Saturday 05 December, 2020

صحيفة الاستقلال

تقرير الحالة العربية: أكتوبر/ تشرين الأول 2020

منذ 2020/11/01 20:11:00 | الحالة العربية
لا يزال حكام العالم العربي والإسلامي يأخذون بلدانهم شيئا فشيئا تجاه الهاوية متنازلين عن هويات شعوبهم ومبادئهم
حجم الخط

المحتويات

مقدمة

المحور الأول: جائحة كورونا في الوطن العربي

  • العراق
  • السعودية
  • المغرب
  • قطر

المحور الثاني: الحالة السياسية

  • الحالة العراقية
  • الحالة الليبية
  • الحالة المصرية
  • الحالة السودانية

المحور الثالث: الاقتصاد العربي

  • تصاعد الديون الخارجية للخليج
  • تطبيع السودان مع إسرائيل تحت وطأة المساعدات
  • مستقبل اقتصاد الجزائر في ظل استنزاف النفط

المحور الرابع: الحالة الفكرية

  • تغير موقف العلماء والدعاة لتبدل موقف السلطة.. نصرة النبي نموذجا
  • المشروع الحضاري لنهضة العالم الإسلامي في فكر مالك بن نبي

مقدمة

شهد شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020 عددا من الأحداث المهمة التي قد تؤثر على شكل المنطقة العربية في المستقبل القريب. من أهم هذه الأحداث التطورات الإيجابية التي يشهدها الملف الليبي.

وبينما يقر تقرير "الحالة العربية" بإيجابية هذه التطورات، يلفت النظر كذلك إلى عدد من الملفات المسكوت عنها التي قد تجعل أي تقدم إيجابي في المستقبل محل شك.

كما أن تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل يمثل طعنة أخرى في ظهر القضية الفلسطينية، التي يتلاشى وجودها على الساحة السياسية الرسمية العربية، رغم بقائها حية في نفوس الشعوب.

يرصد تقرير "الحالة العربية" هذا الشهر التطور الدراماتيكي الحاصل في عدد من البلدان العربية في مؤشر كورونا، ويحلل أداء حكومات هذه الدول تجاه الجائحة.

كما يرصد "الاقتصاد العربي" وتصاعد الديون الخارجية في الخليج، إضافة إلى دراسة التلويح بورقة المساعدات الاقتصادية التي دفعت السودان إلى التطبيع، ومستقبل الاقتصاد الجزائري في ظل نفاد نحو 50٪ من احتياطاتها النفطية.

ويواكب محور "الحالة الفكرية" الحدث الأبرز في الساحة الإسلامية، وهي التصريحات المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فيرصد عددا من مواقف العلماء تجاه الهجمة، ويتناول من خلالها تغير موقف العلماء والدعاة بتبدل موقف السلطة. كما عرج التقرير على المشروع الحضاري لنهضة العالم الإسلامي في فكر مالك بن نبي، مع حلول ذكرى وفاته.


المحور الأول: كورونا في الوطن العربي

بمرور نحو ما يزيد عن 10 أشهر منذ ظهور فيروس كورونا (COVID-19)، ضربت الجائحة معظم دول العالم، وبلغت عدد الإصابات المكتشفة ما يربو على 44 مليون حالة حول العالم منذ بداية الأزمة في ديسمبر/ كانون الأول 2019 حتى نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020، توفي منهم ما يربو على مليون و169 ألفا و 316 إنسانا.

كان نصيب العالم العربي من هذه الإصابات نحو 2 مليون و 55 ألف إصابة، بنسبة قدرها 4.66% من مجمل الإصابات المكتشفة حول العالم، وبلغت الوفيات في الدول العربية نحو 35٫113 وفاة، أي بنسبة بلغت 3% من إجمالي وفيات العالم جراء هذا الفيروس (كل الأرقام التي وردت، وسترد، في هذه الورقة، مستمدة من موقع "Worldometer" الإحصائي العالمي).

وبما أن نسبة سكان الوطن العربي إلى سكان العالم تبلغ نحو 6.6%. فإن هذه الأرقام تعني -نظريا- أن العالم العربي في حال أفضل من الأقطار الأخرى، أو أن منظومته الصحية قد استطاعت السيطرة على المرض بشكل كبير.

بيد أنه من المعلوم في الإحصاء أن الأرقام والإحصاءات لا تعبر -بالضرورة- وحدها عن الواقع، بل قد تبدو الأرقام -أحيانا- مغايرة للحقيقة، فلا بد من النظر وراء هذه الأرقام حتى نستطيع النظر ما إذا كانت دلائلها صحيحة أم لا.

ومن المعلوم أن عدد الإصابات -على وجه التحديد- لا يعبر عن نجاح أو فشل الدولة أوالمنظومة الصحية في مواجهة الفيروس، بل إنه العامل الأقل أهمية على الإطلاق في التقييم.

وتتعدد العوامل التي تمثل أهمية أكبر بالنسبة للتقييم، كنسبة الوفيات إلى المفحوصين، عدد الفحوصات اليومية، نسبة الفحوصات المجراة إلى عدد السكان، الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة قبيل انتشار المرض، وإجراءاتها بعد انتشار المرض، كذلك نسبة المصابين إلى المفحوصين، كل هذه العوامل وغيرها لا بد أن توضع في الميزان حتى يكون التقييم أكثر انضباطا وواقعية.

تحاول هذه الورقة استكمال ما بُدء في الأشهر الماضية من رصد وتحليل للأرقام المعلنة من قبل الحكومات العربية حول فيروس كورونا ومدى انتشاره في بلدانهم.

بشكل عام، فإن عدد الإصابات المكتشفة في الدول العربية تصاعد خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول بنحو 533,788 حالة مكتشفة، ففي سبتمبر/ أيلول، بلغ عدد الحالات المكتشفة نحو مليون و 522 ألف مصاب، إلا أن الرقم تجاوز المليونين و 55 ألف مصاب هذا الشهر.

كما أن الوفيات تصاعدت بنحو 25% خلال نفس الفترة الزمنية. وبلغت نسبة الوفيات إلى المصابين في العالم العربي نحو 1.2% خلال أكتوبر/تشرين الأول 2020، بينما بلغت نفس النسبة خلال الشهر السابق نحو 1.9%.

 يظهر أن نسبة الوفيات هذا الشهر في المنطقة العربية أقل من نظيرتها العالمية، حيث بلغت نحو 2.6%. وتبدو نسبة الوفيات العربية إيجابية نسبيا بالنسبة للمعدل العالمي، إلا أنه لا ينبغي إغفال أن عدد الوفيات أو الإصابات المكتشفة يتأثر بشكل كبير بعدد فحوصات الـ PCR التي تجريها كل دولة، حيث إن السبيل الوحيد لحساب الإصابات أو الوفيات من هذا الفيروس هو اكتشاف حامليه عن طريق هذا التحليل، ففي حالة عدم إجراء الفحوصات، قد يموت الكثيرون دون معرفة السبب الحقيقي وراء موتهم، سواء كان كورونا أو غيره.

لمحاولة رصد ما وراء هذه الأرقام، سواء كانت إيجابية أو سلبية، سيحاول التقرير البحث في الأرقام الصادرة عن كل دولة على حدة. وسيعتمد التقرير على الترتيب التنازلي من حيث عدد الإصابات. وسيكتفي برصد إحصائيات الدول أصحاب المراكز الأربعة الأولى من حيث أعداد الإصابات.

العراق:

استمر تصاعد الحالات في العراق، ليحافظ على المركز الأول في عدد الإصابات المكتشفة في المنطقة العربية للشهر الثاني منذ ظهور الجائحة، بينما انخفض ترتيبها عالميا لتصل إلى المركز السابع عشر.

وبلغ عدد الحالات المكتشفة -حتى كتابة السطور- منذ بداية الأزمة 459,908 حالة، بزيادة قدرها نحو 97 ألف حالة عن شهر سبتمبر/أيلول، وهي زيادة كبيرة نسبيا مقارنة بمستويات التصاعد منذ ظهور الجائحة.

كما بلغت حالات الوفاة نحو 10٫724 حالة، أي بزيادة قدرها 1٫543 حالة عن سابقه، أي أن نحو 10% من وفيات كورونا في العراق حدثت خلال الشهر الأخير، وهو شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020، بينما كانت وفيات سبتمبر/أيلول نحو 25٪ من مجمل الوفيات منذ ظهور الوباء، مما يشير إلى حجم التصاعد الدراماتيكي في حدة الفيروس هناك.

تبلغ نسبة الوفيات نحو 1.6% من إجمالي الحالات الإيجابية المكتشفة خلال هذا الشهر، وهي نسبة جيدة مقارنة بالنسبة العالمية خلال نفس الفترة الزمنية، والتي تقدر بنحو 2.6%. بينما تبلغ نسبة الوفيات الإجمالية منذ بداية الأزمة نحو 2.3% من إجمالي الحالات المكتشفة خلال نفس المدة، وهي كذلك نسبة معقولة.

أجرى العراق نحو 2 مليون و 794 ألف فحص منذ بداية الأزمة (منهم 483,419 فحصا خلال هذا الشهر فقط)، وهو ثاني أكبر رقم بالنسبة للعراق منذ بداية الجائحة، كما زادت خلال هذا الشهر نسبة عدد المفحوصين من كل مليون نسمة إلى 68,996 فحصا، ولا تزال هذه النسبة صغيرة نسبيا مقارنة بالنسب العالمية.

إلا أن جميع المؤشرات تشير إلى استمرار التحسن في أداء المنظومة الصحية في العراق مقارنة بالأشهر الماضية، بيد أن ذلك لا ينفي أنها ما زالت منظومة ضعيفة نسبيا مقارنة ببقية الدول، وذلك بفعل الحروب والفساد الذي يعاني منه البلد منذ عشرات السنين.

السعودية:

للشهر الثاني على التوالي، حافظت المملكة العربية السعودية على مركزها الثاني على مستوى الوطن العربي من حيث عدد الحالات الإيجابية المكتشفة، وكذلك تراجع ترتيبها لتصل إلى المركز الثالث والعشرين عالميا.

وبلغ إجمالي مصابيها منذ بداية الأزمة 345,631 مصابا، بزيادة قدرها نحو 10 آلاف مصاب، وهو رقم جيد نسبيا مقارنة بوضع السعودية من ذي قبل، حيث بلغت الزيادة في سبتمبر/أيلول نحو 20 ألف مصاب، والشهر الذي سبقه نحو 40 ألف مصاب، والذي سبقه نحو 90 ألفا، مما يشير بشكل واضح إلى تراجع معدل زيادة الانتشار في المملكة.

وبلغ إجمالي الوفيات 5,329 متوفيا، منهم نحو 561 وفاة خلال هذا الشهر (أكتوبر/تشرين الأول)، ويجدر الذكر أن عدد الوفيات خلال الشهر الماضي فقط كانت تقدر بنحو 898 متوفيا، والشهر الذي سبقه كانت الوفيات خلاله 1٫028، وسابق سابقه كان الرقم نحو 1300، وهو ما يشير أيضا إلى انحسار الخطورة بشكل نسبي في المملكة.

ورغم إيجابية المؤشرات السابقة، فإن نسبة الوفيات هذا الشهر تمثل نحو 5.61% من إجمالي عدد الحالات الإيجابية المكتشفة، وهي نسبة سيئة للغاية مقارنة بالنسب العالمية.

ومن حيث فحوصات الـ PCR، أجرت المملكة نحو 6,491,493 فحصا منذ ظهور الفيروس لديها مطلع مارس/ آذار 2020، منهم نحو مليون ونصف فحص خلال هذا الشهر فقط، ليصل بذلك عدد المفحوصين لكل مليون نسمة 185,758 فحصا، وهي نسبة جيدة مقارنة بنسب المنطقة العربية، وكذلك ببقية دول العالم.

المغرب:

للمرة الأولى منذ ظهور الجائحة، تحتل المملكة المغربية أحد المراكز الثلاثة الأولى من حيث عدد الحالات الإيجابية المكتشفة في المنطقة العربية، وتحديدا المركز الثالث، ووصلت إلى المركز 32 عالميا.

