتفاق بعضا من ظلال المخاوف والشك داخل أروقة الحكومة حول الموقف الحقيقي للاتحاد الأوروبي ومدى جدية الدعم المقدم لها من قبله. وعليه، تحاول الحكومة إحراز أكبر قدر من الانتصارات والمكاسب لتجد لنفسها موطئ قدم في أي خريطة مستقبلية تستهدف حل الصراع الليبي.

في ضوء ذلك، واصلت حكومة الوفاق الليبية هذا الشهر محاولاتها الدؤوبة للسيطرة على كامل الغرب الليبي، مستكملة حالة الهجوم التي استحالت إليها مطلع العام الحالي عقب توقيع مذكرتي التفاهم الأمني والبحري مع الحكومة التركية، والتي غيرت قواعد المعركة في أرض الواقع جراء الدعم التكتيكي واللوجستي الذي منحته الحكومة التركية للوفاق، وكان التغيير الأبرز الذي جلبه الدعم التركي للحكومة الليبية هو في مجال الجو، حيث ساهمت الطائرات المسيرة التركية في قلب سماء المعركة لصالح حكومة الوفاق بعد أن كان الجو ورقة حفتر الرابحة غالبا.

  • مواصلة الضغط.. والسيطرة على "الوطية"

ومع مواصلة حالة الهجوم المدعوم بالغطاء الجوي، تمكنت قوات الوفاق من السيطرة على قاعدة "الوطية" الجوية غربي العاصمة بعد محاولات عديدة استمرت على مدار الأسابيع الماضية، وتكمن أهمية "الوطية" بأنها كانت آخر تمركز عسكري مهم تملكه ميليشيات حفتر غرب طرابلس، كما تعد أخطر القواعد التي تنطلق منها العمليات العسكرية ضد العاصمة منذ بدء الحملة الهادفة إلى السيطرة على طرابلس مطلع العام الفارط.

تسبب الضغط الهجومي الذي تمارسه حكومة الوفاق في إلحاق هزائم متتالية في الغرب الليبي بقوات حكومة "شرق ليبيا" بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر التي تحاول منذ مارس/ آذار 2019، اقتحام العاصمة والسيطرة عليها، مما حدا بالقوات إلى إعلان انسحابها القسري هذا الشهر من العديد من المناطق المتاخمة للعاصمة الليبية طرابلس.

  • تضييق الخناق على "ترهونة"

في نفس السياق، أعطى انتصار "الوطية" دفعة معنوية كبيرة للقوات المتحالفة مع الحكومة الليبية، ما دفعهم إلى تشديد وطأة الحصار على بلدة "ترهونة" حتى يتمكنوا من تحريرها وإحكام سيطرتهم عليها، وتكمن أهمية "ترهونة" في أنها المعقل الرئيس لقوات حفتر في الشمال الغربي، وهو ما يشير إلى أهمية هذه المعركة بالنسبة لطرفي الصراع.

فمن ناحية الميليشيات، أرسل حفتر قوات لفك الحصار عن ترهونة بقيادة محمود الورفلي، أحد مجرمي الحرب والمطلوب لمحكمة الجنايات الدولية والمسمى "قائد الإعدامات"[13]، غير أن ذلك لم يؤثر كثيرا في سير المعارك على الأرض، نظرا لسيطرة الوفاق الجوية وقصفها المتكرر لخطوط الإمداد التي تصل للبلدة.

ومن المتوقع أن تُحرر ترهونة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، خصوصا بعد القصف المتكرر الذي تشنه طائرات الوفاق على خطوط الإمداد التي تصل لقوات حفتر في ترهونة من قاعدة الجفرة[14]، علاوة على أن معظم الإمدادات البشرية التي تأتي للبلدة هي من المرتزقة الأجانب، مما يشير إلى نقص في المقاتلين لدى حفتر.

  • انقلاب حفتر أربك جبهته داخليا

فجَّر إعلان حفتر تنصيب نفسه حاكما للبلاد نهاية الشهر المنصرم ارتباكا في معسكره الداخلي، حيث بدا حفتر متجاهلا حلفاءه في مجلس النواب الذين أعطوه الشرعية واستخدمهم كواجهة مدنية دستورية طيلة السنوات الماضية، علاوة على إسقاطه بشكل كامل سائر الاتفاقات السياسية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة والتي يمكن أن يُستَند عليها في أي حل مستقبلي للأزمة الليبية.

تجاهل حفتر لمجلس النواب صَدَّر للواجهة خلافا كامنا تبرز بعض مظاهره بين الفينة والأخرى بينه وبين رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، وكذلك ظهيره القبلي المتمثل في قبيلة "العبيدات" وبعض القبائل المقربة منه.

فبعد تجاهل حفتر للمبادرة التي أطلقها صالح قبيل أسبوع من إلقاء حفتر لبيانه، ظهرت بوادر توتر عسكري في الجنوب الشرقي لليبيا، حيث شنت إحدى فصائل كتيبة "طارق بن زيد"، التي يقودها صدام نجل حفتر، على الكتيبة 102 مشاة في منطقة "مرتوبة"، واعتقلت آمرها، حسين العبدي، وصادرت أسلحتها، وتعد هذه الكتيبة أقوى الأذرع العسكرية لقبيلة العبيدات التي يعتبر "عقيلة صالح" زعيمها الحالي[15].

جاء ذلك إثر إصدار شباب القبيلة بيانا استنكروا فيه بيان حفتر وتنصيب نفسه حاكما للبلاد، وجددوا فيه دعمهم لمجلس النواب ورئيسه، وأعلنوا كذلك دعمهم للمبادرة السياسية التي أطلقها رئيس مجلس النواب، والتي لم يُذكر فيها اسم حفتر على الإطلاق. فهل ستسفر هذه الخلافات المستمرة عن سحب برلمان طبرق (عقيلة صالح) دعمه للجنرال خليفة حفتر؟ ربما.

كذلك من نتائج إسقاط حفتر لجميع الاتفاقات السياسية المعترف بها دوليا أنه لم يجد لنفسه ظهيرا دوليا أو إقليميا يبارك خطوته تلك، فالولايات المتحدة ذكرت أن "التغييرات في الهيكل السياسي الليبي لا يمكن فرضها من خلال إعلان أحادي الجانب"[16]، كذلك أعربت روسيا، وهي من البلاد الداعمة لحفتر، عن أن الخطوة التي اتخذها حفتر كانت "مفاجئة" للجانب الروسي[17]، والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي كذلك أعلنا رفضهما لبيانه، حتى أن الحليف الأقرب "الإمارات" لم يستطع أن يعلن دعمه، بل اكتفى البيان الصادر عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي بتجاهل بيان حفتر تماما، بالإضافة إلى دعوة شكلية لكافة الأطراف الليبية باحترام العملية السياسية.

  • البيان الخماسي.. محاولة للضغط على تركيا

بالتزامن مع الهزائم المتتالية التي ألحقتها حكومة الوفاق بميليشيات حفتر، أصدرت 5 دول في 11 مايو/ أيار 2020 2020 بيانا مشتركا تدين فيه التدخل التركي في ليبيا، وتعتبر أن مذكرتي التفاهم الأمنية والبحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية مخالفتان للمواثيق الدولية والقوانين البحرية، ونددوا بالتحركات التركية "غير القانونية" الجارية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص (اليونانية) ومياهها الإقليمية. الدول الخمس التي شاركت في الاجتماع هي قبرص واليونان وفرنسا ومصر، وانضمت إليهم الإمارات العربية المتحدة[18].

قد يبدو الأمر طبيعيا لو أن البيان صدر عن الدول الأربع عدا الإمارات، حيث أن جميع هذه الدول هي دول متوسطية تجمعها مصالح مشتركة في البحر المتوسط، إلا أن الغريب هو انضمام الإمارات التي ليس لها ناقة ولا جمل في المتوسط، وهو ما يطرح تساؤلا حول الأهداف الحقيقية من هذا البيان. وهو ما حدا باعتبار أنقرة البيان الصادر من الدول الخمس "نموذجا للنفاق"[19]، حسب وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي. وهو كذلك يستغرب تدخلَ مصر في قضية كهذه للوقوف بجانب اليونان أو قبرص، ذاكرا أن مصر فضلت التخلي عن حقوق الشعب المصري بدلا من حماية مصالحه، في إشارة إلى أن الاتفاق التركي-الليبي يعيد لمصر حقوقها بشكل كامل في غاز شرق المتوسط.

هذه المؤشرات قد تشير إلى أن هذا الضغط الدبلوماسي الممارس من قبل الإمارات ومصر هو في إطار الصراع الإقليمي بينهما وبين تركيا، وخصوصا الصراع الدائر في ليبيا، والذي يبدو أن الكفة فيه باتت في الآونة الأخيرة تميل شيئا فشيئا ناحية الجانب الذي تدعمه الحكومة التركية. فالفضل في الانتصارات التي أحرزتها حكومة الوفاق يعود للدعم التركي، وعليه، فإن الضغط الدبلوماسي من حلفاء حفتر عن طريق تشكيل محور دولي قد يعد محاولة من هذه الدول للضغط على تركيا، في محاولة لإثنائها عن دعم حكومة الوفاق، وكذلك التنازل عن بعض حقوقها في غاز شرق المتوسط.

  • الجزائر تسعى للفاعلية على الساحة الليبية

"حرام على بلابله الدوح.. حلال للطير من كل جنس".. يبدو أن هذا البيت الشعري مطابق لما يحدث في القضية الليبية التي تداخل فيها -سلبا أو إيجابا- الشرق والغرب، بيد أن جيرانها رفقاء التاريخ والحاضر والمستقبل ليس لهم في حسم هذه المعركة ناقة وجمل. فبلاد المغرب العربي التي تربطها مع ليبيا جذور تاريخية مشتركة، ومصير واحد، بعيدون كل البعد عن الفاعلية والتأثير على أرض الواقع الليبي.

فرغم أن جميع بلاد المغرب العربي تدعم حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، إلا أن هذا الدعم لم يتخط الحدود الدبلوماسية والبيانات الصحفية. وهو ما يجعل مواقفهم بلا أثر يذكر. في حين أن أيا ما كان يحدث أو سيحدث في ليبيا سيؤثر -بلا شك- على مصالحهم وأمنهم القومي. فهم الأحق أن يكون لهم صوت في هذه المعركة.  من أهم هذه الدول هي الجزائر التي تمتد على طول الحدود الشرقية للجمهورية الليبية.

