عدوان جديد.. هكذا يسعى اليمين المتطرف لقلب الطاولة على المسلمين بإيطاليا

الإسلام يحتل المرتبة الثانية كأكثر الديانات انتشارا في إيطاليا
يخيم على إيطاليا جدل واسع بشأن مدى دستورية مشروع قانون تقدم به الحزب الحاكم "إخوة إيطاليا" اليميني المتطرف، يُعرف إعلاميا باسم " قانون ضد المساجد"، يفرض قيودا واسعة على أماكن إقامة الصلاة.
ويحظر مشروع القانون المقدم للبرلمان الإيطالي استخدام مكاتب الهيئات والمراكز الدينية والثقافية لأنشطة العبادة والصلاة، وكذلك حظر الطوائف الدينية التي ليس لديها اتفاقيات مع الدولة، والتي يأتي على رأسها الدين الإسلامي.
ويهدف المشروع إلى منع استخدام المراكز الثقافية والمؤسسات الاجتماعية كمساجد للصلاة، خاصة أن الديانة الإسلامية ليس لها اتفاق رسمي مع الدولة الإيطالية، وبالتالي يمكن تطبيق الحظر عليها.
مثير للجدل
وكشف موقع "توداي" الإيطالي، في 10 أبريل/نيسان 2024، أن لجنة برلمانية أعطت الضوء الأخضر لمناقشة هذا المشروع، المقدم من قبل تومازو فوتي، رئيس الفريق البرلماني لحزب إخوة إيطاليا الحاكم.
ووصف الموقع مشروع القانون بـ "المثير للجدل"، مشيرا إلى أنه يدعو لمنع الجمعيات العاملة في المجال الاجتماعي من استخدام المباني التي تحت تصرفها لممارسة العبادة.
وأضاف: "في الواقع، سيمنع القانون المجتمعات الإسلامية من احتلال الأقبية والمحلات التجارية والمستودعات وغيرها من الأماكن لأجل العبادة..".
ونبه الموقع إلى أن هذا المشروع سبق أن تم تقديمه منتصف عام 2023، غير أنه لم يحظ بالاهتمام الكبير، نظرا لما تضمنه من مخالفات كبيرة وتمييز واضح وغير دستوري في حق المواطنين من الديانة الإسلامية.
وذكر المصدر أنه بفضل الحملة الانتخابية للانتخابات الأوروبية، والصراع بين القوى السياسية على ملف الهجرة والأجانب، تمت إعادة كتابة القانون بإزالة أي إشارة إلى الأديان، ليصبح مجرد نص تقني يهدف بشكل واضح إلى خلق مراوغات في الواقع، بهدف أساسي وهو منع استخدام عدد من المباني كمساجد.
وأشار إلى أنه سيتم تحديد قابلية استخدام المباني بمرسوم من وزارات الداخلية والصحة والبنية التحتية، والذي يجب أن يأخذ في الحسبان "خصوصية أساليب ممارسة مختلف أشكال العبادة، واحتياجات السلامة وإمكانية الوصول للسكان".
من جانبه، كشف موقع "هافينغتون بوست" الإيطالي، في 12 أبريل، أن الدولة الإيطالية أبرمت اتفاقيات مع اليهودية والبوذية واللوثريين والكنائس الإنجيلية المختلفة وأشكال أخرى من المعتقدات، لكن لم تفعل ذلك مع الإسلام.
وبرر الموقع عدم التوقيع على اتفاقية مع الطائفة الإسلامية إلى غياب جمعية يمكنها تمثيل غالبية الجالية المسلمة في إيطاليا، ويرى أن إبرام الاتفاق هو مهمة صعبة.
ونبه المصدر ذاته إلى أن إغلاق الأماكن المخصصة للصلاة الخاصة بالمسلمين لن يحل المشكلة، ولن يساعد على الاندماج في المجتمع، وبالتالي ستزيد من مخاطر السياقات التي يتم فيها زرع التطرف، وفق تعبيره.

مخالف للدستور
من جانبه، أكد الناشط المدني بإيطاليا، أحمد بالقائد، أن مشروع القانون المذكور مخالف للدستور الإيطالي، والذي يضمن حرية العبادة.
وذكر بالقائد لـ "الاستقلال"، أن "هذا المشروع رفضته الأحزاب اليسارية والهيئات الإسلامية، وإن كان في حد ذاته نوعا من الدعاية الإعلامية من أجل استمالة أصوات الناخب الإيطالي".
وأضاف أن "المسلمين لا يشكلون أي خطر على الدولة الإيطالية لما يتميزون به من اعتدال"، مشيرا إلى أن "الإسلام هو ثاني ديانة بعد المسيحية الكاثوليكية، الدين الرسمي للبلد".
وفي هذا الصدد، ذكر بالقائد أن "إيطاليا لم تتعرض لأي هجمات إرهابية على الأقل في 34 عاما التي عشتها في هذا البلد، مما يبين أن التضييق على المسلمين ليس له من مبرر علني أو واضح".