فقد بلغ عدد الإصابات المكتشفة منذ بداية الأزمة 203٫733 مصابا، منهم نحو 80 ألف مصاب خلال هذا الشهر فقط، ما يعني أن نحو 40٪ من حالات كورونا في المغرب خلال هذا الشهر فقط، وهو تصاعد دراماتيكى للغاية في منحنى الجائحة.

هذا التصاعد يفسره أحد احتمالين: أولهما أن المرض ينتشر بسرعة كبيرة للغاية في المملكة، والثاني أن عدد فحوصات الـ PCR تصاعدت بشكل كبير.

وبالنظر إلى إجمالي الفحوصات التي أجرتها المملكة منذ مطلع الأزمة، نجدها بلغت 3٫240٫758 فحصا، منهم نحو 619٫444 فحصا خلال هذا الشهر فقط، وهو ما يعني أن نحو 19٪ من إجمالي الفحوصات أجريت خلال هذا الشهر فقط، والنسبة -برغم ارتفاعها- لا تبرر على الإطلاق الزيادة الدراماتيكية بنحو 40٪ من الإصابات خلال شهر واحد.

وهو ما يعني أن المرض ينتشر بسرعة كبيرة في الأسابيع الأخيرة، ويتطلب ذلك من المنظومة الصحية والسياسية تدابير عالية المستوى، حتى لا تتفاقم الأوضاع الصحية، وتفقد منظومة الصحة قدرتها على التحمل.

قطر:

تراجعت قطر إلى المركز الرابع عربيا من حيث عدد الإصابات المكتشفة، كما تراجعت 6 مراكز لتصل إلى المركز 36 عالميا. بلغ عدد الإصابات منذ ظهور الفيروس فيها مطلع شهر مارس/ آذار نحو 131,689 مصابا، أي بزيادة قدرها 5,929 مصابا عن الشهر السابق.

كما بلغت وفيات الدولة منذ بداية الأزمة نحو 230 وفاة، منهم 16 حالة وفاة فقط خلال هذا الشهر، أي بنسبة 0.2% من إجمالي الوفيات خلال الشهر، وهي نسبة جيدة جدا مقارنة بالنسب العربية والعالمية.

ويجدر الذكر إلى أن الوفيات خلال الشهر ما قبل السابق كانت تزيد عن سابقها بـ 26 وفاة، والشهر السابق كان 17 وفاة، وهو ما يشير كذلك إلى التحسن النسبي في وضع الجائحة في دولة قطر.

ومن حيث فحوصات PCR، أجرت الدولة نحو 950,031 فحصا، منهم 174,117 فحصا خلال هذا الشهر فقط، ليصل بذلك عدد المفحوصين لكل مليون نسمة 338,354 فحصا، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بنسب المنطقة العربية، وكذلك هي من أعلى النسب على مستوى العالم، وهو مؤشر جيد، وبلا شك ساهم في تحقيق المؤشرات الإيجابية للمرض في قطر.


المحور الثاني: الحالة السياسية

يبدو أن سياسة المحاور والتحالفات الإقليمية لا تريد أن تترك للشعوب العربية متنفسا يمكنها من نيل حريتها وتحقيق استقلال قرارها.

فلا متضرر غير الشعب في صراع إيراني أميركي امتد أكثر من 10 سنوات على الأرض العراقية وثرواتها. يأتي الصراع هذه المرة في شكل استهداف من الفصائل المسلحة التابعة لإيران للمنطقة التي توجد فيها السفارة الأميركية في بغداد، وترد واشنطن بعزمها غلق سفارتها، مما حدا بالفصائل إلى إعلان هدنة مشروطة، في ظل تقارير تتحدث عن خطة أميركية لشن حملات عسكرية حال نفذت قرار الغلق فعليا.

كما أن الاهتمام الفرنسي المفاجئ المتصاعد بإقليم كردستان العراق يثير شكوكا حول أهدافه في ظل صراع إقليمي متصاعد بين فرنسا وتركيا في مختلف الجبهات وعلى كافة الأصعدة.

ويبدو أن محاولة أخرى تتبلور لجر العراق إلى حلف إقليمي بعينه ضد حلف آخر، بدت مظاهره في اختلاق الجامعة العربية تصريحات على لسان الخارجية العراقية تهاجم فيها تركيا، علاوة على طلب مصري بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية.

من ناحية أخرى، حقق المشهد الليبي عددا من النجاحات الدبلوماسية خلال هذا الشهر، ابتداء من مؤتمر برلين الثاني، مرورا باتفاق المناصب السيادية في بوزنيقة المغربية، إضافة إلى اجتماعات المسار الدستوري في القاهرة، وختاما باتفاق اللجنة العسكرية المشتركة على وقف شامل ودائم لإطلاق النار، على ضوء مباحثاتها في جنيف برعاية الأمم المتحدة.

إلا أنه -مع ذلك- لا ينبغي إغفال أن عددا من النقاط مسكوت عنها حتى الآن، وهي نقاط شائكة قد تجعل من تنفيذ أي اتفاق مستقبلي محل شك، ومن أهمها وجود مرتزقة شركة فاجنر الروسية، وما إن كانت روسيا ستتنازل عن مشروعها الإستراتيجي جنوب البحر المتوسط.

إضافة إلى أن الحكومة الشرعية لا تزال تصر على محاسبة "مجرمي الحرب" وترفض التعامل مع المتمرد خليفة حفتر، ولا يوجد حتى الآن تصور واضح لكيفية التعامل مع هذه الإشكالية، كما أن اختفاء حفتر عن الأنظار حتى الآن وعدم إصدار أي موقف حيال التفاهمات الحادثة -رغم أهمية موقفه- يثير الشكوك عن مدى التزامه بما سيصدر عن هذه المباحثات في النهاية.

بينما يصر النظام المصري على سياساته برفض أي مصالحة مجتمعية مع معارضيه، علاوة على إيجاد غرفتين تشريعيتين تابعتين له، ولا تخرجان عن إطار سياساته، مما يساهم في شرعنة سياسة تكميم الأفواه. كما يرصد التقرير الخطة المصرية بجعل مصر مركزا إقليميا لصناعة السلاح، بالتعاون مع كبرى الشركات الأوروبية.

وختاما، ينضم بلد "اللاءات الثلاث"،السودان، إلى قائمة المطبعين مع الكيان الإسرائيلي المحتل، خلفا لمصر والأردن والإمارات والبحرين، مبررة ذلك بالوضع الاقتصادي المتردي، حيث ساومهم عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فعرض رفع اسم الخرطوم من قائمة الإرهاب وتخفيف أعبائها من الديون مقابل التطبيع مع "تل أبيب" وهو ما رضخت له الحكومة، متجاهلة بذلك حقوق الشعب الفلسطيني ومبادئ الشعب السوداني.


الحالة العراقية

  • تجدد الصراع الأميركي-الإيراني

على إثر هجمات متتابعة خلال الشهرين الماضيين على المنطقة الخضراء -التي توجد فيها السفارة الأميركية- في بغداد، ويُعتقد أن مصدرها بعض الفصائل الموالية للحرس الثوري الإيراني، سربت صحف أميركية كبرى أنباء عن صدور قرار بإغلاق سفارة واشنطن في العراق.

ثم تحدثت تقارير عديدة عن تحذير مباشر من وزير خارجية الولايات المتحدة، مايك بومبيو، وجهه للرئيس العراقي، برهم صالح، أواخر شهر سبتمبر/ أيلول 2020، حذر فيه من إمكانية إقدام بلاده على إغلاق سفارتها في العاصمة العراقية، بغداد، حال استمرار المليشيات المدعومة من إيران باستهدافها[1].

في مقابل ذلك.. أبدت السلطات العراقية استياءها من احتمالية إنفاذ قرار كهذا، معتبرين أنه "قد يؤدي إلى نتائج لا تصب في مصلحة الشعب العراقي"، حسب ما صرح وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين[2]، كما أكد الوزير أن الحكومة اتخذت عددا من الإجراءات الأمنية والسياسية لوقف الهجمات على المنطقة التي توجد فيها السفارة الأميركية، متعهدا بوجود نتائج إيجابية ملموسة في القريب العاجل[3].

يمكن عزو مخاوف حكومة مصطفى الكاظمي من القرار الأميركي إلى أنه -حال اتخاذه- قد يُخلي الساحة للتدخلات الإيرانية عبر أذرعها السياسية والعسكرية في البلاد، في الوقت الذي يسعى فيه الكاظمي منذ تسلمه لمنصبه تضييق الخناق على المليشيات المدعومة إيرانيا، بهدف حصر السلاح بيد الدولة.

كما أن جهود مكافحة الإرهاب وملاحقة فلول تنظيم الدولة قد تتأثر بالسلب حال سحبت الإدارة الأميركية قواتها ودعمها، إضافة إلى أن القرار يضاعف احتمالية قيام دول أخرى مشاركة في التحالف الدولي ضد الإرهاب بسحب قواتها وأموالها من العراق.

في مقابل ذلك، أعلنت عدد من الفصائل المسلحة المدعومة إيرانيا منح "فرصة مشروطة" للإدارة الأميركية لوضع جدول زمني محدد وواضح لخروج قواتها من البلاد.

وأعلنت الفصائل التي أصدرت بيانها باسم "الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية" أن قرار الهدنة جاء استجابة للجهود التي قامت بها بعض الشخصيات، كما حذرت من أن المماطلة في تنفيذ القرار سيضطرها للانتقال إلى مرحلة قتالية متقدمة[4].

أتى بيان الفصائل عقب زيارة وزير الخارجية العراقي إلى إيران ولقائه بالرئيس الإيراني، حسن روحاني، ووزير خارجيته، جواد ظريف[5]، والأهم هو اللقاء الذي جمع مبعوثة الأمم المتحدة إلى بغداد، جينين هينيس بلاسخارت، بعبد العزيز المحمداوي، رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي وزعيم "كتائب حزب الله" الموالية لإيران، وهو اللقاء الذي حملت فيه "بلاسخارت" رسالة ووساطة بين السفارة الأميركية والفصائل المسلحة، تدعو فيه لهدنة وقف عمليات قصف الصواريخ لمدة شهرين، وفقا لتصريح القيادي في "الحشد الشعبي"، معين الكاظمي[6].

تصريحات مايك بومبيو منتصف أكتوبر/تشرين الأول، دلت على أن هناك تراجعا مبدئيا عن قرار إغلاق السفارة، حيث قال: إن بلاده سعيدة بإجراءات الحكومة العراقية لتوفير الحماية للسفارة في بغداد، إلا أن مسؤولين عراقيين أكدوا أن حكومتهم لم تتلق أي طمأنات عملية بشأن التراجع عن خطوة الإغلاق.

ولا تزال السفارة تعمل بالحد الأدنى من طاقتها، فيما أن عددا لا بأس به من طاقم السفارة قد انتقل بالفعل إلى أربيل منذ نحو أسبوعين، لذا لا يستبعد أن ينفذ القرار في أي لحظة إذا ما تجددت الهجمات أو طرأ حدث ما في بغداد متعلق بأمن الأميركيين داخل المنطقة الخضراء[7].

وسواء أغلقت واشنطن سفارتها أم لم تفعل، فليس متوقعا بأي حال من الأحوال أن تترك الولايات المتحدة الساحة العراقية خالية للإيرانيين، وهو ما حدا بالعديد من المراقبين إلى التوقع بأن قرار غلق السفارة لن يكون للانسحاب من المشهد، بل مقدمة لحملات عسكرية تقوم بها الولايات المتحدة على المجموعات الإيرانية.

ومما يدعم هذا التحليل تقرير نشره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني حول ما ذكر التقرير أنه الخطة الأميركية حال إغلاق السفارة، حيث أورد أن "أميركا وضعت قائمة من 80 موقعا عراقيا، مرتبطا بمجموعات مدعومة من إيران، تسعى إلى استهدافها عسكريا إن قامت بإغلاق سفارتها في بغداد"[8]. وقد يُفسر في هذا الإطار استجابة الفصائل المسلحة للوساطات وتبنيهم للهدنة.

مما لا شك فيه أن الكل قد يكون مستفيدا من هذه الصراعات الإقليمية، إلا أن المتضرر الوحيد الذي لا مكسب له على الإطلاق هو الشعب العراقي، الذي يدفع ثمن هذه الصراعات من دمائه وثرواته.