يبدو أن دوائر متعددة في جزائر ما بعد الثورة بدأت تدرك ضرورة أن يكون للجزائر دور فيما يجري على الأرض الليبية، خصوصا بعدما بدأ الصراع الليبي الداخلي ينتقل رويدا رويدا إلى الحدود الشرقية المتاخمة لحدود الجزائر، وألا يقتصر دورها على الدعم السياسي أو الدبلوماسي فقط.

ظلت الجزائر تشعر أنها مقيدة اليدين بسبب إكراهات دستورية تمنع الجيش من إرسال أي وحدات خارج البلاد لأي سبب كان. إلا أنه بقدوم الرئيس عبد المجيد تبون للسلطة في ديسمبر/ كانون الأول 2019، أدرك الرئيس والدوائر المقربة منه ضرورة التأثير في الشأن الليبي، وأدركوا كذلك العائق الدستوري الذي يحول دون تحقيق ذلك، وهو ما حدا بالرئيس إلى الإسراع في إعداد مسودة دستور جديد وطرحها للنقاش المجتمعي[20]، ونُص فيها لأول مرة على فتح المجال للقوات المسلحة الجزائرية أن ترسل وحداتها إلى خارج البلاد ما إن رأت في ذلك جلبا لمصلحة أو درءا لمفسدة تخص الأمن القومي الجزائري، وهو ما يُنبئ بتغيير جذري ولافت في العقيدة العسكرية للجيش الجزائري[21].

يذكر أن حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، هي آخر حرب شاركت فيها وحدات من الجيش الجزائري على الجبهة المصرية، لكن وبعد صياغة ثاني دستور للجزائر المستقلة عام 1976، تضمن منع أية مشاركة للجيش في عمليات قتالية خارج الحدود، ودخل الجيش الجزائري في صلب عقيدة دفاعية بحتة.

هذا التغير الذي تتهيأ له العسكرية الجزائرية يأتي استجابة للتطورات التي شهدتها منطقة شمال إفريقيا ومنطقة الساحل في العقدين الأخيرين خاصة، وتضرر المصالح الإستراتيجية والعمق الأمني للجزائر في عدة دول كمالي والنيجر وليبيا وتونس أيضا، سواء بسبب وجود المموات المسلحة في نطقة السل أو قاعد عسكرية لدول إقليمية وغربية كما في مالي والنيجر، أو بسبب توترات وحروب أهلية كما هو الشأن في ليبيا.

يبدو أن الرئيس تبون يولي أمر ليبيا اهتماما خاصا، نظرا لما تعنيه القضية الليبية بالنسبة للعمق الجزائري، حتى أن تبون كرر حديثه عن الرغبة في الاشتباك والتماس مع القضية الليبية غير مرة، بل وحاول كذلك رعاية حوار ليبي-ليبي كان مزمعا عقده في فبراير/ شباط 2020[22]، إلا أن عوامل متعددة لم تكتب لهذا الحوار أن يُعقد، بيد أن الرئيس هاجم أطرافا إقليمية -لم يُسَمّها- عرقلت حل القضية الليبية لأسباب جيوسياسية، معتبرا أن تخوف هذه الجهات كان من عودة الثقل الجزائري في المشهد الليبي، في تفسير لعرقلة عقد الحوار المذكور آنفا.

الحالة العراقية

  • وأخيرا.. العراق يختار رئيسا للوزراء

نجحت العراق أخيرا في التوافق على مصطفى الكاظمي، مدير المخابرات السابق، رئيسا للوزراء، بعد محاولات استمرت نحو 6 أشهر منذ إجبار حكومة عادل عبدالمهدي على الاستقالة نهاية العام الماضي إثر الضغط الشعبي الكبير المتمثل في الاحتجاجات الشعبية التي عمت البلاد منذ العام الماضي. وخلال 10 أسابيع، تم تكليف 3 مرشحين لخلافة عبد المهدي، إلا أن أيا منهم لم ينجح في تخطي عقبة البرلمان سوى الأخير.

وحظي الكاظمي و15 من تشكيلته الوزارية بثقة نواب البرلمان، بينما رُفِض 5 وزراء، وأُجّلت المناقشات حول مرشحيْن لعدم مقدرة الأحزاب على حسم أمرها بخصوصهما[23].

لكن بعد مرور نحو 20 يوما من منح حكومة الكاظمي الثقة، لم يستطع بعد -حتى اللحظة- ملء المقاعد الوزارية الشاغرة، ملقيا باللوم على تلاعب الأحزاب والفصائل، وذاكرا أن مهمته في إكمال تشكيلته الحكومية باتت صعبة بسبب مناورات بعض الأطراف السياسية.

لم تختلف هذه الحكومة في تكوينها وآليات تشكيلها عن سابقاتها، فالمحاصصات الحزبية كانت هي المسيطرة على التشكيل، وإملاءات الفصائل المسيطرة على المشهد كانت هي العامل الرئيس في الموافقة النهائية من قبل البرلمان على الحكومة، بل إن أنباء متعددة أشارت إلى أن عددا من الفصائل التي سحبت دعمها للحكومة كان بسبب عدم حصولها على حقيبة وزارية بعينها. وهو ما قد يلقي بظلال الشك حول ما إن كانت هذه الحكومة ستتمكن من تقديم شيء مختلف عن سابقاتها، علاوة على إعطاء نظرة مستقبلية حول مآلات هذه الحكومة وأثرها العملي في واقع العراق ومستقبله.

  • تحديات في وجه الحكومة الجديدة

تواجه الحكومة الجديدة -غير المكتملة حتى كتابة هذه السطور- العديد من التحديات الداخلية والخارجية على السواء. أولى هذه التحديات هو القدرة ابتداء على إكمال تشكيلتها الوزارية والتغلب على المناورات السياسية والحزبية.

كذلك فإن الحكومة أمام تركة اقتصادية ثقيلة خلفتها سنون الحرب والفوضى، والتي زيدت وطأتها إثر انخفاض أسعار النفط وتبعات جائحة كورونا، وهنا يكمن تحدٍّ جديد أمام الحكومة، فالحكومة لم تضع بعد خطة التعامل مع الفيروس وسبل حصره ومواجهته، ولم تُضَمِّن ذلك في منهاجها الوزاري الذي قدمته لمجلس النواب قبيل جلسة منح الثقة التي عُقدت في 7 مايو/ أيار 2020.

يبرز تحدٍّ آخر في قدرة الحكومة على التعامل مع صراع النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، والذي تصاعد وتعقد بشكل كبير عقب اغتيال الولايات المتحدة للجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، وأبي مهدي المهندس، نائب قائد الحشد الشعبي، في غارة شنتها واشنطن قرب مطار بغداد. والمسرح الذي تتصارع فيه كلا البلدين هو العراق، والثمن الذي تدفعه كلا البلدين هو من موارد العراق البشرية والمادية.

والوسيلة التي تُغذي هذا الصراع وتؤججه هي الفصائل المسلحة الولائية، وهنا يبرز تحدٍّ آخر للحكومة في مواجهة هذه الفصائل، حيث إن هذه الفصائل تتنافس فيما بينها في سباق تسلح محموم[24]، وهو ما يسقط هيبة الدولة ويكبل يدها أمام تلك الفصائل، والتي غالبا ما يكون لها ولاءاتها الخاصة خارج العراق.

علاوة على ظهور 3 ميليشيات عراقية مسلحة جديدة في الآونة الأخيرة[25]، وبالرغم من أن الفصائل الجديدة لم تعلن -على غير العادة- عن قيادتها أو متحدثيها الرسميين، إلا أنه يُرَجح أنها أذرع جانبية لإيران، وأنها انشطارات ذاتية متفق عليها بين هذه الفصائل الوليدة والأخرى السابقة.

عقبة أخرى بدأت في المعاودة مرة أخرى، فتنظيم الدولة الذي تلاشى في السنوات الماضية، بدأ في الظهور والنشاط مرة أخرى، فشن أعضاء التنظيم أكثر من 50 هجوما خلال بضعة أسابيع، وأسقطوا نحو 200 قتيل من فصائل الحشد الشعبي والعناصر الأمنية العراقية.

ينشط التنظيم من مناطق نائية في شمال البلاد، حيث يساعدهم في ذلك خلو هذه المناطق من السكان[26]، فسكان هذه المناطق كانوا قد نزحوا جراء عوامل الحرب في السنين الماضية، ولم تتخذ السلطات العراقية حتى الآن قرارا بعودة النازحين إلى ديارهم مرة أخرى. وهو ما جعل الفرصة سانحة للتنظيم في أن يرتب صفوفه ويعيد تنظيم أوراقه بعيدا عن أعين السكان أو الأجهزة الأمنية. وهو ما يفسر عملياته شبه اليومية في شمال العراق، وتحديدا في محافظات الأنبار وديالى وصلاح الدين وكركوك.

الكاظمي تجاهل في منهاجه الوزاري المقدم لمجلس النواب القرار الذي اتخذه مجلس النواب من شهور قليلة حول قرار طرد القوات الأجنبية الموجودة على أرض العراق. فالكيفية التي ستتعامل بها الحكومة مع تبعات هذا القرار غير معلومة حتى الآن.

الحراك الشعبي واحد من أهم هذه التحديات التي تواجه التشكيل الجديد، ستحاول الحكومة -بلا شك- أن تستوعب هذا الحراكَ حتى تخفف الضغط الشعبي عن كاهلها، ظهر ذلك جليا في القرار الأول الذي اتخذه رئيس الحكومة صبيحة منحه الثقة، فاتخذ الكاظمي قرارا بالإفراج عن جميع معتقلي الحراك خلال الأشهر السابقة، بالإضافة إلى تشكيل لجنة جديدة للتحقيق في أحداث قمع المتظاهرين التي استمرت في الشهور الماضية وخلفت أكثر من 700 قتيل ونحو 27 ألف مصاب[27]، في محاولة واضحة لمداعبة أو استمالة أفراد الحراك.

يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت ستستطيع الحكومة، التي انبثقت عن نفس الفئة والنخبة الحاكمة، ووُلِدت بنفس الآليات والمنطلقات التي كُوِّنت بها سابقاتها، أن تتخطى هذه العقبات والتحديات التي واجهت معظم الحكومات السابقة دون تقديم جديد يذكر.

الحالة اليمنية

  • تصاعد القتال.. واستمرار الهدنة الشكلية

على الرغم من أن اليمنيين لم يجنوا من الهدنة الأولى التي أعلنها تحالف دعم الشرعية، بقيادة السعودية (ومعها الإمارات شكليا في الوقت الحالي)، في 9 أبريل/ نيسان 2020، سوى اسمها، إلا أن التحالف جدد الهدنة شهرا آخر بعد الأسبوعين، وهي الهدنة التي لم تختلف نتائجها عن سابقتها.