ورغم هذا التضييق، يقول الناشط المدني، فإن مستقبل الإسلام في إيطاليا واعد، رغم غياب لوبي أو قوة ضغط إسلامية مهتمة بالسياسة.
وبخصوص طلب الاعتراف بالدين الإسلامي عبر شراكة مع الدولة، بما يسهم في تجاوز التضييق الحالي أو المنتظر على المسلمين، قال بالقائد إن إحدى الهيئات الإسلامية الكبرى سبق أن تقدمت بطلب الاعتراف بالدين الإسلامي سنة 1992، غير أنه لم يتم الاستجابة لهذا الطلب إلى الآن.
وفي جميع الأحوال، يتابع المتحدث ذاته، سنستمر في ممارسة شعائرنا الدينية بكل حرية، وفي احترام تام للقوانين الجاري العمل بها، وكذا عادات وتقاليد البلد.
وعلى مستوى سبل مواجهة هذا المشروع حال إقراره وتحوله إلى قانون ساري المفعول، قال بالقائد إن ذلك سيشكل مشكلة كبيرة، وسيتطلب أربع سنوات لإثبات عدم دستوريته.
وأشار إلى أن "اتحاد الهيئات الإسلامية بإيطاليا" عمل على عقد لقاء أولي مع المراكز الإسلامية التابعة له، والتي تبلغ حوالي 250 مركزا، ويسعى لفتح النقاش مع المراكز غير التابعة له لمواكبة هذا المشروع، مشددا على الحاجة إلى "جهد سياسي إعلامي وقضائي لحسن إدارة هذا الملف".
مشروع تمييزي
الأصوات المعارضة للمشروع لم تكن من داخل الصف الإسلامي فقط، بل أيضا من قيادات وشخصيات سياسية معارضة بإيطاليا.
وفي هذا الصدد، قالت النائبة البرلمانية عن "حركة خمسة نجوم" المعارضة، إيلاريا فونتانا، إن المشروع "مذبحة".
وشددت فونتانا في تصريحات صحفية محلية، أن "هذا المشروع هو تمييز ضد المجتمعات الإسلامية، تم إخفاؤه بواسطة حيلة التخطيط الحضري"، مشيرة إلى أهدافه الانتخابية.
بدورها، أكدت لورا بولدريني، النائبة الديمقراطية والرئيسة السابقة لمجلس النواب، أن "جميع الطوائف الدينية، بما في ذلك الطائفة المسلمة، يجب ضمان حقها في ممارسة دينها في مكان مناسب وكريم".
ونبهت بولدريني في تصريحات صحفية مماثلة، إلى أن مشروع القانون، يجعل جمعيات النهوض الاجتماعي، ممنوعة من استخدام مقارها للصلاة، مما يجعلنا ننتظر أن يتبع هذا القرار توجيه يوضح أنه يمكن للمجتمعات الإسلامية أن يكون لها أماكن للصلاة والاحتفال بشعائرهم أو أنه يجوز لهم بناء المساجد بأموال خاصة.
ونبهت بولدريني، إلى أن "عدم وجود اتفاق للدولة مع المنظمات الإسلامية، بخلاف الطوائف الأخرى، ليس سببا وجيها لعدم القيام بذلك.
وأشارت إلى أن اليمين لا يريد ذلك، بل يضع المتاريس والعراقيل بمجرد أن يكون هناك حديث عن مساجد جديدة أو أماكن اجتماع، متسائلة: "أين يجب أن يذهب هؤلاء الناس للصلاة؟ وما الذي يعتقدون أنهم سيحققونه بمنعهم من القيام بذلك؟".
وأضافت بولدريني، "حرب بين الأديان لا يستفيد منها إلا من يريد القيام بالدعاية الانتخابية"، وتابعت مخاطبة اليمين: "هل لديهم حقا هوية هشة لدرجة أنهم يخشون المواجهة بين الاختلافات؟ إن الديمقراطية المتقدمة تتغذى على الاختلافات وتستمد منها الثروة والقوة".

محاربة للإسلام
في تفاعله مع المشروع، أكد رئيس اتحاد الهيئات الإسلامية بإيطاليا، ياسين لفرم، أن "الحزب اليميني الحاكم عادة ما يطرح مثل تلك القوانين التي تحارب الإسلام والمسلمين، كمنع الحجاب، ومنع دخول المحجبات في الأماكن العامة وغيرها".
وأضاف لفرم لموقع "عربي21"، في 17 أبريل 2024، "الخطورة اليوم تكمن هذه المرة من خلال القانون المعروف إعلاميا في إيطاليا بـ"ضد المساجد"، لأن الحزب اليميني أصبح لديه أغلبية داخل البرلمان الإيطالي، وأصبح لديه نفوذ وسلطة لتنفيذ القانون".
وشدد على أن "مشروع القانون يستهدف بشكل مباشر مصلّيات المسلمين التي تقع داخل مقرات الجمعيات والمراكز الثقافية الإسلامية، التي يعدها قانونيا غير مرخصة للصلاة وإقامة الشعائر رغم أنها تقوم بأنشطة اجتماعية وتجمعات، والصلاة جزء منها".