جدير بالذكر أن صواريخ كاتيوشا التي أطلقتها الفصائل المسلحة مستهدفة المنطقة الخضراء والمصالح الأميركية لم تقتل في النهاية إلا 7 مدنيين عراقيين[9].

  • اهتمام فرنسي متصاعد بإقليم كردستان العراق

لم تقتصر الصراعات العالمية والإقليمية في العراق على الولايات المتحدة وإيران. فعلى صعيد آخر، يبدو أن محاولات حثيثة لإذكاء صراع دولي آخر في الشمال العراقي، وتحديدا في محافظة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق (وهو إقليم كردي عراقي يتمتع بحكم فيدرالي).

ففي الوقت الذي تستمر فيه الحملة العسكرية التركية "مخلب النمر" على التنظيمات الكردية المسلحة شمالي العراق منذ يونيو/ حزيران 2020، يحاول الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الخصم الأوروبي الأشرس للنظام التركي، تمتين علاقاته بشكل غير مسبوق مع المكونات الكردية.

فقد شهدت الأشهر الثلاثة الأخيرة التي أعقبت الحملة التركية تصاعدا لافتا في الاهتمام الفرنسي بالإقليم. ومنذ يوليو/ تموز 2020، استقبلت أربيل عددا من الزيارات لمسؤولين فرنسيين رفيعي المستوى.

ابتداء من زيارة وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، إلى الإقليم ولقائه برئيس الإقليم، نيجيرفان بارزاني، وزعماء الأكراد في 16 يوليو/ تموز 2020. كما تبع الزيارة أخرى من قبل وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورانس بارلي، نهاية أغسطس/ آب[10]، والتي صرحت خلالها برفض حكومتها لإقحام العراق في سياسة المحاور[11]، في إشارة ضمنية إلى إيران وتركيا.

كما أعقب ذلك زيارة أخرى للرئيس الفرنسي، الذي تشهد علاقاته مع النظام التركي توترا متصاعدا خلال الأشهر الأخيرة. إلا أن اللافت للنظر أنه في الوقت الذي التقى فيه ماكرون بالرئاسات العراقية الثلاث في لقاء مجمع في آن واحد، خصص لرئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، لقاء منفردا استمر نحو 40 دقيقة.

ثم أعلن ماكرون بعد لقاء بارزاني مبادرة  فرنسية، بدعم من الأمم المتحدة، لدعم ما أسماه "سيادة العراق"[12]، في تصويب واضح تجاه العملية التركية شمالي العراق، وللتدخلات الإيرانية بطبيعة الحال.

حتى أن بعض المحللين ذكروا أن العلاقات بين الطرفين، الفرنسي والكردي، لم تشهد هذا المستوى من الاهتمام من قبل فرنسا منذ نهاية حقبة الرئيس الفرنسي الأسبق، فرانسوا ميتران (1995)، الذي لعب دورا كبيرا في دعم فرض مجلس الأمن الدولي منطقة حظر الطيران على المحافظات الكردية العراقية الثلاث في 1991 (أربيل، السليمانية، دهوك)، وما أعقب ذلك من دفع لمشروع المصالحة بين الحزبين الكرديين في أربيل والسليمانية لإنهاء القتال الذي دام سنوات بينهما، وإطلاق برنامج مساعدات مالية وغذائية وصحية واسعة، وتوفير غطاء سياسي للقيادات الكردية آنذاك للتحرك أوروبيا، استمر لغاية انتهاء رئاسته[13].

وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، التقى القنصل الفرنسي في أربيل، أوليفي ديكونتي، مع الزعيم الكردي، مسعود البارزاني، رئيس حزب "الديمقراطي الكردستاني"، مجددا دعم فرنسا للإقليم، وتركزت المباحثات حول التهديدات الأمنية والتحديات التي تواجه العملية السياسية في العراق[14].

لا ينبغي إغفال الصراع التركي-الفرنسي حين نتعاطى بالتحليل مع الاهتمام المفاجئ من قبل فرنسا بالإقليم الكردي. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه حدة لهجة التصريحات بين زعيمي البلدين في مختلف القضايا، إضافة إلى موقفهما المتضاد في الصراع الليبي، وكذلك الانتقاد التركي للأسلوب الذي تنتهجه فرنسا في لبنان عقب انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/ آب، والانتقاد الفرنسي للدور التركي في سوريا، علاوة على التنافس بينهما في النفوذ في بعض البلاد الإفريقية، وكذلك الدخول الفرنسي على خط الصراع بين اليونان وتركيا في شرق المتوسط. كل ذلك يجعل من المنطقي، بل ومن الطبيعي، التفكير بأن الاهتمام الفرنسي المفاجئ المتصاعد بالإقليم ليس بريئا، وليس بمنأى عن هذا الصراع.

  • محاولة إقحام العراق في الصراعات الإقليمية

وعلى جانب آخر، تبدو هناك محاولات أخرى لإقحام أو استخدام العراق في صراعات إقليمية، وإلحاقها بمحاور إقليمية بعينها ضد محاور أخرى.

أحد هذه المحاولات كانت من طرف جامعة الدول العربية، حيث أضاف بيان للجامعة تصريحات على لسان وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، يثمن فيها مواقف الجامعة الداعمة لبلاده عموما، "وفي مواجهة الاعتداءات التركية خصوصا"[15]، في هجوم عراقي رسمي على تركيا من خلال الجامعة العربية. كان ذلك أعقاب لقاء جمع حسين مع الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في القاهرة 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

الغريب في الأمر أن الوزير لم يقل هذا التصريح، وأضافته الجامعة العربية من نفسها. وردا على ذلك، تواصلت الخارجية العراقية مع الأمانة العامة للجامعة، وأبدت استغرابها من "إضافة كلام على لسان وزير الخارجية فؤاد حسين لم يدل به خلال لقائه مع السيد أبو الغيط، في ما يتعلق بتركيا".

وقد صرح مسؤول بارز بوزارة الخارجية العراقية، في اتصال هاتفي مع إحدى الصحف العربية، بأن العراق "لا يرغب باستخدام أي من ملفاته الخارجية في أي أجندة سياسية لأطراف أخرى بالمنطقة" [16]. وهو ما حدا بالجامعة إلى تعديل صيغة التصريح المذكور والإبقاء على البيان معدلا على موقعها.

بدا أن التصريح المضاف كان محاولة لإقحام العراق في الهجوم على النظام التركي، استمرارا لما دأبت عليه بيانات الجامعة خلال السنوات الأخيرة.

وليس خافيا أن غالب المتحكمين في قرارات الجامعة العربية وبياناتها مقربون من الأنظمة القمعية في مصر والإمارات والسعودية، وعلى رأسهم رئيسها، أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية في الحكومة المصرية التي قامت عليها ثورة 25 يناير 2011. وهم بطبيعة الحال في خصومة مع النظامين القطري والتركي، وأي دولة أو منظمة تدعم ثورات الربيع العربي أو الانتقال نحو الديمقراطية في المنطقة العربية.

  • العراق يرفض طلبا مصريا بتصنيف الإخوان

بالإضافة إلى ما سبق، كانت هناك محاولة لأن يصنف العراق جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، لتنضم بذلك إلى مساعي المحور الإماراتي السعودي المصري، الذي يناصب الجماعة، والإسلام السياسي بشكل عام، العداء.

إلا أن مجلس الأمن الوطني العراقي قرر عدم إدراج حركة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية في العراق، بناء على طلب من مصر بهذا الشأن، بحسب وثيقة مسربة صادرة عن مستشار الأمن الوطني، قاسم الأعرجي[17].

أثارت الوثيقة جدلا في الأوساط السياسية والإعلامية بسبب عدم التأكد من صحتها، إلا أن المتحدث باسم الحكومة العراقية، أحمد ملا طلال، حسم هذا الجدل، وأعلن في مقابلة تلفزيونية أن بلاده لا تعتبر الإخوان جماعة إرهابية، مضيفا: أن "الإخوان في العراق جزء من العملية السياسية في البلاد، وكانت ضمن مؤسسيها، وشاركت في كتابة الدستور العراقي". كما أشار طلال إلى أن "4 رؤساء للبرلمان العراقي لدورات مختلفة كانوا من الإخوان، ونحن في العراق لا نعتبرهم منظمة إرهابية"[18].


الحالة الليبية

  • تطورات إيجابية

كان شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020 حافلا باللقاءات المباشرة والاتفاقات الأولية بين أطراف الصراع الليبي، ابتداء من مؤتمر برلين الثاني الذي انعقد افتراضيا في الخامس من الشهر، برعاية من ألمانيا والأمم المتحدة، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار القائم منذ نهاية أغسطس/ آب 2020.

وأكد المشاركون فيه دعمهم التنفيذ السريع لمقترح إقامة منطقة منزوعة السلاح في سرت والجفرة، والاتفاق على وقف دائم لإطلاق النار، لافتين إلى التزامهم بمخرجات مؤتمر برلين بشأن ليبيا[19].

وهذا مرورا باتفاق مدينة بوزنيقة المغربية (شمالا) في السادس من نفس الشهر، فبرعاية من وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، توصل وفدا المجلس الأعلى للدولة الليبي، ومجلس نواب طبرق (شراق)، إلى تفاهمات شاملة بشأن معايير اختيار شاغلي المناصب القيادية في المؤسسات السيادية التي نصت عليها المادة 15 من الاتفاق السياسي الليبي عام 2015 في مدينة الصخيرات المغربي، على أن تُعتمد هذه المعايير من قبل المؤسسات الدستورية لدى الطرفين، وتحديدا مؤسستي المجلس الأعلى للدولة، ومجلس النواب[20].

وتتمثل المناصب السيادية التي تنص عليها المادة 15 من اتفاق الصخيرات في محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيس ديوان المحاسب، ورئيس جهاز الرقابة الإدارية، ورئيس هيئة مكافحة الفساد، ورئيس وأعضاء المفوضية العليا للانتخابات، ورئيس المحكمة العليا، والنائب العام.

وفي منتصف الشهر، اتفق الحاضرون من مختلف أطراف الصراع على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية والبدء في مرحلة استقرار دائم.

كان ذلك في ختام جولة مباحثات (11-13 أكتوبر/ تشرين الأول 2020) استضافتها القاهرة للتباحث حول المسار الدستوري لإنهاء المرحلة الانتقالية. ووفق البيان الختامي، أبدى الطرفان "مرونة فائقة في الحوار، واتفقا على استمرار المناقشات البناءة حول الترتيبات الدستورية"[21].

كما أعقب ذلك إعلان الأمم المتحدة التوصل إلى اتفاق شامل ودائم بوقف إطلاق النار في ليبيا، ضمن مباحثات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في العاصمة السويسرية، جنيف (19-24 أكتوبر/ تشرين الأول 2020)[22]. لتُختتم بهذه الجولة 3 جولات سبقتها ولم تحقق النجاح المطلوب، حيث عقدت اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) 3 جولات في الربع الأول من عام 2020، إلا أنها لم تصل إلى شيء.

كما اتُّفق على أن تتوج كل هذه الاجتماعات والاتفاقات باجتماعات ملتقى الحوار الليبي، والتي ستستضيفها الجارة الغربية تونس مطلع شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2020[23]. على أن تبدأ الاجتماعات التحضيرية للملتقى نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020. ومن المنتظر أن تفضي هذه الاجتماعات إلى اتفاق نهائي وشامل يطوي صفحة المرحلة الانتقالية، ويدفع باتجاه انتخابات برلمانية ورئاسية تنهي الانقسام المؤسساتي الذي تغرق فيه البلاد منذ عام 2014.

إذن، يبدو أن غالب الأطراف مؤمنة بضرورة التوصل إلى حل سياسي لإنهاء هذه الأزمة التي تغرق فيها البلاد منذ 2011. ولا شك أن هذه التطورات الإيجابية في المشهد السياسي جعلت كثيرا من التحليلات تتجه صوب التفاؤل باقتراب الوصول إلى حل سلمي نهائي وشامل لأزمة دامت نحو عقد من الزمان.

  • زاوية أخرى

إلا أنه لا بد -بجانب التفاؤل- من النظر إلى عدة تفصيلات أو محذورات قد تؤثر في تحليل المشهد.