فكما أتت الهدنة في المرة الأولى بنتائج عكسية وتسببت في تصاعد القتال بين جماعة "أنصار الله" بقيادة عبدالملك الحوثي، وبين التحالف العربي لدعم الشرعية الذي يدعم الحكومة الشرعية في اليمن برئاسة الرئيس عبد ربه هادي منصور.

فالدوافع التي أعلنها "أنصار الله" في الهدنة الأولى معللين بها رفضهم للهدنة الأحادية التي أعلنها التحالف لم يتغير منها شيء بالنسبة لهم، كانت رؤية الحوثيين أن الهدنة لمدة أسبوعين حيلة لا فائدة منها، إذ ما الفائدة من وقف إطلاق النار مع استمرار الحصار البري والجوي لليمنيين، ورأوا أن هذا الإعلان لا يتخطى كونه مناورة سياسية من قوات التحالف هدفها "التدليس وتضليل العالم"[28]، بحسب المتحدث الرسمي للحوثيين، محمد عبد السلام.

كما ذكر كذلك أنهم قدموا رؤية شاملة للأمم المتحدة تتضمن نهاية الحرب والحصار المفروض على اليمن، وأن مقترحهم سيضع الأسس الخاصة بإجراء حوار سياسي وتسيير فترة انتقالية[29].

وعليه، فإن الحوثيين رفضوا الهدنة بشكل كامل ما لم يصاحب ذلك إجراءات أخرى لفك الحصار البري والجوي المفروض عليهم. ويجدر الذكر أن حركة "الحوثي" تسيطر على العاصمة اليمنية، صنعاء، ومعظم الشمال اليمني منذ عام 2014، وهي واحدة من أهم الأذرع الإيرانية في المنطقة العربية. وهو ما لم يتغير في المرة الثانية، وعليه، فإن الحوثيين لم يكترثوا كذلك بالهدنة الثانية.

كذلك استمرت خروقات الطرفين منذ إعلان الهدنة الأولى حتى كتابة هذه السطور، فلم تتوقف الاشتباكات والخروقات اليومية، وواصل كل من الطرفين اتهام الآخر بالخرق وبدء القتال. فالتحالف يتهم الحوثيين أنهم نفذوا 3 آلاف و51 خرقا منذ إعلان الهدنة[30]، بمعدل 100 خرق يوميا. في حين رد الحوثيون الاتهام بأن التحالف يوسع دائرة إطلاق النار وينفذ أكثر من 48 غارة في اليوم الواحد[31].

  • حلفاء الإمارات.. انفصال حقيقي أم رغبة في التفاوض؟

على الرغم من الرفض الدولي والإقليمي الذي واجهه المجلس الانتقالي الجنوبي عقب إعلانه في 25 أبريل/ نيسان 2020، حالة الطوارئ في العاصمة المؤقتة، عدن، وباقي المحافظات الجنوبية، وإعلانه كذلك عن تطبيق نظام "الحكم الذاتي" لهذه المناطق بعيدا عن إدارة الحكومة الشرعية[32]. فبالرغم من الرفض الدولي والإقليمي لهذه الخطوة، إلا أن المجلس لم يتراجع عن خطوته حتى الآن.

ومن جانبها، دعت السعودية الانفصاليين بالتراجع عن خطوتهم في 27 أبريل/ نيسان 2020، وأن تعود الأوضاع إلى ما قبل إعلانهم حالة الطوارئ [33]، إلا أن الرد من قبل الانفصاليين أتى متأخرا نحو 5 أيام، ثم جاء بيانهم متجاهلا ذكر الإجراءات الاستثنائية "التمردية" التي اتخذوها[34]، وقفز البيان مباشرة للحديث عن التفاوض على الجانبين، السياسي والاقتصادي، من اتفاق الرياض المتعثر (اتفاق عُقد في الرياض في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 بين المجلس الانتقالي الجنوبي وبين الحكومة الشرعية).

بيان المجلس الانتقالي في 2 مايو/ أيار 2020 يفسر لهجة بيانه الذي أعلن فيه حالة الطوارئ والحكم الذاتي، فالمجلس الذي يدعو مرارا وتكرارا إلى فكرة انفصال الجنوب، لم يذكر في بيانه ذاك أي ذكر لقضية الانفصال، مما فُسِّر حينها أن المجلس لا يريد أن ينقلب بالكلية على اتفاق الرياض أو الحكومة الشرعية (على الأقل حتى وقتنا الحالي) بغض النظر عن دوافعه، حيث إن البعض يرى أن العزوف عن فكرة الانفصال هي رغبة من المجلس في تحمل المسؤولية الكاملة عن شعب الجنوب في الوقت، نظرا للأوضاع الصحية والاقتصادية المتردية، خصوصا بعد ظهور فيروس كورونا واكتشافه في اليمن.

بيان 2 مايو/ أيار 2020 يؤكد نفس النقطة، فالبيان تجاهل الحكم الذاتي وحكم الطوارئ، واتجه مباشرة للتفاوض على بنود اتفاق الرياض، مما يشي أن إجراءات المجلس تهدف في النهاية إلى تحسين شروط التفاوض، وحصد أكبر مكسب سياسي ممكن، وليس الانفصال أو التمرد الكامل.

يبدو أن المجلس يسعى لانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية باعتباره سلطة الأمر الواقع. فالبيان يشير إلى أن إلغاء الإدارة الذاتية مشروط بالمضي قدما في تحقيق الجانبين، السياسي والاقتصادي، من اتفاق الرياض، وغض الطرف عن الجانب الأمني والعسكري من الاتفاق. فتفعيل الجانب السياسي والاقتصادي كانت هي مطالب المجلس الأساسية قبل 6 أشهر.

الجانب السياسي يعني -بالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي- شرعنة لجميع الخطوات التي اتخذها المجلس منذ العام الماضي، وموافقة دولية على خطواته التي رُفضت من قبل، علاوة على اعتباره شريكا أساسيا في الحكم، وليس طرفا انقلابيا. والجانب الاقتصادي سيعطي المجلس حقّ الشراكة في المؤسسات الرقابية والسيادية على المال العام، والذي يتهم الحكومة اليمنية الشرعية بإهداره والفساد في توزيعه. والجانب الأمني والعسكري يعني تسليم الأسلحة الثقيلة المملوكة للمجلس الانتقالي للحكومة الشرعية.

ما يعرقل تنفيذ بنود انعدام الثقة المتبادل بين الأطراف المختلفة ذات الصلة، خاصة مع إصرار حلفاء الإمارات على إشعال حروب جديدة في سقطرى وحضرموت، ومواصلة التحشيد في محافظة أبين، واغتيال جنود من القوات الحكومية.

فالحكومة ترى تسليم الأسلحة، ثم إشراكهم في الحكم. بينما يرى المجلس تنفيذ الاتفاق عن طريق إشراكهم في الحكومة مناصفة بين الشمال والجنوب، ثم بعد ذلك تُسلّم الأسلحة للحكومة، حيث إنهم يرون أن تسليم أسلحتهم يعني فقدهم لأهم عناصر قوتهم.

وبين الحكومة الشرعية والحوثيين والانفصاليين، يكافح اليمنيون تحت وطأة الفقر والجوع والمرض، آملين في يمن سعيد مستقر يحقق لهم الأمن والرفاه.

الحالة السورية

  • روسيا تعين مبعوثا في سوريا.. احتلال جديد؟

في قرار مفاجئ وغير مستساغ في الأعراف الدبلوماسية، عين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم 23 مايو/ أيار 2020 ألكسندر يفيموف مبعوثا روسيا خاصا لتحسين العلاقات مع سوريا[35]. وبالرغم من التكتم الإعلامي على تداعيات هذا القرار بسبب شح المعلومات الواردة من روسيا، وكذلك من النظام السوري، إلا أن هذا القرار يطرح العديد من الأسئلة حول الدور الذي ترسمه روسيا لنفسها في الأرض السورية.

يأتي القرار مشابها لتلك القرارات التي تتخذها الدول المحتلة لتدير البلدان التي تحتلها، حيث تعلن دولة الاحتلال انتداب مبعوث خاص لها يدير شؤون البلد المستعمرة، مثل ما حدث في أواسط القرن الماضي من انتدابات بريطانية وفرنسية على البلدان العربية، وكذلك مثل تعيين السفير الأميركي بول بريمر رئيسا للإدارة المدنية للإشراف على إعادة إعمار العراق في 2003 وبات عمليا حاكم العراق الفعلي.

يمكن القول بشكل واضح: إنه لا يمكن التعويل على النظام السوري في الحفاظ على الاستقلال السوري، فالذي استدعى دخول قوات أجنبية إلى الأرض السورية هو النظام السوري نفسه، علاوة على أن الانهيار السياسي والاقتصادي الذي يعاني منه النظام السوري يجعل نظام بشار غير قادر على التخلي عن حليفه الأقوى، والذي بفضله حافظ على موضعه على رأس السلطة حتى اللحظة.

يأتي القرار الروسي كذلك إثر تصعيدات أميركية وإسرائيلية ضد الدور الإيراني في سوريا، بل إن إسرائيل قد قصفت بالفعل مواقع في الأراضي السورية عليها تجمعات لقوات إيرانية أو حليفة لإيران.

من الممكن أن هذه التدخلات الأخيرة قد مثلت تخوفا لدى الجانب الروسي حول الدور الإسرائيلي والأميركي في المنطقة، خصوصا في ظل السياسة الروسية المتجهة نحو الشرق الأوسط في العقد الأخير، والساعية للتموضع في المناطق التي تنسحب منها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

فهل يعتبر القرار الروسي الجديد احتلالا جديدا؟ أم أنه مجرد تنسيق للعلاقات بين البلدين؟ تحركات المبعوث الروسي خلال الأيام القادمة هي التي ستجيب عن هذا السؤال المطروح.

وفي ظل التكتم الإعلامي، سيكون لزاما على المتابعين للشأن السوري رصد ومتابعة التحركات التي يقوم بها المبعوث الروسي حتى يتمكنوا من الوصول إلى حقيقة الدور الروسي في سوريا.

  • استمرار خرق الهدنة

على الرغم من مضي أكثر من 80 يوما على توقيع الاتفاق الروسي-التركي لوقف إطلاق النار في مناطق خفض التصعيد في إدلب وما جاورها، بعد قمة عُقدت بين الرئيسين، بوتين وأردوغان، في العاصمة الروسية، موسكو، في 5 مارس/ آذار 2020، إلا أن الخروقات والمناوشات المسلحة بين أطراف النزاع لم تتوقف على الأرض بشكل فعلي حتى الآن.