وقال لفرم إن "مشروع القانون يعدّ تقييدا لحرية المعتقد والشعائر الدينية التي كفلها الدستور الإيطالي"، مشيرا إلى أن "القانون يستهدف ما لا يقل عن 1500 مركز ثقافي إسلامي، تُقام به الصلاة والشعائر الدينية للمسلمين، نظرا لصعوبة الحصول على ترخيص إقامة مسجد في إيطاليا (التي تضم أربعة مساجد فقط) بشكل قانوني تتصف بالتصميم المعماري الإسلامي".
وأشار رئيس اتحاد الهيئات الإسلامية بإيطاليا، إلى أن "تمرير هذا القانون يؤدي إلى ارتباك كبير لدى المسلمين في إيطاليا، ويعزز خطاب الكراهية للإسلام والمسلمين، الذي تنامى بشكل واضح في ظل وصول الحزب اليميني للحكم".
وقال لفرم إن "هناك ردود أفعال قوية لرفض هذا القانون خاصة من الأحزاب اليسارية التي أعلنت رفضها للقانون، وأكدت أنه مخالف للدستور الإيطالي الذي يكفل حرية العبادة والمعتقدات الدينية".
أما أحمد براو، الناشط والكاتب الصحفي بإيطاليا، فقال إن تقديم مشروع هذا القانون هو "تطور جد مقلق بالنسبة للجالية المسلمة بإيطاليا".
وشدد براو في مقال رأي نشره بموقع "إيطاليا تليغراف"، في 18 أبريل، أن هذا القانون يستهدف الإسلام بالتحديد، لأنه هو الدين الوحيد من بين الديانات الأكثر انتشارا في إيطاليا، الذي لم يوقع اتفاقية مع الدولة.
ونقل الكاتب تصريحا لعز الدين الزير، وهو إمام مدينة فلورنسا، قال فيه إن "من يقترح قانونا مماثلا يحتج إلى دروس في الدستور، إذ ينص الأخير على حرية الدين، ويتم رفض أي مشروع قانون لا يتماشى مع هذه المبادئ".
وأشار براو إلى أن المسلمين بإيطاليا يشكلون حوالي 2.7 مليون إنسان، أي 4.9 بالمئة من السكان المقيمين في البلاد، وأن الإسلام يحتل المرتبة الثانية كأكثر الديانات انتشارا.
وذكر أن معظم هؤلاء المسلمين هم من مواطني شمال إفريقيا، وخاصة المغاربة بنصف مليون، يليهم مواطنو دول القارة الأوروبية والبلقان، ألبانيا وكوسوفو، ثم المواطنون الآسيويون، وعلى وجه الخصوص من بنغلاديش وباكستان.
وقال براو إن فتح دور العبادة للطائفة المسلمة عرف طفرة نوعية في القرن الحالي، إذ تضاعف عددها من أقل من 800 مسجد قبل سنة 2000 إلى حوالي الضعف في الوقت الراهن.
وشدد الكاتب على أن هذه المراكز والمساجد كانت هي المتنفس الوحيد للجالية المسلمة، وهي أماكن التعبد والراحة النفسية والروحية، كما أسهمت بشكل كبير رغم بساطتها في سد النقص الذي كان يعاني منه المهاجر المسلم بإيطاليا من الناحية الدينية.
وأبرز براو أن تصاعد استهداف المسلمين جاء خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 بالولايات المتحدة الأميركية، ثم بعد صعود السياسيين الشعبويين من اليمين المتطرف بإيطاليا، وتحديدا "رابطة الشمال" و"إخوة إيطاليا"، الأغلبية الحاكمة حاليا.
وكشف الناشط بالمجتمع الإيطالي، أن المسلمين لطالما طالبوا بحوار مباشر لإيجاد السبل القانونية لضمان حرية الممارسة الدينية لكن دون جدوى، ولم تتمكن الجمعيات الثقافية والمراكز الإسلامية من الحصول على تراخيص لبناء مساجد وإقامتها.
وذكر أن هذا التضييق هو الذي دفع الكثير إلى اللجوء لإنشاء مراكز وجمعيات تحت طائلة المجال الثالث غير الربحي، وشراء أو إيجار محلات ومستودعات في المناطق الصناعية لتجنب التضييق على هذه المراكز داخل المدن، لممارسة الأنشطة الاجتماعية والشعائر الدينية.
المصادر
- بقانون ضد المساجد.. هل تعاقب إيطاليا المسلمين قبل الانتخابات؟
- Fratelli d'Italia ci riprova con la legge anti moschee. Boldrini: "Il diritto di culto va garantito a tutti"
- مشروع قانون من حزب ميلوني لإغلاق مئات المساجد بإيطاليا
- La moschea non è ufficiale? Allora a decidere se può restare aperta sarà Salvini

