يلاحظ من الأحداث الأخيرة تصاعد أدوار معظم البلدان ذات العلاقة بالمشهد الليبي؛ الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ومصر، إضافة إلى جميع دول المغرب العربي، غير أن هناك تراجعا ملحوظا في الدورين التركي والروسي، رغم ارتباطهما الوثيق بالمشهد.

 فالواقع يقول إن جميع هذه الاتفاقات المذكورة أعلاه لم يشهدها البلدان ولم يكونا فاعليْن فيها بشكل رئيس، بل إن بعضا منها يُنظر إليها بعين الريبة والترقب من قبلهما.

فعلى سبيل المثال: لم تبد تركيا ترحيبا كبيرا بوقف إطلاق النار المنبثق عن اجتماعات جنيف، بل العكس من ذلك، أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن اتفاق وقف إطلاق النار ضعيف المصداقية[24]. علاوة على الرغبة الروسية في استبدال المبعوثة الأممية بالإنابة أميركية الجنسية، ستيفاني وليامز، وتعيين مبعوث أممي جديد إلى ليبيا، نظرا للرؤية الروسية بأن واشنطن تستخدم مواطنتها في تحجيم الدور الروسي في المشهد الليبي[25].

يبدو أن هناك رغبة أوروبية-أميركية لاستبعاد الطرفين من المشهد الليبي، أو على الأقل تقويض صلاحياتهما وإضعاف نفوذهما. فمعلوم أن وجود الطرفين غير مرغوب فيه بالنسبة لمعظم الأطراف الإقليمية والدولية، على اختلاف درجة هذه الرغبة من طرف لآخر، ومن آن لآخر.

فلا شك من أن الوجود الروسي في ليبيا، جنوب البحر المتوسط، يمثل ورقة ضغط على البلدان الأوروبية شمال البحر المتوسط، وهو ما لا تقبله الدول الأوروبية، ولا الولايات المتحدة بطبيعة الحال.

ورغم أن الوجود التركي في ليبيا كان منسجما مع الموقف الأميركي والأوروبي في معظمه، وساهم في تقويض الدور الروسي المتصاعد في ليبيا، إلا أن تركيا ليست الخيار الأفضل بالنسبة لأوروبا، فوجودها في المنطقة يمثل ورقة قوية لأنقرة التي تتصاعد خلافاتها وتتوتر يوما بعد يوم مع عدد من العواصم الأوروبية، على رأسها باريس وأثينا.

 وبالتالي، ليس مستبعدا أن تستخدم تركيا هذه الورقة للضغط على الاتحاد الأوروبي حال تصاعدت الخلافات بينهما.

ويمكن القول: إن هذه الرغبة الأوروبية-الأميركية تلاقت مع رؤى أو مصالح عدد من الأطراف الداخلية والخارجية المؤثرة في المشهد الليبي على السواء.

ورغم أنه لا خصومة بين الأنظمة الحاكمة في بلاد المغرب العربي وبين النظام التركي، فإنها لا ترغب كذلك في زيادة التقارب معها للدرجة التي يظهرون فيها كحلفاء،  فمن المعلوم أن هذه البلدان تريد أن تنأى بنفسها عن الصراعات الإقليمية التي تضطلع فيها تركيا بشكل أو بآخر، وهي في ذات الوقت راغبة في أن يكون لها دور رئيس في حل الأزمة الليبية، نظرا لتأثر هذه البلدان بشكل مباشر سلبا بالتوتر في ليبيا، إضافة إلى الترابط الجغرافي والتاريخي بين هذه البلدان، مما يجعل التعامل في حل الأزمة الليبية مع الولايات المتحدة وأوروبا خيارا أقرب وأنسب بالنسبة لهذه البلدان.

كما أنه لا يُستبعد أن هذه الرؤى قد وجدت لها صدى لدى شرائح واسعة في طرفي الصراع الليبي، حيث قد تبين للجميع أنه لا أمل في أن يُحسم المشهد عسكريا، وأنه لا بد من الوصول إلى حل سياسي سلمي ينتشل جميع الأطراف من هذه الأزمة، ويحفظ البلاد من شبح التقسيم.

يمكن القول: إن هناك محاولات أميركية-أوروبية لإبعاد تركيا وروسيا نسبيا من المشهد السياسي الليبي، ويبدو أن هناك توافقا أو تماشيا إقليميا من دول الجوار الليبي مع هذه الرؤية، ولكن نجاح ذلك مرتبط بمدى قدرة هذه الأطراف على حل معضلة امتلاك القوة على الأرض.

  • ترقب حذر رغم المؤشرات الإيجابية

لا يمكن التنبؤ حتى اللحظة بمصير واضح للأزمة الليبية، فرغم التقدمات الحادثة خلال الأسابيع السابقة، والتوافق الظاهري بين غالب الأطراف على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية والوصول إلى حل سياسي شامل، فإن هناك عددا من النقاط المحورية في حل الأزمة لا يُعلم لها مصير حتى الآن، وهو ما يجعل الترقب سيد الموقف.

أحد أهم هذه النقاط المحورية هو استمرار وجود المرتزقة الأجانب من روسيا وسوريا وتشاد والسودان على الأراضي الليبية، رغم إشارة اتفاق جنيف إلى ضرورة إخراج جميع القوات الأجنبية المقاتلة على أرض ليبيا خلال مدة أقصاها 90 يوما من تاريخ توقيع الاتفاق[26]، وكذلك رغم دعوة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إلى خروج كافة المقاتلين الأجانب من ليبيا[27].

إلا أن السؤال الرئيس الذي يطرح نفسه هو ما إن كانت روسيا ستقبل إخراج مرتزقتها من الأرض الليبية بسهولة في ظل محاولة التجاهل القائمة تجاهها الآن.

ليس متوقعا أن يكون خروج الروس سهلا لهذه الدرجة، حيث تمثل ليبيا بالنسبة لها بوابة الضغط على أوروبا من الجهة الجنوبية، وتضمن لها وجودا عسكريا دائما لمحاصرة الجناح الأجنبي لحلف شمال الأطلسي "الناتو" من الجنوب. علاوة على أن الوجود في ليبيا يمثل جزءا من الإستراتيجية الروسية المتبعة في العقد الأخير بمزاحمة الولايات المتحدة على النفوذ في شرق المتوسط.

إضافة إلى ذلك.. كثيرون يشككون في قدرة الأطراف الداخلية على إنفاذ هذا البند على وجه التحديد.

فالحكومة الشرعية لا تثق في قدرة حفتر على إخراج 5000 مقاتل روسي من المرتزقة التابعين لشركة "فاجنر" من الأراضي الليبية، بحسب ما صرح به العقيد طيار محمد قنونو، المتحدث باسم الجيش الليبي، مضيفا: أن "فاجنر" تواصل إقامة المعسكرات والتحصينات وحفر الخنادق[28].

في مقابل ذلك، يشكك متحالفون مع الجنرال المنقلب، خليفة حفتر، في قدرة الحكومة الليبية الشرعية على إخراج القوات التركية المتحالفة معها من البلاد[29]، رغم أنه لا وجود فعلي لقوات تركية على الأرض الليبية، وكذلك رغم اقتصار الدعم التركي للحكومة على الدعم اللوجستي أو التدريب العسكري.

إضافة إلى ذلك، ليس هناك تصور واضح -حتى كتابة هذه السطور- للتعامل مع الجنرال خليفة حفتر، المتهم مع قادته بارتكاب جرائم حرب ومقابر جماعية. ولا يبدو -حتى اللحظة- أن الحكومة الشرعية وقواتها المسلحة تقبل التعامل مع شخص حفتر.

 فقد صرح المتحدث باسم الجيش أنهم لا يثقون في أي مسار للسلام "لا يتضمن محاسبة المتورطين في العدوان على العاصمة، طرابلس، ومن أعطاهم الأوامر، وعلى رأسهم مجرم الحرب حفتر"، حسب قنونو[30].

ورغم ترحيب رئيس حكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، باتفاق وقف إطلاق النار، فإنه أكد أنه لا يجب أن "نهمل قضية المساءلة، فلا تساهل مع من ارتكب جرائم في حق الليبيين، ومن خلَّف عند انسحابه ألغاما ومقابر جماعية"[31].

على جانب آخر، غير معلوم -حتى اللحظة- الموقف الفعلي للمتمرد خليفة حفتر، فلم يصدر عنه أي تصريح -حتى الآن- يبرز فيه موقفه بخصوص الحلول السياسية المطروحة، رغم أن موقفه يعد الأكثر أهمية في الشرق الليبي، حيث إنه الآمر الناهي للقوة العسكرية في الشرق، ولا مجال للحديث عن سلام أو حل سياسي إلا بالتزام القوى العسكرية بما يتفق عليه الساسة.

ورغم أن عقيلة صالح هو رئيس السلطة التشريعية التي تعطي غطاء شرعيا لحفتر، ورغم تصدره المفاوضات، ورغبته الواضحة في التوصل إلى حل سياسي توافقي ينهي الأزمة الليبية، فإنه لا يمكن الوثوق في قدرته على إجبار حفتر على الرضوخ.

وبخصوص موقف المؤسسات المنوط بها التصديق على مسودة اتفاق بوزنيقة واعتماده، فمن غير المعلوم حتى اللحظة موقفها، ولكن أول مشكلة تواجه إقرار هذه المسودة هي انقسام مجلس النواب بين طبرق وطرابلس، ورغم أن غالبية المجلس تميل لكفة طرابلس، فإن مجلس طبرق هو من كان ممثلا في مشاورات بوزنيقة.

كما سبق لمجلس نواب طرابلس أن اعترض على مشاورات بوزنيقة التي لم يكن ممثلا فيها، مما قد يدفع أعضاءه إلى التصويت ضد المسودة وعدم التصديق عليها[32].

هذه المؤشرات المذكورة آنفا لا تنفي احتمالية أن يتقدم المشهد الليبي نحو حل سياسي سلمي شامل، إلا أنها ملفات مسكوت عليها حتى الآن من جميع الأطراف، وقد تجعل من تنفيذ أي اتفاق محل شك حال ظل السكوت عنها قائما. ولذلك، لا بد من ترقب توجهاتها ومآلاتها، ورصد تعامل القوى الراعية للمباحثات معها، على اعتبار أن فهمها سيكون محددا رئيسا في تحليل المشهد السياسي المستقبلي للصراع الليبي.


الحالة المصرية

  • النظام مصر على سياساته

مشهد حراك سبتمبر/ أيلول 2020 الذي خرج ضد النظام المصري، هو نتيجة طبيعية لتسلسل الأحداث الذي يسير بكافة مساراته منذ الانقلاب العسكري في اتجاه خنق الحياة السياسية والاجتماعية للمصريين، وحصرها للدوران في فلك توجهات رأس النظام، عبد الفتاح السيسي.

ورغم محاولات الحكومة استيعاب الاحتجاجات من خلال تخفيف بعض الإجراءات التي تضر بالمواطنين بشكل مباشر، خصوصا فيما يتعلق بهدم المنازل، لا يبدو -حتى اللحظة- أن تغييرا قد يجري في المشهد السياسي بشكل عام.

فلا يزال السيسي يرفض أي مصالحة مجتمعية سياسية مع أطياف المجتمع المصري التي زج بها في السجون على اختلاف توجهاتهم وتباين خلفياتهم المجتمعية والسياسية، ولا يزال يعتبر أن معارضيه لا يريدون سوى "هدم البلاد"، حسب ما أعلن خلال ندوة تثقيفية للقوات المسلحة منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020[33].

كما أن نتائج مجلس الشيوخ، الذي عُقدت أولى جلساته 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2020[34]، لا تشير إلا إلى تكريس غلق كافة مسارات الحياة السياسية الطبيعية أمام سائر شرائح المجتمع.

فالسيسي عيَّن بنفسه ثلث أعضاء المجلس (100 من أصل 300)، كما حصد الحزب المقرب من الأجهزة الأمنية، مستقبل وطن، 75٪ من المقاعد المتبقية (149 من أصل 300)، ولم تخرج المقاعد المتبقية عن النسق، حيث حصدتها أحزاب وشخصيات متحالفة هي الأخرى مع حزب الأغلبية[35].