بالتأكيد، تلاشت الاشتباكات المباشرة وهدأ التصعيد، ولكن الخروقات ظلت مستمرة لم تتوقف على مدار الثلاثة أشهر الماضية. فبشكل شبه يومي، تندلع اشتباكات بين قوات النظام والميليشيات الإيرانية الداعمة له، وبين فصائل المعارضة السورية، ومن خلفه القوات التركية الداعمة لها.

ورغم استمرار هذه الخروقات في أحايين كثيرة هذا الشهر، وهو ما يشي باستمرار إلى التخوف من انهيار الاتفاق الروسي-التركي، إلا أن ذلك لم يكن المؤثر الأبرز على الساحة السورية هذا الشهر. فهناك متغيرات أكبر قد تؤثر على مستقبل الأحداث في سوريا.

  • تصاعد التوترات في الجبهة الثورية

تصاعد التوترات في الجبهة الداخلية للثورة السورية يشير إلى مفارقة حاسمة في موقف الثورة وداعميها. فالخلافات بين الحليف التركي والجيش الوطني الحر من جهة، وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) من جهة أخرى، تأخذ منحى متصاعدا، ولا أمل في الوصول لاتفاق سلس يبدو في الأفق، نظرا لإصرار الطرفين على وجهات نظرهما.

بدأت الخلافات في الطفو على السطح بين تحرير الشام والقوات التركية إثر خلافات على بنود الاتفاق التركي-الروسي في مارس/ آذار الماضي، فالهيئة ترفض تسيير دوريات تركية-روسية مشتركة على الطريق الدولي حلب-اللاذقية والمعروف بـ "M4"، وهو بند مهم من بنود الاتفاق التركي-الروسي، وحتى كتابة هذه السطور، لم تتمكن القوات التركية والروسية من تسيير دوريات مشتركة على كامل الطريق الدولي، بسبب الاعتصام الذي يقطع الطريق على القوات المشتركة.

وبعد نحو شهرين من الاعتصام وعرقلة تنفيذ الاتفاق التركي-الروسي، حاولت القوات التركية فض الاعتصام نهاية شهر أبريل/ نيسان 2020، واستخدمت في ذلك القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي، وخلفت الاشتباكات نحو 5 قتلى في صفوف المعتصمين[36]، والذين اكتشف بعد ذلك أن جميعهم منتمون إلى "هيئة تحرير الشام" أو "حكومة الإنقاذ" التابعة لها، مما يلقي بظلال الشك حول طبيعة الاعتصام ومنظميه ومحركيه.

سقوط ضحايا كان سببا في تصاعد الأحداث، فردا على سقوط ضحايا، قامت عناصر من الهيئة باستهداف نقطة تركية قرب بلدة النيرب بقذائف الهاون، ليرد بعدها الجيش التركي من خلال طائرة مسيرة استهدفت الموقع الذي انطلقت منه القذائف، ما أسفر عن تدمير الموقع ومقتل وجرح عدد من عناصر الهيئة التي كانت موجودة في المكان[37]. واستمرت التوترات بعض الوقت حتى ساد الهدوء الحذر العلاقات.

  • خلاف آخر بين هيئة تحرير الشام وتركيا

خلاف آخر بين "تحرير الشام" والجانب التركي تبرز ملامحه في رغبة الهيئة إقامة معبر حدودي مع النظام السوري، وهو ما لا يريده الأتراك، ولا يؤيده معظم المدنيين كذلك، حيث إن فتح المعبر قد يكون عاملا في انتشار فيروس كورونا، كذلك فإن إقامة الحدود مع النظام تعني ضمنيا الاعتراف بالحدود الحالية بين النظام والمعارضة، وهو ما يتخوف منه النازحون الذين يأملون أن يعودوا مرة أخرى إلى مساكنهم في مناطق خفض التصعيد، علاوة على أن التبادل التجاري مع النظام سيؤدي لارتفاع الأسعار على المواطنين، نظرا لأن الهيئة تفرض ضرائب باهظة على البضائع الواردة والصادرة[38].

يبدو أن إصرار الهيئة على فتح المعبر يعود إلى المكاسب المادية التي ستعود عليها حال تنشيطه، ومن المرجح أن سببا رئيسا من أسباب الرفض التركي للمعبر هو ألا تتنفس الهيئة الصعداء جراء الدعم المادي الذي ستحظى به، خصوصا في ظل توارد الأنباء عن المحاولات التركية في تغيير بنية هيئة تحرير الشام أو دمجها، وقد يكون تجفيف المنابع وقطع الدعم والتمويل عن الهيئة أحد الوسائل الهامة التي تتبعها الحكومة التركية بهدف تضييق الخناق وإضعاف بأسهم، وهو بالتأكيد ما تتخوف منه الهيئة، خصوصا أن انقطاع الدعم المادي قد يؤدي إلى انتقال العديد من مقاتليها إلى "الجبهة الوطنية للتحرير" التي تشهد إعادة هيكلة في 6 ألوية بإشراف القوات التركية المسلحة[39].

  • الخيارات التركية في مواجهة التحديات الداخلية

مما لا شك فيه أن هذه الأوضاع تمثل عقبة أمام الجانب التركي، فمن ناحية يمثل له هذا الموقف حرجا أمام القوى الدولية، سواء روسيا أو الولايات المتحدة، فالجميع يطلب منه حل إشكالية الجماعات والفصائل "الراديكالية"[40].

ومن ناحية أخرى يحاول الجانب التركي حل هذه الإشكالية، إما عن طريق الدمج والانفصال، وإما عن طريق الحل العسكري حال نفاذ جميع الوسائل الأخرى، إلا أن هناك عقبة ستقابل الجانب التركي حال جنوحه ناحية الحل الأخير، هي أن الهيئة وعناصرها يتمترسون وسط المدنيين، وهو ما سيمثل عبئا كبيرا عليهم حال أرادوا تنفيذ الحل العسكري.

وأخيرا يمكن القول: إن تصاعد هذه الخلافات داخل الفصائل المسلحة يضعها ويضع تركيا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تقبل هذه الحركات أن تندمج -ولو بشكل شكلي- في الجيش الحر والفصائل المعارضة المدعومة من تركيا، وهي بذلك تحفظ نفسها من الحل والاجتثاث، وتقوي كذلك الجبهة المعارضة، أو أنها لن تقبل الاندماج وترفض التفاهمات، فلن يكون هناك خيار حينها إلا المواجهة والاجتثاث، وتندلع حرب داخلية طرفاها تركيا والجيش الحر والفصائل المعارضة، والطرف الآخر "هيئة تحرير الشام" و"حراس الدين" و "الحزب الإسلامي الكردستاني"، وهو ما سيضعف بالتأكيد جبهة الثورة، وقد يكون ذلك مقدمة لتدهور الأوضاع -أكثر مما هي عليه الآن- في إدلب والمناطق القليلة الخارجة عن سيطرة النظام أو قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقد يمثل ذلك ذريعة لتدخل الروس في تلك المناطق إذا ما أخفقت تركيا في احتواء تلك الحركات ودمجها أو القضاء عليها.


المحور الثالث: الاقتصاد العربي

الاقتصاديات العربية لم تدفعها أزمة كورونا إلى أية جهود تعاونية على الصعيد الاقتصادي والصحي لمواجهة الأزمة، على الرغم من مرور نحو نصف عام من انطلاقها في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2019، ولم تستحضر المنطقة العربية مخاطر هذه الحالة من التشرذم في ظل ضبابية مستقبل الاقتصاد العالمي، والسيناريوهات المفتوحة لمخاطر أزمة كورونا، بسبب عدم التوصل لمصل أو لقاح للفيروس.

على الرغم من أن الأمر يمثل فرصة لتحقيق حالة من التعاون العربي، حتى ولو جزئيا في الجانب الاقتصادي والصحي، ولكن الصورة الحالية تعكس واحدة من المفارقات العربية التي تحكم العلاقات البينية العربية منذ ما يزيد عن 7 عقود.

ويرصد محور الاقتصاد العربي هذا الشهر موضوعين مهمين، وهما: ما اتُّخذ من قرارات من قبل بعض الدول النفطية العربية، تخص تخفيض الإنفاق العام بها، وهو ما يعني تراجع الخدمات العامة، وزيادة حدة معدلات البطالة والفقر.

والموضوع الثاني أثر أزمة كورونا على الاقتصاد العراقي، وهو اقتصاد ريعي نفطي، على الرغم من إمكانية تحوله إلى اقتصاد متنوع في الأجل القصير، لولا حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني من جهة، ومن جهة أخرى، معاناة العراق من الآثار البيئة السلبية الناتجة عن الاعتداءات التي تمت من قبل القوات الأميركية والغربية أثناء احتلاله في عام 2003.

كورونا والنزاعات تجبران بلدان عربية نفطية على تخفيض إنفاقها العام

في إطار التداعيات السلبية لأزمة كورونا، والتي تمثلت أهم جوانبها في استمرار انخفاض أسعار النفط في السوق الدولية، بما يؤدي إلى إلحاق الضرر الجسيم بالاقتصاديات العربية النفطية، اتجهت كل من ليبيا والسعودية والجزائر في مايو/أيار 2020 باتخاذ قرارات بتخفيض الإنفاق العام بميزانياتهم لعام 2020.

وكانت البحرين في أبريل/نيسان 2020، قد سبقت هذه الدول الثلاث بتخفيض قيمة الإنفاق الحكومي بنسبة 30%[41]، وهو ما مثل مؤشرا مبكرا على التراجع الكبير في اقتصاديات الدول النفطية العربية، وإن كانت مملكة البحرين، تعد من أصغر الاقتصاديات العربية النفطية، وتعاني من أوضاع مالية سلبية بشكل كبير، منذ أزمة انهيار أسعار النفط في منتصف 2014، ومؤخرا لجأت البحرين لطرح سندات دولية بقيمة، 2 مليار دولار في 8 مايو/أيار 2020، من أجل سداد العجز الكبير في الموازنة[42].

وفي مطلع مايو/أيار 2020، صرح محمد الجدعان وزير المالية السعودي، بأن بلاده سوف تجري ترشيدا للإنفاق العام في ميزانية 2020 بسبب التداعيات السلبية لأزمة كورونا، وأنه سيتم رفع توصيات لمجلس الوزراء بهذه الإجراءات.

وأفاد الجدعان بأن استدامة المالية العامة لبلاده تتطلب اتخاذ إجراءات صارمة، وقد تكون مؤلمة، ولكن الحكومة ستختار الأقل ضررا بالمواطنين. ولكن أزمة كورونا –حسبما وصفها الجدعان- غير مسبوقة، ومواجهتها تتطلب تلك الإجراءات، وأن بلاده سوف تقترض 58.4 مليار دولار في 2020[43].

وهو ما يظهر عمق الأزمة على واقع الاقتصاد السعودي، حيث تمثل الأثر في جانبين، تخفيض الإنفاق، بما له من دلالات على تراجع الاستثمار وزيادة البطالة، وفي نفس الوقت التوسع في الدين العام، سواء من السوق المحلي أو الدولي، ليتأكد اتجاه المالية العامة بالمملكة العربية السعودية، نحو استمر العجز بالميزانية، وكذلك الاستمرار في زيادة الدين العام، وذلك منذ بداية أزمة انهيار أسعار النفط في السوق الدولية منذ يونيو 2014.

ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي يعلن عنها وزير المالية السعودي عن عزم بلاده تخفيض الإنفاق العام، ففي مارس/آذار 2020 أعلن عن تخفيض الإنفاق العام بميزانية بلاده بنحو 50 مليار ريال (13.5 مليار دولار) وبما يمثل نسبة 5% من إجمالي الإنفاق العام المقدر بنحو 272 مليار دولار في 2020 [44].

أما في ليبيا فقد أعلن فرج بومطاري وزير المالية بحكومة الوفاق الليبية والتي تتخذ من طرابلس مقرا لها، أنه تقرر تخفيض الإنفاق العام خلال 2020 إلى 40 مليار دينار (28.5 مليار دولار) بسبب إغلاق موانئ نفطية، وأـن هذا التخفيض لن يمس قطاعات مهمة مثل الصحة والتعليم[45].

وحسب بيان للمؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، فإن حالة الحصار المفروضة على المؤسسات النفطية من قوات حفتر والمتحالفين معه منذ 19 يناير/كانون الثاني 2020 وحتى الآن اقتربت من 5 مليارات دولار، وقد تدنت الصادرات النفطية الليبية بشكل كبير نتيجة هذا الحصار، وأن الإيرادات السيادية للبلاد بلغت نسبة 10% من رواتب العاملين بالدولة[46].

يذكر أن حكومة الوفاق كانت قد أعلنت في أكتوبر/تشرين الأول 2019، أن ميزانية البلاد في 2020 ستكون بقيمة 48 مليار دينار (34 مليار دولار)، ولكن الظروف التي تمر بها البلاد من حالة نزاع مسلح، أثرت على إنتاج النفط، وفي نفس الوقت أثرت أسعار النفط المتراجعة في السوق الدولية، على الإيرادات المتوقعة لليبيا في 2020[47].

 وكانت الميزانية الليبية المقدمة من حكومة الوفاق في أكتوبر/تشرين الأول 2019، لا تتضمن عجزا أو دينا عاما، ولكن ذلك يرجع لطبيعة الظرف الذي تحياه ليبيا، ولكن إذا كللت الجهود التي تبذلها حكومة الوفاق بالنجاح، بعد انتصاراتها على قوات المنقلب حفتر في مايو/أيار 2020، وأسفرت عن حالة من الاستقرار، والدخول في عمليات إعادة الإعمار، وكذلك استعادة حياة اقتصادية كاملة، فسوف يتوجب ذلك لجوء ليبيا بلا شك إلى الاقتراض من الخارج، أو إقامة مشروعات البنية الأساسية عبر آلية ( P O T).

فالحياة الاقتصادية في ليبيا شبه متوقفة بسبب الحرب، وانطلاقها بلا شك سيكون في أجواء مختلفة، عما كان عليه الوضع في عهد القذافي، وسيكون للقطاع الخاص دور أكبر في الحياة الاقتصادية، ولكن البنية الأساسية وإعادة الإعمار ستكون مهمة الدولة، وهو ما سيتطلب المزيد من التمويل، وكانت ليبيا بعد الثورة وقبل الدخول في دوامة النزاعات المسلحة، تفكر في اللجوء لصندوق النقد الدولي والحصول على قرض بنحو 10 مليارات دولار، كما كانت هناك مساعي من قبل حكومة الوفاق للحصول على أرصدة الصندوق السيادي الليبي المجمدة حاليا في الخارج.

 وفي الجزائر، تم إقرار ميزانية عام 2020، من قبل المجلس الشعبي الوطني في نوفمبر 2019،، بإنفاق عام قيمته 65 مليار دولار، متراجعا بنحو 7 مليارات دولار عما كان عليه الوضع في ميزانية 2019، التي كان الإنفاق العام بها يبلغ 72 مليار دولار[48]. 

 ولكن حكومة الجزائر، قررت تقليص الإنفاق في مطلع مايو/أيار 2020 ليصل إلى 50%، بعد أن كانت اتخذت قرارها في مارس/آذار 2020 بتخفيض قيمة الإنفاق العام بالميزانية بنحو 30%.

وتأتي هذه الخطوات بسبب التداعيات السلبية لأزمة كورونا على أسعار النفط في السوق الدولية، حيث قدرت الحكومة الجزائرية إيراداتها النفطية بنهاية 2020 إلى 20.6 مليار دولار، بعد أن كانت ترى أنها ستكون عند 37.4 مليار دولار[49].

 وكانت شركة سوناطراك الجزائرية العاملة في مجال النفط، هي أكبر المتأثرين بقرار تخفيض الإنفاق العام، حيث طالبتها الحكومة بتخفيض استثماراتها من 14 مليار دولار إلى 7 مليارات دولار فقط.

وتمثل عوائد النفط لدولة الجزائر نسبة 60% من إجمالي إيراداتها العامة، ونحو 93% من صادراتها السلعية، ولذلك أثر تراجع أسعار النفط بشكل كبير على رصيد احتياطي النقد الأجنبي هناك بشكل كبير، وحسب توقعات الحكومة، فسوف يصل هذا الاحتياطي إلى 44.2 مليار دولار بنهاية 2020، بعد أن كانت بحدود 60 مليار دولار.

وبلا شك، تظل الفترة القادمة تحمل الكثير من الضبابية بالنسبة للاقتصاديات العربية بشكل عام، والاقتصاديات النفطية بشكل خاص، بسبب استمرار السيناريوهات المفتوحة للسلبيات الناتجة عن أزمة كورونا، ويزيد من حدة الأزمة في البلدان النفطية أمران: الأول يتعلق بمستقبل النمو الاقتصادي العالمي، والذي تشير معظم التقديرات بتحقيقه معدلات سالبة بنسبة 3% بنهاية 2020، وهو ما يعني عدم تعافي الطلب على النفط، وبالتالي استمرار انخفاض أسعار النفط، وانعكاس الأزمة سلبيا على الاقتصاديات العربية.

أما الأمر الثاني فهو أن الاقتصاديات النفطية العربية غير متنوعة وتعتمد على النفط بشكل رئيس، وهو ما يعني استمرار توجهها في تقليص ميزانياتها، والدخول في مساحات أكبر من المديونية العامة وعجز الموازنة. كما كشفت أزمة كورونا عن أمر مهم يتعلق بالصناديق السيادية للدول النفطية العربية، وهو غياب مردود هذه الصناديق في إنقاذ هذه الاقتصاديات، مما يعني أن إداراتها تحتاج إلى إعادة نظر.

كورونا يفاقم مشكلات الاقتصاد العراقي

لم يكن الاقتصاد العراقي بحاجة إلى مزيد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وبخاصة في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، الذي تعاني منه البلاد منذ سنوات، أو الفساد المستشري في أروقة العمل الحكومي، وبخاصة ما يتعلق بالواردات الحكومية، أو المشروعات العامة التي تنفذ لصالح الحكومة. ولكن البنك الدولي يوضح أن أزمة كورونا ألقت بظلالها القاتمة على اقتصاد العراق.

حيث يتوقع البنك الدولي أن ينكمش اقتصاد العراق في عام 2020 بنحو 9.7%، مقابل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.4% في عام 2019. وهو ما يعني مزيدا من البطالة والفقر داخل المجتمع العراقي، الذي يعاني من سوء إدارة اقتصادية وارتفاع معدلات الفساد.

ونظرا لاستمرار الاقتصاد العراقي بالاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات العامة، فتوقعات البنك الدولي تشير إلى أن يصل العجز بالميزانية العراقية في عام 2020 عند نسبة 29% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن احتياجات التمويل في نفس العام ستكون بحدود 67 مليار دولار[50]. 

وهو ما يعني أن العراق سوف يضطر لمزيد من الاستدانة، سواء من السوق المحلي أو الخارجي، ولكن اللجوء للسوق المحلية له أثره السلبي في التأثير على السيولة المتاحة للجهاز المصرفي لتمويل مشروعات القطاع الخاص، ولكن قد تكون ظروف كورونا وما ستؤدي إليه من انكماش تتيح قدرا من الحركة أمام الجهاز المصرفي لتقديم القروض للحكومة العراقية.

 وأما السوق الدولية، فسيكون موقف العراق فيها ضعيف بسبب تراجع أسعار النفط، مما يزيد من تكلفة التمويل، كما ستتوقف عملية اقتراض العراق من السوق الدولية على التصنيف الائتماني أيضا، وكانت وكالة "فيتش" قد عدلت حالة الاقتصاد العراقي من مستقرة إلى سالبة في أبريل/نيسان 2020.

كما أشار تقرير الوكالة إلى أن تقديرات احتياطي النقد الأجنبي بالعراق سوف تتراجع إلى 25 مليار دولار بنهاية عام 2021، وأن العراق حصل على أدنى مرتبة من بين الدول التي تصنفها الوكالة، من حيث مؤشر البنك الدولي المركب للإدارة، وهو ما يعني تفشي الفساد في العراق، وغياب الحوكمة[51].

وحسب بيانات صندوق النقد الدولي، فإن الدين الحكومي للعراق قد بلغ 115.3 مليار دولار في 2019، منها 72.2 مليار دولار قروض خارجية، والباقي يتعلق بمديونية الحكومة تجاه المؤسسات المحلية.