وبطبيعة الحال، لم يختلف الوضع كثيرا بالنسبة لرئيس المجلس، المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، المعروف بقربه من عبد الفتاح السيسي. فالمحكمة الدستورية العليا، التي أسدلت الستار، في مارس/ آذار 2018، على كافة النزاعات القضائية حول جزيرتي تيران وصنافير لصالح قرارات رئيس الجمهورية، كانت تحت رئاسة المستشار المذكور[36].

كما أنه شارك في حكم حل مجلس الشعب المنتخب عقب ثورة 25 يناير، علاوة على إصداره الحكم بعدم دستورية قانون "العزل السياسي" الذي يقضي باستبعاد رجالات نظام حسني مبارك من المشاركة السياسية عقب الثورة[37].

وعليه، "الشيوخ" استكمال مسار غلق الفضاءات السياسية العامة أمام أي تمثيل حقيقي، أو شبه حقيقي، لمطالب الشعب المصري. ومن غير المتوقع أن تختلف سياسات مجلس الشيوخ وقراراته عن الخط الذي سار فيه مجلس النواب خلال السنوات الأخيرة، وهو الخط الذي لم يتعارض -على الإطلاق- مع أي من سياسات السيسي على مدار 5 سنوات كاملة.

وليس من المتوقع أن يختلف الحال في انتخابات مجلس النواب المنعقدة في 21، 22، 23، 24، 25 أكتوبر/ تشرين الثاني 2020، والتي لم تُعلن نتائجها حتى كتابة هذه السطور. إلا أن مجريات الأحداث قبيل الانتخابات تمثل مؤشرا واضحا عن طبيعة المجلس المقبل.

نتيجة لإصرار "مستقبل وطن" الاستحواذ على الأغلبية الكاسحة من قوائم مرشحي القائمة الموحدة "من أجل مصر"، والمؤكد فوزها بجميع مقاعد القائمة المغلقة في الانتخابات، والبالغ عددها 284 من أصل 586 مقعدا، تفجرت الخلافات داخل أروقة الأحزاب المتحالفة معه.

فقد استبعدت القائمة عددا لا بأس به من الأحزاب المعروف ولاؤها للسيسي، مثل "المصريين الأحرار" و"الحركة الوطنية" و"الغد" و"المحافظين" و"السلام الديمقراطي". علاوة على منح مقاعد محدودة للغاية لأحزاب بارزة مثل "الوفد" و"الشعب الجمهوري".

كما استُبعد حزب "الحركة الوطنية" الذي أسسه الفريق أحمد شفيق من القائمة. وعلى إثر منح حزب "الغد"، برئاسة موسى مصطفى، منافس السيسي في الانتخابات الرئاسية، مقعدين اثنين فقط في القائمة، الأمر الذي أثار غضبا واسعا بين قياداته، وفي ظل صعوبة انتقاء فرد واحد أو فردين بينهم، قرر الحزب الانسحاب تجنبا للمشكلات الداخلية[38].

كما برزت بعض الأنباء عن ممارسات فاسدة شابت الترشح للانتخابات البرلمانية، حيث تحدث مرشح مجلس النواب، مرتضى منصور، عن بعض الممارسات الانتخابية، مبينا أن البعض دفع 50 مليون جنيه مصري لدخول الانتخابات[39]. في نفس السياق، بث المحامي طارق جميل سعيد، المقرب من النظام، مقطعا مصورا يقول فيه: إن مقاعد مجلس النواب "لمن يدفع أكثر"[40].

مما سبق، يبدو أنه لا نية لدى السلطة في التراجع عن رؤيتها العامة للمشهد السياسي المصري خلال الفترة المقبلة.

  • حراك سبتمبر.. أسباب الانحسار

بالتزامن مع بداية شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020، تلاشت الاحتجاجات التي بدأت جذوتها في  الاشتعال 20 سبتمبر/ أيلول 2020.

يبدو أن مآل الحراك -على المدى القصير- قد صدَّق توقعات المحللين والمراقبين للمشهد المصري خلال الأسابيع الماضية، فقد كان متوقعا أن يؤول الحراك إلى ما يمكن أن يسمى بـ "الانحسار التلقائي" للتظاهرات، وهو ما حدث بالفعل بالتزامن مع بداية شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

فقد تلاشى الحراك الشعبي الذي استمر نحو 10 أيام متتالية في نحو 150 نقطة موزعة على 16 محافظة مصرية[41]، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ الانقلاب العسكري يوليو/ تموز 2013 .

ويمكن إيعاز النتيجة التي آل إليها الحراك إلى عدد من العوامل:

أول هذه العوامل مرتبط بالتعامل السياسي والأمني من قبل النظام تجاه الاحتجاجات، حيث حاول النظام الاقتصاد في استخدام الآلة القمعية التي اعتاد استخدامها مع معارضيه خلال السنوات الماضية، كما أنه قدم عددا من التنازلات "المحدودة" في صورة تخفيف الإجراءات التي اتخذتها الحكومة فيما يخص هدم المنازل المخالفة وتمديد فترات التصالح.

وعليه، حاول النظام الحيلولة دون حدوث أي مفاجآت قد لا يُتوقع عواقبها، مستخدما في ذلك سياسة "التبريد التلقائي للحراك"، ومعتمدا على عامل الزمن.

ثاني هذه العوامل مرتبط بطبيعة الحراك ذاته، فقد اقتصر على المدن والمناطق الريفية النائية، ولم يتطور الأمر إلى العاصمة والمدن الكبرى للاقتراب من المصالح الحيوية -ويمكن القول: إن ذلك مرتبط بشكل كبير بالقبضة الأمنية الخانقة للنظام-، هذا بالإضافة إلى طول المدة التي استمر فيها المتظاهرون دون حدوث تطور هام يرفع من معنوياتهم، أو مفاجأة تستثير وتستفز مشاعر شرائح أوسع للانضمام إلى الحراك.

ثالثها أنه لا وجود -حتى الآن- لرافعة سياسية حقيقية تعبر عن مطالب الشعب، يثق فيها، يستجيب لها وتتحرك معه، تستطيع من خلال ذلك نيل ثقل سياسي يمكنها من مخاطبة الهيئات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية والصحفية والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وتجلب من خلال ذلك للحراك دعما وزخما يساهم في إنجاحه ورفع صوته ومطالبه.

رابعها، أن الحراك لم يلق زخما دوليا -سواء على المستوى الحكومي أو غير الحكومي- يمنح المحتجين رافعة ودعما، ويضغط على النظام السياسي. يمكن عزو ذلك إلى السببين الثاني والثالث، علاوة على أن من عادة القوى الدولية أنها تتريث في اتخاذ مواقف واضحة أو متحيزة حتى تتطور الأوضاع بشكل أكبر على الصعيد الداخلي، وحينها تتحرك وتبدأ مواقفها في التشكل والتمايز، وهو ما لم يحدث بطبيعة الحال.

تتعدد العوامل والأسباب التي أدت إلى "تبريد" هذه الموجة الاحتجاجية، وقد يختلف بعض المحللين للمشهد على بعض هذه العوامل أو يتفقوا، إلا أن ما لا خلاف عليه هو أن حراك 20 سبتمبر/أيلول -على المدى الطويل- سيكون نقطة يصعب تجاوزها وتجاهل آثارها خلال الفترات المقبلة.

وقد يكون أبرز هذه الآثار هو انتشار وسيلة التظاهرات باعتبارها الطريق الوحيد الذي يستطيع فيه المصريون التعبير عن احتجاجهم أو مطالبهم، فبخلاف حراك سبتمبر الشعبي، نشرت "العربي الجديد" في 8 أكتوبر/ تشرين الأول تقريرا ترصد فيه نحو 19 احتجاجا عماليا واجتماعيا خلال نصف شهر فقط[42].

كما تظاهر بعض سكان القرى المهجرة غرب سيناء ليعودوا إلى منازلهم التي أجبروا على الخروج منها بعد الحملة العسكرية عليها لطرد عناصر تنظيم الدولة التي استولت عليها في يوليو/ تموز 2020، وهو ما استجابت له القوات المسلحة في نهاية المطاف وسمحت بعودة الأهالي إلى قراهم.

جدير بالذكر أن تظاهر الأهالي كان خوفا من تكرار سيناريو رفح والشيخ زويد في بئر العبد، حيث أُخرج الأهالي من بيوتهم، ولم يسمح لهم بالعودة مرة أخرى، بل إن الجيش دمر الكثير من هذه المنازل.

  • تضاعف صفقات الأسلحة مع أوروبا.. محاولة للاحتواء؟

استمرارا للمحاولات المصرية في التقارب مع الحكومة الإيطالية لمحاولة تخطي الأزمة التي سببها مقتل الباحث الإيطالي، جوليو ريجيني، في فبراير/ شباط 2016[43]، تستمر مصر في مضاعفة مشترياتها من الأسلحة الإيطالية خلال السنوات الأخيرة.

 فبعد أن كانت مشتريات مصر من الأسلحة الإيطالية تبلغ نحو 7.4 ملايين يورو في 2016، وصل هذا الرقم عام 2019 إلى أكثر من 238 مليون يورو[44]، ما يعني أن الرقم تضاعف نحو 33 مرة خلال 3 سنوات فقط. وقد نجح النظام بالفعل -جراء هذه السياسات- في احتواء الضغوط وتخطي الأزمة بشكل كبير مع الإيطاليين، على الأقل على المستوى الرسمي والدبلوماسي.

من ناحية أخرى، من المعلوم أن نظام السيسي دأب في استخدام سياسة صفقات الأسلحة لتوثيق صلاته مع عدد من الدول الأوروبية لضمان استمرار دعمهم له، أو على الأقل لتخفيف حدة انتقادات بعضهم لوضع حقوق الإنسان في مصر. ومعلوم أن تجارة السلاح لا تتأثر -كثيرا- بالخلافات السياسية بين الدول.

في إطار ذلك، رصدت عدة تقارير التحركات المصرية مع الدول الأوروبية الكبرى، في إطار خطة مصرية تهدف إلى جعل مصر مركزا لصناعة الأسلحة في المنطقة العربية.

فقد نقلت "العربي الجديد" عن مصادر -لم تسمها- أنه جرت محادثات متقدمة بين مصر، تحديدا وزارة الدفاع، وعدد من كبار الصانعين في إيطاليا وفرنسا وألمانيا، حول إنشاء مصانع وورش كبرى في مصر لتصنيع القطع البحرية والبرية، وبيعها بعد ذلك لدول الخليج العربي وإفريقيا.

وبعد أشهر من تردد بعض المصنعين الإيطاليين من الشراكة مع مصر في عدد من الصفقات، وكذلك تعثر الوصول مع عدد من الشركات الفرنسية إلى اتفاقات نهائية، وجهت مصر بوصلتها صوب الشركات الألمانية، وبدأت بالفعل الاستعدادات بين الترسانة البحرية ومجموعة "تيسن كروب" الألمانية لإنشاء أول فرقاطة شبحية متعددة المهام من طراز "MEKO-A200"، وهي مكونة من 4 قطع؛ 3 منها تصنع في برلين، والأخيرة في القاهرة[45].

كما رصد موقع "Defense Arabic"، المختص في الشؤون الدفاعية في المنطقة العربية، التفاوض الجاري حاليا بين القاهرة وروما حول عدد من الصفقات، وأهمها صفقة شراء 24 طائرة من طراز "Typhoon Eurofighters" وطائرة التدريب "M-346"[46].

يحاول النظام المناورة بين الشركات الأوروبية، لتنويع مصادر سلاحه، وكذلك لضمان توثيق صلاته مع أنظمة الحكم في هذه الدول، علاوة على أن بقاء الحالة التنافسية بين هذه الشركات يصب في النهاية لصالح النظام.


الحالة السودانية

  • السودان ينضم إلى قائمة المطبعين

بعد عدة أسابيع من التكهنات بخصوص حقيقة الموقف السوداني من تطبيع العلاقات مع الكيان المحتل، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن اتفاق قادة السودان وإسرائيل على "تطبيع العلاقات بين البلدين، وإنهاء حالة العداء بينهما"، حسب البيان، إضافة إلى الاتفاق على بدء العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، مع "التركيز المبدئي على التعاون في قطاع الزراعة"[47] ، لينضم السودان بذلك إلى قافلة التطبيع الذي بدأته مؤخرا الإمارات العربية في أغسطس/ آب 2020، ثم لحقتها البحرين بعد أسابيع معدودة.