وبلا شك أن أزمة كورونا وما تبعها من المساهمة الكبيرة في تخفيض أسعار النفط، من شأنه أن يؤثر على احتياطيات العراق من النقد الأجنبي، حيث تبين أرقام صندوق النقد الدولي أن رصيد العراق من الاحتياطي النقد الأجنبي بلغ في 2019 نحو 57.2 مليار دولار، وهو ما يعادل 6.7 من احتياجات البلاد من الواردات السلعية، وقد تضطر العراق، كما فعلت كل الدول النفطية العربية إلى اللجوء للسحب من احتياطيات النقد الأجنبية، وبخاصة إلى أن تدبر أمورها في اللجوء للاقتراض من سوق السندات الدولية[52].

وثمة مخاوف أن تعجز الحكومة العراقية عن دفع رواتب العاملين بها، في ظل تدني أسعار النفط في السوق الدولية، مما دفع البعض إلى القول بأن المحتمل أن تتأخر الحكومة في دفع الرواتب في حالة استمرار أزمة كورونا وتراجع أسعار النفط، ولكن رواتب العاملين بالحكومة مضمونة على الأقل خلال الشهرين القادمين، بسبب أن حكومة العراق تحصل على ثمن النفط مقدما لشهرين، ولكن الأزمة تكمن في السعر المنخفض الذي تبيع به العراق النفط، حيث يصل سعر برميل النفط العراقي نحو 16 دولارا، منها 50% تكاليف استخراج[53].

وكمخرج لمساعدة الحكومة العراقية في مواجهة أزمتها المالية بسبب انهيار أسعار النفط في ظل أزمة كورونا، وبخاصة ما يتعلق بقضايا ميزانية الدولة، قدمت مقترحات لمجلس الوزراء، تتمثل في وقف استيراد السيارات لمدة 6 أشهر، وهو ما يعني تخفيف عبء الطلب على الدولار، والاستفادة من العوائد الدولارية المحدودة في متطلبات ضرورية أخرى.

وكذلك وقف استيراد السلع الكمالية، وقصر الاستيراد على الغذاء والدواء، من أجل تخفيف حدة العجز التجاري للبلاد. وكذلك قدم مقترح مهم في إطار يشجع الأفراد والمؤسسات على إقراض الحكومة، من خلال شراء كميات تعلن عنها الحكومة من النفط العراقي بالأسعار الحالية، وعلى أن يتم بيعها فيما بعد للحكومة مرة أخرى، في أوضاع مالية أفضل، وكذلك في ظل تحسن أسعار النفط، مما يعني إفادة الطرفين، حصول الحكومة على تمويل بدون فوائد أو قروض، وتحقيق ربح للأفراد على المدى المتوسط والبعيد، ويحتاج الأمر إلى ترتيبه من قبل الحكومة بالطريقة التي تناسبها[54].

الجدير بالذكر أن احتياجات الحكومة العراقية سنويا بحدود 110 مليار دولار، منها 81 مليار دولار فقط كمخصصات لرواتب العاملين بالحكومة، أو خدمة الدين العام. وبالإضافة إلى تراجع الإيرادات النفطية، يلاحظ أن الإيرادات من الضرائب والجمارك شبه متوقفة.


المحور الرابع: الحالة الفكرية

يتناول المحور الفكري لشهر مايو موضوعين مهمين، الأول: الحرب على الإسلام "المكافح" في التراث الإسلامي .. ابن تيمية نموذجا. ويتناول هذا الموضوع الحرب الشرسة التي يقوم بها وكلاء الاستعمار الغربي في المنطقة العربية، على رموز الإسلام المكافح، ضمن خطة ذات أبعاد، للوقوف في وجه الإسلام، وبخاصة الإسلام المقاوم، وذلك تحت ذرائع متعددة. واستخدام الدراما وسيلة لتشويه رموز الإصلاح في الأمة، وفي مقدمتهم شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية.

أما الموضوع الثاني، فهو، الدراما التطبيعية وتزييف الوعي، ويعد الموضوع الثاني امتدادا للموضوع الأول، في استخدام الدراما "القوة الناعمة"، ولكن هذه المرة يتم توظيفها لصالح التطبيع مع إسرائيل، وذلك بالإساءة إلى القضية الفلسطينية، وإظهار اليهودي في صورة المتسامح، والفلسطيني في صورة تسيء إليه، وذلك من خلال بعض المسلسلات التي تم عرضها في شهر رمضان المبارك.

الحرب على الإسلام "المكافح" في التراث الإسلامي.. ابن تيمية نموذجا

في عام 2007 طرح مركز دراسات "راند RAND" البحثي التابع للقوات الجوية الأميركية فكرة بناء ما أسماه "شبكات مسلمة معتدلة" Building Moderate Muslim Networks، داعيا لتصنيف "المعتدل" أو مقياس هذا "الاعتدال" بأنه الشخص أو الجهة التي لا تؤمن بالشريعة الإسلامية، وتتبنى الدعوة العلمانية، ويتبنى الأفكار الدينية التقليدية كالصوفية.

كما يحذر التقرير مما يعتبره "خطورة دور المسجد"، باعتبار أنه الساحة الوحيدة للمعارضة على أسس الشريعة، ولذلك يدعو لدعم الدعاة الذين يعملون من خارج المسجد[55].

من هنا رأينا دولا عربية إسلامية تسعى لتطبيق التعليمات الأميركية فيما يخص "التدين الجديد"، أو "الإسلام الأميركاني"، فبدأت بإنشاء مؤسسات تحمل شارة إسلامية، على سبيل المثال: "مؤمنون بلا حدود" ، التابع لدولة الإمارات ، ومركز "اعتدال" التابع للعربية السعودية، ورأينا كذلك دعم الدول وإفساح المجال أمام الدعاة الجدد - " من خارج المسجد" ، كما أرادت أميركا. و رأينا - أيضا - التدين الجديد،  يركز على التدين التقليدي كالصوفية، " مؤسسة " طابة " نموذجا.

ورأينا هرولة بعض الدول التي كانت تُقدم نفسها على أنها راعية الإسلام ، تتجه بقوة ناحية علمنة الدولة.

"إن الإسلام الذي يريده الأميركان وحلفاؤهم في الشرق الأوسط، ليس هو الإسلام الذي يقاوم الاستعمار، وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان... إنهم لا يريدون للإسلام أن يحكم، ولا يطيقون من الإسلام أن يحكم، لأن الإسلام حين يحكم سينشئ الشعوب نشأة أخرى، وسيعلم الشعوب أن إعداد القوة فريضة، وأن طرد المستعمر فريضة"[56].

لقد رأينا حربا شرسة على "الإسلام المكافح"، الذي يقف أمام الاستعمار، والتغريب، والذي لا يفرق بين الدين والسياسة، بل يفهمه أولياؤه فهما شاملا، كما أراده منا الله تعالى، وكما بلغه النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

يقول الدكتور حامد ربيع في ذلك المفهوم: إن مفهوم "الإسلام المكافح" والإسلام كحركة تحرر في العالم المعاصر ينطلق من ظواهر ثلاث لا بد أن تتكامل، ليتكون من مجموعها نسيج واحد للتعامل الحركي: إصلاح، واكتشاف للذات، وتأكيد للإرادة الواعية.

إن عملية إحياء للتراث ليس بمعنى نبش القبور للبحث عن الأصنام، وإنما دفع بدم جديد في جسد قادر على الحركة، إنه يعني تجديدا للذات التاريخية في مواجهة ذلك الآخر الذي هو الغرب الاستعماري أولا، والكاثوليكية الاستفزازية ثانية، والماركسية ثالثا، كل هذه الحقائق لا بد أن تقود إلى تأكيد الذات الذي يعني المعرفة بالوظيفة الحضارية للإسلام الذي يقوم بتنظيم حركة الحياة ونشاطها الرئيس، ويؤسس لنظامها القيمي الذي تتحرك فيه وبه، فالإسلام هو المنظم لحركة الرفض، وهو المحور لأبعاد الوظيفة الحضارية"[57].

من أجل ذلك، كان لا بد من خلق تيار تدين جديد في المنطقة تدعمه الدول العربية، وتقوم عليه ليواجه "الإسلام المكافح" ، وهم يختزلونه في "الإسلام السياسي". ولهذا رأينا الهجوم على رموز هذا التيار، وعلى كياناته، وعلى تجربة حكمه، "مصر نموذجا".

وكان من بين الوسائل التي اتخذها أصحاب التدين الجديد: تشويه الرموز الإسلامية الداعية للتحرر من الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي. وليس هناك أفضل – من وجهة نظرهم – من استخدام الإعلام، والدراما في هذا السبيل، فكان الهجوم على شخص صلاح الدين الأيوبي، والإمام البخاري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم.

الهدف من هذا التشويه هو إسقاط رمزية هؤلاء في أذهان الأجيال، وإهالة التراب على جزء من التراث الإسلامي المتمثل في الأعمال البطولية التي قام بها هؤلاء العظماء، كأمثال صلاح الدين الأيوبي، في تحريره لبيت المقدس، أو المتمثل في الفكر الإصلاحي لدى رمز من رموز الأمة كشيخ الإسلام الإمام ابن تيمية (661 هـ - 728هـ/1263م - 1328م ).

ذلكم الرجل الذي كما جاهد التتار والصليبيين بالسلاح، و"كان جهاده بالقلم واللسان لتحصين العقل المسلم ضد الاختراق الفكري، الذي تمثل في الباطنية الغنوصية وفي العقلانية اليونانية اللادينية، وأيضا ضد الجمود والتقليد.. والبدع والخرافات. وعلى امتداد التاريخ – منذ عصره وحتى الآن – كان ولايزال واحدا من أبرز الملهمين لدعوات الإصلاح والتجديد على امتداد عالم الإسلام.

كانت فتاواه – التي خالف في بعضها عددا من علماء عصره من أسباب محنته، وميادين جهاده. فلم يكن ابن تيمية مجرد فقيه.. وفيلسوف.. وإنما كان " مجددا" لفكر الأمة وحياتها وواقعها الذي تعيش فيه. وفي هذا الميدان قدم حياته وحريته قربانا في هذا "الجهاد"[58].

وقد وصفه الإمام محمد عبده (1849-1905) بأنه:" أعلم الناس بالسنة وأشدهم غيرة على الدين"[59]. لقد جاء تشويه ابن تيمية، لأنه "من العلماء الأحرار المدركين أن الاستبداد وثنية سياسية وهي شقيقة الوثنية الاعتقادية، وأن تحرير الضمائر من تقديس الحكام والتذلل لهم من أهم مقتضيات التوحيد وشعب الإيمان. وهذا درس عظيم للمسلمين اليوم: حرروا ضمائركم من الوثنية السياسية تتحرر أجسادكم من العبودية السياسية"[60].

"الطعن في ابن تيمية وتحميله جرائم الإرهاب لا يمكن فهمه إلا على أنه إحدى حلقات النيل من التراث "[61]، والحرب على الفكر المكافح، سواء أكان في التراث الإسلامي، أم في العصر الذي نعيشه. إنها الحرب على الإسلام.

لقد "قامت في دار الإسلام سلطات ناقمة عليه بعيدة عنه، حولها جماهير سائمة، أو نائمة تقاد إلى مصارعها في استسلام وخزي... وتمتاز هذه السلطات بأنها أجرأ على دين الله من الكافرين: أعني من الأجانب الذين توارثوا الإنكار عليه من أجيال وأجيال.. ومع أن فتكات المستعمرين الأولين كانت ضارية، إلا أن فتكات سماسرتهم هؤلاء أضرى وأقسى.. ومع ذلك فهم منا رغم أنوفنا[62].

الدراما التطبيعية وتزييف الوعي

‏للفن عامة وللدراما خاصة دور كبير في توجيه الرأي العام، وقد اتخذت الأنظمة القمعية هذه الوسيلة منذ زمن، للإلهاء تارة، ولصناعة الرأي العام بما تراه يصب في مصلحتها تارة أخرى، ومن بين تلك المسائل التي يعمل فن هذه السلطة المستبدة، على تعميقها: "تزييف الوعي" لدى الشعوب، وبخاصة فيما يتعلق بالثوابت، والرموز، والقيم، أو قل إن شئت: كل ما من شأنه أن يقود الشعوب إلى العيش في مناخ الحرية والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، وهم يهدفون من وراء ذلك إلى السيطرة على تلك الشعوب، بما يخدم أغراض هذه الأنظمة المستبدة التي صنعها الاستعمار الغربي،  ووكلاؤه في الدول العربية الإسلامية.

يأتي توظيف الدراما " القوة الناعمة" – في هذا التوقيت - ، لأن الساحة السياسية يتم تجهيزها منذ فترة، من أجل إخراج التطبيع مع إسرائيل إلى العلن، بعد أن عاش فترة طويلة في الخفاء، وخاصة بعد ثورات الربيع العربي وما ولّدته هذه الثورات وتلك الانتفاضات في نفوس الشعوب العربية والإسلامية من القدرة على مقاومة الظلم، والكفاح من أجل الحرية والكرامة، والتحرر من ربقة الطغيان، متمثلا في الاستبداد والاستعباد الوطني، والاستعمار الغربي والصهيونية العالمية.

ولأن ثورات الربيع العربي أفضت إلى اختيار شعوبها  للمسار الإسلامي في التغيير، فكان لا بد بعد هذه الفترة القصيرة من تنسم رياح الحرية، من أن تتحرك الثورة المضادة، بإيعاز من الاستعمار الغربي؛ فتكوّن لوبي يجمع بين الأنظمة المستبدة ، وإسرائيل ، فيما عرف بـالمربع  "الصهيو خليجيي"، بالإضافة إلى الحكم العسكري في مصر ، وكل هؤلاء يعملون لحساب – المشروع الصهيو- أميركي – في منطقة الشرق الأوسط.

ورسمت الخطة بحيث يتم إجهاض الثورات الشعبية، والوقوف أمام أي تغيير يصب في صالح الشعوب مما أفرزته ثورات الربيع العربي على وجه الخصوص، فلجأت الثورة المضادة إلى القوة الخشنة في بعض البلاد، فزرعت الفتنة، وأوقدت الحرب فيها، ومن ناحية أخرى استعملت القوة الناعمة، التي يعد الفن جزءا مهما فيها.

واستغلت مناسبة الشهر الكريم، لكي تطرح المسلسلات التي تحاول من خلالها تزييف الرأي العام العربي تجاه القضية الفلسطينية خاصة، وهي القضية المحورية للأمة العربية والإسلامية، وذلك بإخراج مسلسلات تقدم الطرف الإسرائيلي على أنه "حمل وديع"، وعلى أنه يتعامل مع الشعب الفلسطيني، بإنسانية أكثر مما يتعامل بعض الحكام العرب الذين يذيقون شعوبهم الويلات.

جاء مسلسل "أم هارون"، ومسلسل" مخرج 7"، وغيرهما، ليحاولا تطرية علاقة  المشاهد العربي والمسلم بإسرائيل، وتغيير مخيلة الشعوب تجاه هذا الكيان، ورسم صورة جديدة له في أذهان الأجيال، وتقديمه في صورة بعيدة عن ما عرف عنه من الاعتداء والوحشية، واغتصاب الحقوق، وقتل الرجال والنساء والأطفال.

"فأم هارون" ليس مطلوبا منه مهاجمة المقاومة الفلسطينية ولا الدفاع عن إسرائيل، بل على العكس يكفي أن يظهر صورة جيدة عن اليهودي -وليس الصهيوني الإسرائيلي- الذي يعيش في الكويت، بل ولا بأس أن يظهر معارضته لإسرائيل والمشروع الصهيوني، فعملية التغيير بعيدة المدى لا تتطلب في هذه المرحلة أكثر من ذلك.

فتحقيق هذه الخطوة يعد إنجازا لدعاة التطبيع، فهي تضع القناعات السابقة محل الشك لدى المشاهد العربي، ويكفي أن يصل بتفكيره أن اليهود لم يكونوا سيئين، ومن الطبيعي أن يبدأ الخلط الداخلي لدى هذا المشاهد بين صورة اليهودي الطيب والمواطن الجيد الذي كان يحسن الجوار، وبين حفيده الذي يعيش الآن في إسرائيل، لتمضي تحسين الصور الذهنية وقبول هؤلاء الأحفاد[63] .

ولعل أشهر مثال على قلب الحقائق وتزييف التاريخ، ما عرضه  مسلسل "مخرج 7″، الذي قدم القضية الفلسطينية على كونها قضية ثانوية، وليست بقضية ذات أهمية بل اعتبر الفلسطينيين أنذالا ناكري الجميل في حين أن الصهاينة أصحاب مبادئ وهمم ولهم التقدير[64].

إنه غرس ثقافي يسعى هذا المسلسل لتعزيزه، حتى لو كان من خلال مشهد عابر في مسلسل طويل، فيكفي أن يثير المسلسل سؤالا ثم يواصل مسيره، حتى لو كان بأسلوب نقاش وعرض لوجهتي نظر[65]. مما حدا ببعض العلماء إلى إصدار بيان للأمة بهذا الشأن، يحذرون فيه من هدم ثوابت الأمة، بدعوى السلام مع الآخر.

في يوم السبت 16 رمضان 1441 الموافق 9 مايو/أيار 2020، وقّعت عدد من الروابط والهيئات العلمائية، على بيان الأمة حول مسلسلات التطبيع الإعلامية، ومن أهم ما جاء فيه: "إنّ أخطر فتنة تواجه الأمة في هذا الزمان: سعي أعدائها وأوليائهم لتبديل دين المسلمين بتغيير موقفهم من ثوابت ملتهم، ومحكمات شريعتهم، ومعالم تاريخهم، وأصول حضارتهم. ومن تلك القضايا الكبرى: قضية فلسطين، ومسرى الرسول الأمين ﷺ.

لقد ذهلت الأمة عامة -ومن في الخليج خاصة- وهي تتابع في شهر القرآن والصيام كيدا ومكرا إعلاميا، وسقوطا أخلاقيا، وانحطاطا حضاريا، عبر مسلسلات تُشوّه وجه الحق في القضية الفلسطينية، وتُروّج للتطبيع، وتعبث بعقيدة الولاء والبراء". ثم يقول البيان: "ولأهل الإسلام حق تحرير قدسهم، ومسرى نبيهم، وما بالمسلمين من ضعف لا يبيح لهم ما يسمّى بـالتطبيع، أو مقايضة الأرض المقدسة بما يزعمونه سلاما، أو يروجون له من صفقة العار... وستسقط الشعوب كل من يشارك في تزييف وعيها بأعدائها، ويدعوها لموالاتهم ومحبتهم".

ومع إعلان كثير من النظم العربية رفض التطبيع، ورفض بيع القضية بثمن بخس، إلا أن بعض الإعلام الممول عربيا يعمل في اتجاه معاكس تماما! [66]". 

لكن يبقى أنه إذا نفضنا أيدينا من أولياء التطبيع وعرّابيه، فإن المراهنة تكون على وعي الشعوب العربية والمسلمة، فهذا هو صمام الأمان الذي تبذل دول الاستعمار الغربي، جهدا مضاعفا فيه، من أجل تركيع هذه الشعوب، وتزييف وعيها، بواسطة وكلائهم من الحكام المستبدين الذين لا همّ لهم إلا الوصول إلى كرسي الحكم، والبقاء عليه حتى الممات.

علينا أن نعترف أن استخدام الدراما كقوة ناعمة في هذا السياق يشكل الخطر الأكبر الداهم، متجاوزا كل ما سبق من خطوات تطبيعية مع الاحتلال، كون هذه القوة الناعمة تتوجه متسللة إلى الأفراد والجماعات فردا فردا وجماعة جماعة، مستخدمة كل أدوات التضليل الدرامي والتزييف التاريخي لتسويق أفكار المؤسسة السياسية، وتشكل اختراقا خطيرا للوعي العربي بالقضية الفلسطينية عبر تضليل ممنهج سلس ومحفّز لتشويه قضية فلسطين ومقاومة شعبها وانتمائها العربي، واحتيالا منظما على مجموعة القيم العربية الأصيلة التي ظلت تضع فلسطين في جوهر اهتماماتها والدفاع عنها وعن شعبها المقاوم[67].


خاتمة

أدت كورونا في زيادة حدة المخاطر التي تحيط بالمواطن العربي، وبخاصة في ظل حالة التراخي الموجود في غالبية الدول العربية، باستثناء دول الخليج، لكن حتى دول الخليج التي أعلنت عن عزمها فتحا جزئيا لاقتصادياتها قريبا تحيط بها مخاوف عودة الفيروس مرة أخرى، فضلا عن حديث وسائل الإعلام عن الموجة الثانية من الفيروس المتوقعة في أكتوبر/تشرين الأول 2020.

هواجس كورونا تزيد من أزمة الثقة بين المواطن والحكومات العربية، ولم يعد حلم المواطن العربي التخلص من الديكتاتورية، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ولكن حلمه في أن ينجو هو وأسرته من مخاطر الوباء، وأن يعيش في أجواء صحية آمنة.