  • رفض فلسطيني.. وترحيب من الثلاثي المطبع

قوبل هذا الإعلان برفض فلسطيني شامل، حيث أكدت الرئاسة الفلسطينية "إدانتها ورفضها لتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي التي تغتصب أرض فلسطين"، كما شددت في بيان لها أنه "لا يحق لأحد التكلم باسم الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية"[48]. من جهتها، اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية "حماس" على لسان متحدثها، حازم قاسم، أن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسودان "خطيئة سياسية".

وقالت الحركة في بيان: "نعبر عن إدانتنا وغضبنا واشمئزازنا من هذا التطبيع المشين والمهين". كما ترى الحركة أن هذه الخطوة ستؤدي إلى "المزيد من هيمنة الاحتلال الصهيوني على مقدرات شعوبنا وأمتنا، ويمثل اختراقا وضربا لمصالحها وتمزيق صفوفها"[49].

ولم يختلف موقف بقية الفصائل والحركات السياسية المجتمعية عن موقف السلطة وحماس، فالجميع عبر عن رفضه لقرار التطبيع، معتبرا إياه "طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني وقضيته"[50].

وبطبيعة الحال، رحبت مصر[51] والإمارات[52] والبحرين[53] بالتطبيع السوداني-الإسرائيلي، مثمنين الجهود الأميركية، ومعتبرين إياها خطوات نحو الاستقرار والسلام الإقليميين. بينما لم تنطق بقية الدول العربية ببنت شفة حول قرارات التطبيع المتتالية، التي تتجاهل مصالح الفلسطينيين ومبادئ شعوبهم العربية والإسلامية.

  • مساومات ترامب.. ورضوخ الحكومة

من جانبها، ترى الحكومة السودانية أن تردي الحالة الاقتصادية للبلاد يعد مبررا مقبولا للتطبيع[54]، حيث يعزون الحالة الاقتصادية المتردية إلى العزلة الدولية المفروضة على السودان منذ وضعه على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993، وبالتالي وضعت الحكومة هدفها الرئيس بأن تخرج من هذه العزلة، وهو ما استغله ترامب، حيث ساوم الحكومة بهذه الورقة[55]، ووضع عدة شروط ليرفع السودان من القائمة.

وقد رضخت الحكومة لشروط ترامب ونفذت ما وُكل إليها، فقامت بتحويل مبلغ 355 مليون دولار لتعويض ذوي الضحايا الأميركيين الذين سقطوا في هجمات إرهابية على سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998[56]. كما أنها قررت تطبيع العلاقات الإسرائيلية كما يريد ترامب. ونتيجة لذلك، بدأت الإجراءات الفعلية لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

يبدو أن مقولة رئيس وزراء الكيان المحتل، بنيامين نتنياهو، بأن هذه الفترة الزمنية هي "الأفضل في تاريخ بلاده"[57] تثبتها الأحداث المتتابعات يوما بعد يوم.

فبعد أن كان التطبيع مع الكيان سُبة وعارا يلحق بفاعليه أو الداعين له، تهرول اليوم عدد من الدول العربية إلى تطبيع كامل للعلاقات مع الكيان، في نكوص واضح عن المبادئ العربية والإسلامية التي تعتنقها شعوب المنطقة.

وتبدو الأهمية الرمزية لتطبيع الخرطوم هو أنها كانت معروفة بأنها عاصمة "اللاءات الثلاثة"، إشارة إلى المؤتمر الشهير الذي استضافته عام 1967، وأعلن فيه القادة العرب لاءاتهم الثلاثة؛ "لا سلام، ولا اعتراف، ولا تفاوض مع إسرائيل"، ونكوصها اليوم عن هذه اللاءات يعد ضربة جديدة للقضية الفلسطينية التي لم تعد تجد لنفسها اليوم حاضنة عربية حقيقية.


المحور الثالث: الاقتصاد العربي

في الوقت الذي تعاني فيه معظم الدول العربية من مشكلات اقتصادية، نجد أن إسرائيل تتمدد في المنطقة، وتضيف دولا عربية جديدة لقائمة المطبعين معها، وكان آخرهم السودان، وينتظر أن تنضم دول أخرى إلى قطار التطبيع مع إسرائيل، حسب تصريحات مسؤولين أميركيين وإسرائيليين.

ويتم هذا الأمر بلا ثمن في إطار القضية الفلسطينية، التي تعمل مسيرة التطبيع على تقويضها، وجعلها قضية بعص الفصائل الفلسطينية، وليست قضية عربية وإسلامية.

ويتناول محور الاقتصاد العربي هذا الشهر بجوار تطبيع السودان تحت وطأة المساعدات، قضية مهمة وهي الديون الخارجية لدول الخليج، والتي ينتظر لها أن تستمر وتتزايد، طالما بقيت قضية انخفاض أسعار النفط في السوق الدولية.

كما يتناول المحور هذا الشهر أيضا قضية مهمة وهي مستقبل الاقتصاد الجزائري في ظل القراءات الخاصة باستهلاك نحو 50% من احتياطياته من النفط والغاز. 

تصاعد الديون الخارجية للخليج

لا تزال الأزمة المالية والاقتصادية التي تطوق عنق الاقتصاديات الخليجية مستمرة، وتلقي بظلالها السلبية على المؤشرات الاقتصادية الكلية لدول الخليج، فوفق تقديرات وكالة بلومبرج فإن إصدارات الديون الخارجية لدول الخليج في السوق الدولية بلغت 102 مليار دولار في 2020، بينما كانت هذه الإصدارات في عام 2019 نحو 101.7 مليار دولار، ونحو 80 مليار دولار في عام [58]2018.

وتشير التقديرات إلى أن الديون الخارجية لدول الخليج كانت بحدود 30 مليار دولار في عام 2014، وقفزت إلى 220 مليار في نهاية 2019 [59]، وتعكس هذه الحالة، واقع ميزانيات دول الخليج، التي كانت تحقق فائضا بسبب ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية قبل منتصف عام 2014.

إلا أن ما خلفته أزمة انهيار أسعار النفط من تداعيات سلبية على اقتصاديات الخليج، أدى إلى لجوء دول الخليج للاقتراض الخارجي، بل والداخلي أيضا لسداد عجز الميزانيات.

وبلا شك أن اتجاه الدول الخليجية للاعتماد على الديون لسداد عجز ميزانياتها يرجع لمجموعة من الأمور منها استمرار أزمة تدني أسعار النفط، والتي زادت من حدتها كورونا، لتستمر أزمة أسعار النفط منذ منتصف عام 2014 وحتى الآن، ولا يتوقع لها أن تنقشع، في ظل التوقعات السلبية لنمو الاقتصاد العالمي، وبخاصة مع احتمالات مرور دول العالم لموجة ثانية من كورونا.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن التقلبات الاقتصادية الخارجية لها دور في تعميق أزمة الاقتصاديات الخليجية، ولكن ثمة عوامل داخلية أيضا تكرس لتكرار حالة المديونية وعجز الميزانيات التي عاشتها دول الخليج خلال الفترة ما قبل عام 2003، حيث تعتمد الاقتصاديات الخليجية بشكل كبير على النفط كسلعة شبه وحيدة، وضعف أداء قطاعها الخاص، مما أدى إلى عدم تنوع اقتصاديات هذه الدول.

ولعل 2020، كان الأبرز بين الأعوام السابقة من حيث إصدار سندات الديون الخارجية في الأسواق الدولية، حيث أمكن رصد بعض هذه الإصدارات من قبل وسائل الإعلام، فكانت الإمارات هي الأكبر بين دول الخليج، إذ بلغت إصداراتها في نفس العام بنحو 17 مليار دولار، ثم السعودية بنحو 12 مليار دولار، ثم قطر بنحو 10 مليار دولار، ثم البحرين بنحو 4 مليارات دولار، وسلطنة عمان بنحو 2 مليار دولار[60]. 

وقد يكون الأمر هينا إذا ما كررت دول الخليج تجربتها في الديون وعجز الميزانيات، كما كان الوضع قبل عام 2003، حيث كانت تعتمد على انتظار دورة جديدة من ارتفاع أسعار النفط لتسدد ديونها، وتعاود تكوين فوائض واحتياطيات من النقد الأجنبي.

ولكن هذه المرة، تختلف، حيث إن معظم دول الخليج تعمل وفق برامج وأجندات معتمدة من قبل صندوق النقد الدولي، وفق المعايير الفنية، وإن كانت الدول الخليجية لم تحصل على قروض عبر صندوق النقد.

ولكن يلاحظ أن الإجراءات التقشفية التي اتبعتها كل دول الخليج هي نتاج عملها وفق برامج صندوق النقد الدولي، من تقليص للدعم السلعي، ورفع أسعار الخدمات العامة، وكذلك فرض الضرائب، وبخاصة ضريبة القيمة المضافة.

 كما أن هناك تبريرا تسوقه المؤسسات المالية الدولية للجوء دول الخليج للاقتراض الخارجي، وهو أن هذه الدول تمتلك احتياطيات كبيرة مؤكدة من النفط والغاز، تعتبر كضمان يحظى بقبول الدائنين، ولكن هذا المبرر يمكن قبوله بالنسبة دول الخليج باستثناء كل من البحرين وسلطنة عمان.

وبشكل عام فإن الوضع المالي لدول الخليج يثير العديد من علامات الاستفهام، ففي الوقت الذي تمتلك فيه هذه الدول عددا من أكبر الصناديق السيادية على مستوى العالم تقدر أصولها المالية بنحو 2.6 تريليون دولار، وكذلك وجود استثمارات للحكومات الخليجية في أذون وسندات الخزانة الأميركية بنحو 195 مليار دولار، تلجأ دول الخليج للاستدانة الخارجية، وبخاصة أن أسعار الفائدة في السوق الدولية على السندات، أعلى بلا شك من العائد على أذون وسندات الحكومة الأميركية.

فلماذا تذهب الدول الخليجية لزيادة رصيدها في أذون وسندات الحكومة الأميركية بينما تقترض بأسعار فائدة أعلى من سوق السندات الدولية؟ كما أن الشفافية والأزمة التي تمر بها دول الخليج، والمستقبل المجهول الذي تواجهه اقتصادياتها يقتضي أن تفصح هذه الدول عن حقيقة أداء صناديقها السيادية، وبخاصة خلال السنوات العشر القادمة. 

تطبيع السودان مع إسرائيل تحت وطأة المساعدات

على مسار تسارع تطبيع بعض الدول العربية لعلاقتها مع إسرائيل، أُعلن عن علاقات على أعلى مستوى للتطبيع بين السودان وإسرائيل، وتأتي هذه الخطوة، بعد أن شهدت الشهور القليلة الماضية، تطبيع كل من الإمارات والبحرين مع إسرائيل.

وخرج مشروع التطبيع عبر بيان مشترك أميركي سوداني وإسرائيلي، يعبر عن الرئيس الأميركي ورئيس مجلس السيادة السوداني ورئيس الوزراء السوداني ورئيس وزراء إسرائيل.

وجاء في هذا البيان ما يتعلق ببدء العلاقات الاقتصادية والتجارية مع التركيز على الزراعة، وكذلك مجال التكنولوجيا والطيران، وهي وعود متكررة في كل مرة تتخذ فيها خطوة للتطبيع بين دول عربية وإسرائيل.

ففي مصر في نهاية السبعينيات من القرن العشرين، تغنى مروجو التطبيع بالتكنولوجيا التي ستقدمها إسرائيل لمصر، وبخاصة في مجال الزراعة، فما جنت القاهرة سوى تدمير زراعاتها، وبخاصة في محاصيل إستراتيجية مثل القطن، كما انتقلت أمراض وآفات للأراضي الزراعية، بسبب استخدام بذور ومبيدات مستوردة من "تل أبيب"، وكان نهاية المطاف، أن مصر تعاني من عجز في الميزان التجاري الخاص بالغذاء بنحو 8.5 مليارات دولار سنويا.

 ومن هنا فالادعاء بأن إسرائيل سوف تقدم دعما للخرطوم في مجال الزراعة، هو وهم سوف تثبت الأيام، تبدده، ويبقى السودان بلد بلا خطة تنموية، وقد يستمر مسلسل نهب ثرواته الزراعية والحيوانية والمعدنية خلال السنوات القادمة، من جانب كل من الإمارات و"تل أبيب".

وأُعلن بعد البيان الخاص بتطبيع العلاقات بين السودان والكيان الإسرائيلي عن شحنتين من القمح من الإمارات وتل أبيب للسودان.

الشحنة الأولى تسلمها السودان من الإمارات وتضم 67 ألف طن من القمح، كما أعلن رئيس وزراء وزراء الكيان بأنه أرسل قمحا بقيمة 5 ملايين دولار[61].

 وعلى الرغم من أن هذه المساعدات تلبي احتياجات إنسانية لسلعة أساسية، فإنها تدل على عدة أمور في غاية السلبية، منها أن السودان بلد زراعي بالدرجة الأولى، ومن غير المقبول أن تعتمد على استيراد أو تلقي مساعدات غذائية، وبخاصة من سلع إستراتيجية مثل القمح.

والأمر الثاني أن هذا يعد تمهيدا لأن يستمر السودان في الاعتماد على الخارج، بدلا من الاعتماد على الذات والاستثمار في الزراعة، كما كشف الأمر عن إفلاس الحكومة الحالية، وغياب البعد التنموي عن عقولها.

ولا يخف على أحد أن سعي حكومة السودان الحالية لرفع اسم البلاد من قائمة الإرهاب الأميركية تضمن فرض التطبيع على الخرطوم وبخاصة في ظل إمساك الإمارات بمفاصل مهمة في حكومة البلد الإفريقي بعد الانقلاب على حكم عمر البشير نهاية عام 2019.

ولا أدل على ذلك من أن الإمارات أعلنت مؤخرا أنها سوف تضخ منحة مالية بنحو نصف مليار دولار للسودان، تتمثل في 250 مليون دولار كوديعة في البنك المركزي، ونحو 119 مليون دولار كدعم للميزانية العامة للدولة ومساعدات طبية بنحو 19 مليون دولار، ومساعدات تعليمية بنحو 11 مليون دولار[62].

وتأتي هذه المساعدات في ضوء منحة كانت الإمارات أعلنت عنها في العام 2019 بنحو 1.5 مليار دولار، وهو ما يعني أنها كانت مشروطة، وتمثل ورقة ضغط على حكومة عبد الله حمدوك، لكي تمضي قدما في الأجندة الإقليمية للإمارات والسعودية، وعلى رأسها قبول التطبيع مع إسرائيل. 

ويأمل السودان بعد رفع اسمها من قوائم الإرهاب وكذلك إقدامها على التطبيع مع إسرائيل، أن يتم توصلها إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإعفائها من بعض ديونها الخارجية، والتي ظلت لسنوات، عاجزة عن سدادها، وفي نفس الوقت تتراكم عليها فوائدها.

وكان رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، قد صرح بأن رفع اسم بلده من قوائم الإرهاب، يؤهله للإعفاء من ديونه.

والجدير بالذكر أن الديون الخارجية للسودان تبلغ قيمتها الحقيقية 18 مليار دولار، ولكن العجز عن سدادها منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن، جعلها تصل إلى 60 مليار دولار[63]، بسبب تراكم الفوائد.

مستقبل اقتصاد الجزائر في ظل استنزاف النفط

مستقبل مجهول، حذر منه الكثيرون، بشأن الدول النفطية بشكل عام، والجزائر بشكل خاص، حيث ظل الاعتماد على النفط كسلعة وحيدة تعتمد عليها البلاد، ولكن هذه المرة، تأتي الأزمة في ظل قراءة غير مبشرة، صرح بها عبد المجيد عطار وزير الطاقة الجزائري.

وقال عطار: إن 50% من الاحتياطيات المكتشفة والمؤكدة من النفط والغاز الطبيعي في الجزائر قد استنفدت. ويقدر الاحتياطي الحالي للجزائر من النفط بنحو 1.7 مليار طن، ونحو 2500 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وتذهب تقديرات الوزير إلى أن هذه الاحتياطيات تغطي احتياجات البلاد إلى عام 2040.

الأمر يضع المعنيين بمستقبل البلاد أمام تحد كبير، فنضوب الثروة النفطية، لا بد أن يقابله خطة للتنمية تبحث عن البدائل، وتقدر احتياجات البلاد من المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية، مع مراعاة الزيادة السكانية. ولا يكفي التفكير في إطار البحث عن وسائل بديلة للطاقة التقليدية والاعتماد على الطاقة الشمسية، وإن كان مطلوبا، ولكن ماذا عن الإيرادات العامة لميزانية الدولة، وماذا عن تدبير احتياجات البلاد من سلع وخدمات، وفرص عمل، واستثمار؟

نعم قد تكون هناك احتياطيات غير مؤكدة، يمكن أن تفتح باب الأمل في أن تساعد في الأوضاع الاقتصادية والمالية للجزائر، ولكن الأمر يحتاج بالفعل إلى وضع خطط للتنمية الذاتية، والتوظيف والاستخدام الأمثل لموارد البلاد لكي تتأهل الجزائر لعدم الاعتماد على النفط كمورد رئيس لإيرادات الدولة، أو سلعة وحيدة للصادرات السلعية، حيث يمثل النفط والغاز الطبيعي 98% من الصادرات السلعية للجزائر.

وقد كشفت أزمتا انهيار أسعار النفط في منتصف يونيو/حزيران 2014، وجائحة كورونا في مطلع 2020، عن مدى ضعف بنية الاقتصاد الجزائري، حيث تأثرت كثيرا الإيرادات العامة للدولة، كما تراجع احتياطي البلاد من النقد الأجنبي بشكل كبير، حيث وصل إلى 58 مليار دولار في أغسطس/آب 2020، بينما كان في عام 2019 نحو 71 مليار دولار.

ومما يظهر عمق الأزمة الاقتصادية والمالية التي تمر بها الجزائر، أن هذا الاحتياطي كان في عام 2013 نحو 201 مليار دولار[64].

ولذلك، فإن ما تسوقه الحكومة الجزائرية من مبررات لاستنزاف الاحتياطي النقدي الأجنبي خلال الفترة الماضية غير كاف، حيث تعلن أن هذا الاحتياطي مكنها من عدم الاقتراض من الخارج، أو اللجوء للمؤسسات المالية الدولية، ولكن المطلوب هو تقديم خطة للتنمية تركز على وقف نزيف هذا الاحتياطي، وبخاصة إذا ما استمرت أزمة أسعار النفط خلال السنوات القادمة.

وإذا لم تطرح الحكومة بدائل، في حال نفد الاحتياطي من النقد الأجنبي، فوقتها سيكون اللجوء للمؤسسات المالية الدولية هو البديل الأوحد، أو الاستدانة عبر قنوات أخرى، وهو أمر يكرس لاستمرار سياسة الاعتماد على النفط، وغياب خطة التنمية.

 وكان وزير الطاقة الجزائري قد توقع في منتصف عام 2020 أن تنخفض عوائد البلاد من الصادرات النفطية إلى نحو 23 مليار دولار بنهاية 2020، مقابل 33 مليار في عام 2019، في حين كانت إيرادات الجزائر من العوائد النفطية عام 2014 نحو 60 مليار دولار، وهو ما يؤثر بشكل كبير على عجز الموازنة للبلاد[65].

ولم يعد الحديث عن خطة تنموية نوعا من الترف الفكري، أو ما يقضي به الباحثون أوقات عملهم، فنحو 20 عاما ليست بالفترة الطويلة، ولكنها في عمر الشعوب قصيرة جدا، ولا بد من خطة وبرامج عمل على المسارات المختلفة، التي تحصي موارد البلاد بشكل جيد، وتعيد توظيفها، بما يراعي مختلف جوانب النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وبخاصة النهوض بالتعليم، ومواجهة الفساد، وإعمال لدولة القانون، والدخول بصورة حقيقية في تجربة ديمقراطية تعمق من ممارسة اقتصادية واجتماعية، تشمل كافة شرائح المجتمع الجزائري.


المحور الرابع: الحالة الفكرية

يتناول المحور الفكري لشهر أكتوبر/تشرين الأول موضوعين؛ هما: الأول - تغير موقف العلماء والدعاة لتغير موقف السلطة.. نصرة النبي صلى الله عليه وسلم نموذجا.

رأينا في مؤتمر 2006 بدولة البحرين لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم موقفا شبه موحد بين الدول العربية والإسلامية، وكان موقف العلماء – آنذاك – مُرضيا للأمة الإسلامية والعربية، ومعبرا عنها، أما في هذا العام 2020 عندما تطاول رئيس فرنسا على مقام النبي، لم نجد الموقف نفسه، وجاء موقف الحكام العرب – إلا القليل –  متخاذلا هزيلا، وترتب على ذلك أن كان موقف بعض العلماء والدعاة موافقا للسلطة. فما الأسباب التي أدت إلى هذا؟

والموضوع الثاني- المشروع الحضاري لنهضة العالم الإسلامي في فكر مالك بن نبي (بمناسبة ذكرى وفاته)، حيث تحل في هذا الشهر ذكرى وفاة الفيلسوف والمفكر الإسلامي وأحد أعلام المفكرين المسلمين الذي طرح أفكارا ومفاهيم، نحن بحاجة إليها، من أجل إنهاض الأمة.

لقد استطاع أن يقدم جوابا شافيا عن سؤال النهضة الذى شغل فكر الأمة سنين طويلة: لماذا تأخر المسلمون، وتقدم غيرهم؟ في محاولة منه للخروج بالأمة من المأزق الذي تعيشه، والنهوض بها مرة أخرى لتلحق بركب العالم المتقدم.

تغير موقف العلماء والدعاة لتبدل رؤية السلطة (نصرة النبي نموذجا)

إن للعلماء والدعاة إلى الله تعالى دورا عظيما في توعية المسلمين، وإرشادهم وبخاصة فيما يعترض الأمة من الملمات التي تحيط بها من كل جانب، فهم صِمام الأمان في المحافظة على هويتها وثوابتها، وهدايتها، كيف لا، وهم ورثة الأنبياء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((العلماء ورثة الأنبياء. إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورَّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ))[66].

ولقد مر على المسلمين زمان كان للعلماء دور في بث الوعي لديهم ورفع همتهم والوقوف أمام السلطان والحاكم المستبد، ومن أمثال هؤلاء العلماء: الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، والعز بن عبد السلام، وغيرهم كثير.

وعندما نطالع موقف العلماء والدعاة وآراءهم في المؤتمر العالمي[67] لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي عقد في 28 مارس/آذار 2006، وما عليه الحال الآن من وقوفهم  في وجه المعتدي، رئيس فرنسا (ماكرون) الذي آذى النبي صلى الله عليه وسلم، وأساء إليه، نجد أن هناك فارقا كبيرا في موقف بعض العلماء بين أمسهم وحاضرهم، مرتبط – في الغالب – بموقف السلطة الرسمي.

فالعلماء الحقيقيون الذين كانوا بالأمس يتحدثون نصرة لنبي الله عليه الصلاة والسلام، غيبتهم سجون الحاكم المستبد؛ فهذا الشيخ السعودي سلمان العودة المسجون في سجون ولي العهد محمد بن سلمان، قال في مؤتمر 2006:  إن المؤتمر أشار إلى أن استهداف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر خطير، وإن هذا الاستهداف ينطلق من عنصرية بغيضة وحقد وتمييز، والإصرار المتعمد على المضي قدما على هذا العدوان، والأطراف التي تساندها، ولذلك جاء رد الفعل الإسلامي قويا رسميا وشعبيا وسياسيا واقتصاديا ودعويا، وكان رد الفعل هذا بمثابة تحريك للأمة، وتأكيد أن الأمة حيوية وفعالة.

وأضاف قائلا: لقد كان رد الفعل حضاريا ناضجا، بما فيه المقاطعة الاقتصادية التي كانت قوية ومؤثرة، جعلت الصوت الإسلامي يصل إلى الغرب[68].