المصادر:
[1] Worldometer.
https://www.worldometers.info/coronavirus/
[2]  Times of Israel، نتنياهو يخبر نواب الليكود أن ضم الضفة الغربية سيتم في شهر يوليو، 25 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3d3DAIE
[3]  الأناضول، نتنياهو: لن نسمح لفرصة ضم مستوطنات بالضفة أن تمر، 25 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2AgaO8T
[4]  Times of Israel، السفير الإسرائيلي يحاول الحصول على مصادقة أميركية على إجراءات ضم سريعة، 19 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3gjpMvs
[5] المصدر السابق، بايدن يقول لمتبرعين يهود أنه سيقوم ’بعكس’ سياسات ترامب التي تضر بالسلام، 20 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3eyKXbt
[6]  العربي الجديد، حماس والجهاد لن تشاركا في لقاء القيادة الفلسطينية المقبل، 13 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3gqCkkL
[7]  رويترز، عباس: منظمة التحرير ودولة فلسطين في حل من الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، 20 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3d8JvvO
[8]  عربي 21، عباس مازال يراهن على التسوية ودور أمريكا، 25 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3gnFhm5
[9]  Times of Israel، مسؤولون إسرائيليون يرجحون استمرار التنسيق الأمني السري مع السلطة الفلسطينية، 24 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/36xNK1v
[10]  المصدر السابق، رئيس الوزراء الفلسطيني يتعهد بمنع الفوضى في الضفة الغربية بالرغم من قطع العلاقات الأمنية، 26 مايو 2020.
https://bit.ly/3c6VMjg
[11]  رويترز، قوات شرق ليبيا تعلن وقف العمليات العسكرية بعد انتكاسات، 30 أبريل/ نيسان 2020.
https://bit.ly/3dePhMN
[12] المصدر السابق، حكومة الوفاق الليبية تقول إنها ستواصل القتال بعد إعلان خصومها عن هدنة، 30 أبريل/ نيسان 2020.
https://bit.ly/3c57xXg
[13]  العربي الجديد، حفتر يرسل قائد الإعدامات لفك الحصار عن ترهونة، 4 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2X0znj3
[14] المصدر السابق، قوات "الوفاق" الليبية تسيطر على مواقع جديدة جنوبي طرابلس، 3 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3gpqzLl
[15]  المصدر السابق، بوادر توتر عسكري شرق ليبيا.. و"الوفاق" تواصل قصف مواقع حفتر، 16 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2X3PXyS
[16]  الشبكة العربية، بعد فشل اقتحام طرابلس.. "حفتر" يعلن نفسه رئيسًا وأمريكا ترفض، 27 أبريل 2020.
https://bit.ly/2zEH4Cy
[17] الأناضول، موسكو "متفاجئة" من تنصيب حفتر نفسه حاكما لليبيا، 28 أبريل/ نيسان 2020.
https://bit.ly/2yP7u40
[18]  الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية المصرية على الفيس بوك، بيان مشترك، 11 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2XporL0
[19] الأناضول، الخارجية التركية: بيان مجموعة الخمس ضد أنقرة نموذج للنفاق، 12 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3ejZmbi
[20]  العربي الجديد، الرئيس الجزائري يتعهد بنشر مسودة الدستور الجديد الأسبوع المقبل، 2 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2ZPUAhs
[21]  المصدر السابق، رخصة دستورية للجيش الجزائري للقتال في الخارج: تغير جذري بالعقيدة العسكرية، 7 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2X9FXUs
[22]  المصدر السابق، الرئيس الجزائري: كنّا قاب قوسين من حلّ الأزمة الليبية، 2 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2AimLeA
[23]  BBC عربي، حكومة مصطفى الكاظمي تنال ثقة مجلس النواب العراقي دون إقرار جميع وزرائها، 7 مايو/ أيار 2020 2020.
https://www.bbc.com/arabic/middleeast-52568404
[24]  العربي الجديد، سباق تسلح بين فصائل "الحشد"، 7 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2LYNOOr
[25]  المصدر السابق، 3 مليشيات عراقية جديدة: أذرع جانبية لإيران ضد أميركا، 21 أبريل/ نيسان 2020.
https://bit.ly/2XvG6kf
[26] المصدر السابق،  العراق: "داعش" يستغل قرار منع عودة النازحين لتنفيذ هجماته، 9 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2ZDPNj6
[27] سكاي نيوز، الكاظمي يمد يده للمحتجين في العراق بأول قرار، 8 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3ejz1tN
[28]  حساب المتحدث الرسمي للحوثيين على تويتر، 12 أبريل/ نيسان 2020.
https://twitter.com/abdusalamsalah/status/1249302064288669696?s=20
[29]  المصدر السابق، 8 أبريل/ نيسان 2020.
https://twitter.com/abdusalamsalah/status/1247948665706221568?s=20
[30] العربي الجديد، التحالف السعودي الإماراتي يصعّد غاراته باليمن بعد أيام من الهدوء، 11 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2ZDYsCh
[31] المصدر السابق، الحوثيون يتهمون التحالف السعودي الإماراتي بـ"توسيع دائرة إطلاق النار"، 3 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2ZF3gXW
[32]  رويترز، المجلس الانتقالي يعلن الإدارة الذاتية لجنوب اليمن ويعقد جهود السلام، 26 أبريل 2020.
https://bit.ly/2zA4Z5T
[33]  DW، التحالف يرفض إعلان الانفصاليين "الإدارة الذاتية" بجنوب اليمن، 27 أبريل/ نيسان 2020.
https://bit.ly/3d8htR6
[34] العربي الجديد، الانفصاليون يرحبون بدعوة التحالف السعودي لإلغاء الطوارئ والإدارة الذاتية بعدن، 2 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3gk13r3
[35]  وكالة سبوتنيك، بوتين يعين السفير الروسي لدى دمشق مبعوثا خاصا لتطوير العلاقات مع سوريا، 25 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/2TLG4U8
[36]  العربي الجديد، قتلى وجرحى بمواجهات بين الجيش التركي وهيئة تحرير الشام في إدلب، 26 أبريل/ نيسان 2020.
https://bit.ly/2ZLSxLm
[37]  المصدر السابق، إدلب: هل يشعل "أم 4" مواجهة بين تركيا و"النصرة"؟، 28 أبريل/ نيسان 2020.
https://bit.ly/2TN8UDX
[38] المصدر السابق، "النصرة" وافتتاح المعابر مع النظام: مصالح تتخطى إرادة السوريين، 3 مايو/ أيار 2020 2020.
https://bit.ly/3ez9Tzz
[39] الجزيرة نت، هواجس أهالي إدلب من افتتاح المعابر مع النظام، 19 أبريل/ نيسان 2020.
https://bit.ly/2Xamkf5
[40]  رويترز، المبعوث الأميركي يريد أن تضغط تركيا على المتشددين في إدلب بسوريا، 30 أبريل/ نيسان 2020.
https://bit.ly/3dcnXyC
[41] وكالة الأناضول للأنباء، البحرين "كورونا" تخفض الإنفاق العام 30 بالمئة، 20/4/2020.
[42] الإباء، البحرين تبيع سندات بملياري دولار لتغطية عجز هائل في الموازنة، 8/5/2020.
[43] مباشر، وزير المالية السعودي عن ترشيد الإنفاق الحكومي: سنختار الأقل ضررًا على المواطنين، 2/5/2020.
[44] وكالة الأناضول للأنباء، السعودية تخفض موازنة 2020 بواقع 13.3 مليار دولار، 19/3/2020
[45] رويترز، وزير المالية الليبي: خفض الإنفاق في 2020 بسبب إغلاقات نفطية، 3/5/2020.
[46] رويترز، بيان: خسائر إقفال حقول وموانئ النفط بليبيا على أعتاب 5 مليارات دولار، 28/5/2020
[47] أوج، مؤكدة تأثير الحرب سلبًا على الإصلاحات.. وزارة الاقتصاد: ميزانية عام 2020 تقدر بـ48 مليار دولار، 17/10/2020.
[48] العين الاخبارية، الجزائر تقر موازنة 2020 التقشفية بـ 65 مليار نفقات، 14/11/2019.
[49] رويترز، الجزائر تعلن خفضًا جديدًا للإنفاق العام في 2020، 3/5/2020.
[50] البنك الدولي، العراق بحاجة ماسة لاصلاحات هيكلية من أجل إدارة أزمة متعددة الجوانب، 4/5/2020.
[51]  وكالة الأناضول للأنباء، "فيتش" تعدل النظرة المستقبلية للعراق من مستقرة إلى سلبية، 16/4/2020.
[52] صندوق النقد الدولي، المجلس التنفيذي يختتم مشاورات المادة الرابعة لعام 2019 مع العراق، 26/7/2019
[53] وكالة الحدث الإخبارية، العراق نحو الاقتراض المالي لتسديد العجز في ميزانية 2020، 27/5/2020.
[54] شبكة الاقتصاديين العراقيين، الاقتصاد العراقي في زمن كورونا فايروس، 28/4/2020.
[55]  موقع صيد الفوائد . تقرير " RAND 2007 " خطير جدا .. تفاصيل خطيرة عنه يجب معرفتها !
[56] دراسات إسلامية " إسلام أمريكاني" . سيد قطب. ص119.
[57]   د. حسان عبدالله حسان . الإسلام المكافح لإنقاذ الواقع العربي المأزوم. مجلة المجتمع الكويتية. نقلا عن د. حامد ربيع: نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط. ص 12.
[58] رفع الملام عن شيخ الإسلام . د. محمد عمارة .ص 10.
[59]  رفع الملام عن شيخ الإسلام . د. محمد عمارة. ص 122.
[60]  الاستبداد وثنية سياسية – محمد مختار الشنقيطي. أوراق الربيع(7). مدونات الجزيرة. 
[61]  محاكمة ابن تيمية: حلقة في مسلسل التجديد المزعوم. إحسان الفقيه. القدس العربي. 10 مايو 2020.
[62]  جهاد الدعوة . محمد الغزالي. ص 87.
[63]" أم هارون ومخرج 7".. دراما التطبيع أم دراما الواقع؟. د. عبد الله عدوي. الجزيرة نت.
[64]  مسلسلات رمضان .. من تزييف الحاضر إلى تزوير التاريخ. علي الرباح. الجزيرة نت.
[65] " أم هارون ومخرج 7".. دراما التطبيع أم دراما الواقع؟. د. عبد الله عدوي. الجزيرة نت.
[66] https://resalapost.com/2020/05/11-
[67]  هاني حبيب، عربي21، الأربعاء 13 مايو2020  https://arabi21.com/ -
حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

أميركا إسرائيل السعودية تونس سوريا ليبيا مصر