 ولم نسمع صوتا لأي من العلماء في داخل بلاد الحرمين الشريفين، لأن الموقف الآن – لا يخفى على أحد – من حيث طلب النصرة من الغرب، وما قطع من خطوات تجاه التطبيع، والسيف المسلط على كل عالم أو داعية يحيد عن توجه السلطة هناك، ومن فعل ذلك من قبل، كان مصيره السجن.

لقد عقد مؤتمر 2006 لنصرة النبي عليه السلام في "المنامة " عاصمة البحرين التي لحقت بركب التطبيع، ومن ثَم كان عليها أن تسير وفق المنظومة العالمية الصهيونية، فلا يصدر منها أي موقف، ولم يسمع لها صوت، كما كانت عليه من قبل في عام 2006.

وهناك علماء آخرون هم " عمائم السلطان" أصبحوا في ركاب السلطة، لا ينطقون إلا بما تمليه عليهم السلطة؛ ومنهم مفتي مصر، شوقي علام،  وغيره من الدعاة الأدعياء. وهناك صنف ثالث آثر الصمت طلبا للسلامة، والنجاة من ظلم الحاكم المستبد. فما الذي حدث؟

إن الفترة التي انقضت منذ 2006 حتى الآن قاربت الخمسة عشر عاما، حيث جرت في النهر مياه كثيرة، وهناك أسباب كثيرة أدت إلى هذا التغير- وبخاصة بعد ثورات الربيع العربي، وما عرف بـ"صفقة القرن" الأميركية لحل القضية الفلسطينية، سواء على مستوى الشعوب والحكام والعلماء والدعاة.

فأكثر الحكام العرب أصبح يسترضي الغرب والكيان الإسرائيلي بأي طريقة، بزعم تأمين الحكم له والسيطرة على شعبه. فمن أبدى من هذه الشعوب معارضة ما، عاملوه  بالبطش، وليس له مكان إلا السجن ، أو القتل المعنوي لشخصه، أو دفعوه دفعا إلى ترك البلاد ومغادرتها حفاظا على حياته.

وأصبحت الجماهير هكذا تسير، لا تجد من العلماء من ينطق في الوقوف مع الحق أو يعبر عن تطلعاتها في الحرية.

فالجماهير التي خرجت في كثير من البلدان العربية الإسلامية دفاعا عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، هي التي تخشى على نفسها الآن – إلا في بعض البلدان الإسلامية - من بطش السلطة المستبدة التي تتنصل من كل ما له علاقة بأي رؤية أو منطلق إسلامي، على الرغم من أن دستور هذه البلاد ينص على غير ذلك بالنسبة للشريعة الإسلامية .

ويمكن إرجاع أسباب اختلاف موقف العلماء والدعاة بين الأمس واليوم من قضية نصرة النبي عليه الصلاة والسلام، تبعا لموقف السلطة، إلى عدة أسباب:

1- اختلاف موقف السلطة بين عامي 2006 و2020.

2- سجن العلماء الحقيقيين.

3-نفاق (بعض) العلماء الرسميين وشبه الرسميين للحكام المستبدين.

4- مسايرة  بعض العلماء والدعاة للسلطة المستبدة خوفا وطمعا.

5- الاسترزاق بالعلم.

6- هيمنة العلمانية[69].

7- التنكيل بالإخوان المسلمين، كبرى الحركات الإسلامية، بما لها من دور في تبني قضايا الإسلام والمسلمين، وتوعية المسلمين بها، وحضهم على اتخاذ مواقف أكثر إيجابية تجاه هذه القضايا.


المشروع الحضاري لنهضة العالم الإسلامي في فكر مالك بن نبي

حياته:

ولد المفكر الإسلامي مالك بن نبي في مدينة قسنطينة الجزائرية في يناير/ كانون الثاني 1905 لأسرة متواضعة الحال. وكانت أحاديث جدته هي النافذة التي فهم منها مالك جرائم الاستعمار الفرنسي، وأهمية الاعتزاز بالعقيدة الإسلامية واللغة العربية.

جمع مالك بين الدراسة في الكتَّاب وفي المدارس الفرنسية بالجزائر، ثم تخرج من معهد إسلامي بالجزائر (مدرسة سيدي الجليس) وواصل دراسته العليا في فرنسا فتخرج مهندسا عام 1935. والحق أن مالكا كان معلم نفسه، فولعه بالقراءة شديد، وجلده في التعلم الذاتي لا يضاهى، وذلك أكبر مصدر من مصادر المعرفة لديه.

بعد ثلاثين عاما من العيش في فرنسا، رحل فيلسوفنا إلى مصر عام 1956. وفي القاهرة عمَّق مالك معرفته باللغة العربية، وقد كانت الفرنسية غالبة على لسانه وقلمه من قبل، وهناك ترجم له د. عبد الصبور شاهين (العالم اللغوي والمفكر الإسلامي) عددا من أهم كتبه ترجمة بديعة، فاشتهر ذكر مالك، وتعرَّف عليه الأكابر بمصر والشام.

عاد مالك إلى الجزائر عام ،1963 وفيها تقلد عدة مناصب أكاديمية، ثم تفرغ للعمل الفكري إلى أن وافاه الأجل يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1973. وخلف ثروة فكرية رائعة من حوالي ثلاثين كتابا. ويمكن اعتبار أهم أعماله هي: "الظاهرة القرآنية"، و"وجهة العالم الإسلامي"، و"شروط النهضة"، و"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"[70].

مشكلات الحضارة وشروط النهضة:

يعد مالك بن نبي أحد رواد النهضة الفكرية الإسلامية فى القرن العشرين، ويعتبره المفكرون والباحثون امتدادا للعلامة ابن خلدون.

لقد استطاع أن يقدم جوابا شافيا على سؤال النهضة الذى شغل فكر الأمة سنين طويلة: لماذا تأخر المسلمون، وتقدم غيرهم؟ في محاولة منه للخروج بالأمة من المأزق الذي تعيشه والنهوض بها مرة أخرى لتلحق بركب العالم المتقدم. لقد استطاع أن يقدم جوابا شافيا عن سؤال النهضة الذى شغل فكر الأمة سنين طويلة.

نظر " ابن نبي " إلى جهود الحركات الإصلاحية قبله، وذهب إلى أنها لم تضع يدها على المرض الحقيقي الذي تعاني منه الأمة، وكان الطرح دائما ما يركز على الأعراض دون توصيف الداء الحقيقي. ولديه أن أسَّ الداء في الأمة يعود إلى مشكلة الحضارة.

لقد توصل إلى أن مشكلتنا هي الانحطاط الحضاري، وأن كل ما تشهده مجتمعاتنا من فقر، وجهل، واستبداد، وغيره، هي عوارض المرض وليست المرض ذاته، ومن ثم فحل المشكلة يكمن في الأخذ بشروط النهضة، وإعادة بناء حضارة إنسانية من جديد.

إن المتأمل في أعمال "ابن نبي" الفكرية، يجدها تعالج مسألة واحدة تدور حول محور واحد، هو مشكلة الحضارة؛ باعتبارها الإطار الذي ينظم كل الأجزاء التي نسميها في مكان ما مشكلة سياسية، وفي مكان آخر مشكلة اقتصادية، وفي مكان ثالث مشكلة أخلاقية[71].

وتناول هذه القضية بمنهجية علمية، وروح نقدية متجاوزة للتعميمات والخطابات السجالية التي تُنسي الحماسة أصحابها البحث عن الشروط الموضوعية لتحقيق أهدافهم ومشاريعهم!![72] .

وانطلاقا من هذا الاعتقاد الراسخ بأهمية الحضارة وضرورة "فقه" حركتها منذ انطلاقتها الأولى إلى أفولها يحاول "ابن نبي" إعطاء تعريف واسع للحضارة، يتحدد عنده في ضرورة "توفر مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه"[73].

وعلى هذا فكل ما يوفره المجتمع لأبنائه من وسائل تثقيفية وضمانات أمنية، وحقوق ضرورية تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة التي يريد ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه.

ويتبين من خلال هذا أن مفهوم الحضارة عند ابن نبي شــديد الارتباط بحركة المجتمع وفاعلية أبنائه؛ سواء في صعوده في مدارج الرقي والازدهار، أو في انحطاطه وتخلفه، وبالتالي فلا بد من فهم عميق، و"فقه حضاري" نافذ لكل من يريد دراسة المجتمعات دراسة واعية وشاملة؛ لأن حركة المجتمعات الحضارية ظاهرة تخضع كغيرها من الظواهر الإنسانية "لسنن" و"قوانين" اجتماعية وتاريخية ثابتة، لا بد من الإحاطة بها، وإدراك كنهها لكل من يريد أن يعيد لأمته مجدها الحضاري، ويحقق لها ازدهارها المنشود.

 وهذا ما أكده بقوله: "إن أول ما يجب علينا أن نفكر فيه حينما نريد أن نبني حضارة أن نفكر في عناصرها تفكير الكيماوي في عناصر الماء إذا ما أراد تكوينه؛ فهو يحلل الماء تحليلا علميا، ويجد أنه يتكون من عنصرين (الهيدروجين والأكسجين)، ثم بعد ذلك يدرس القانون الذي يتركب به هذان العنصران ليعطينا الماء، وهذا بناء ليس بتكديس".

 والعناصر الضرورية التي تتشكل منها كل الحضارات -حسب مالك- هي ثلاثة: الإنسان + التراب + الوقت[74]. وقال إنه استخدم كلمـــة (تراب) بدل (مادة) في هذا السياق؛ تحاشيا للبس في كلمة (المادة) نظرا لتعدد مفاهيمها في باب الأخلاق والعلوم والفلسفة[75].                                 
فمشكلة الانحطاط تتحلل إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، مشكلة التراب، مشكلة الوقت، ولا بد لهذه المحاور من إطار جامع تنصهر فيه. هذا الإطار الذى يسميه مالك " المركب الحضاري " هو الفكرة الدينية، التي رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ، وحتى تقوم حضارة يجب أن نحل هذه المشكلات الثلاث من أساسها.

ومما يقرره مالك ابن نبي في أسباب التخلف، توقف إشعاع العقل اللازم لبناء الحضارة، بسبب غياب الحرية؛ وهو المعنى الذي أشار إليه ابن خلدون، عندما تحدث عن أن  ضعف الإبداع يرجع إلى اضطراب العمران، وانتشار الظلم، وقهر الرعية وكبت الحريات، وهي من خصائص مرحلة الهرم. مقابل ذلك، فإن الإبداع العقلي التمدني إنما يزدهر في مرحلة الحضارة، حين تستقر الدولة، وينتشر عمرانها، وتزدهر المعايش، ويأمن الناس على أنفسهم وأموالهم"[76].

إن جوهر الإصلاح هو تغيير نفوس الشعوب، وتخليصها من موروث الاستعباد والقابلية له، وإعادة إحيائها من جديد، حتى تتفاعل مع معطيات الحضارة الأساسية، وأي تغيير سياسي لا يقوم على أساس تغيير الأفراد والارتقاء بهم هو تغيير غير رشيد.

"إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة فهو لا يفكر ليعمل؛ بل ليقول كلاما مجردا، وإنها لشرعة السماء: غير نفسك، تغير التاريخ"[77] .                      

يقول الأستاذ أنور الجندي: لقد حاول المفكر الإسلامي مالك بن نبي أن يقدم وجهة نظر جديدة نابعة من مفهوم الإسلام نفسه ومرتبطة بالعصر في محاولة لإخراج المسلمين والفكر الإسلامي من احتواء الفكر الغربي وسيطرته، وكسر هذا القيد الضاغط الذي يجعل الفكر الإسلامي يدور في الدائرة المغلقة التي نقله إليها اجتياح التغريب والغزو الثقافي لقيمه، عن طريق المدرسة والثقافة والصحافة، وفي محاولة لدفع المسلمين إلى التماس مفهومهم الأصيل ، والتحرك من خلال دائرتهم المرنة الجامعة القائمة على التكامل والوسطية والمستمدة لقيامها الأساسية من القرآن"[78].

ويفسر كفاح جرار العودة إلى أحضان فكر مالك بن نبي، وطرح اسمه اليوم كسفينة نجاة فكرية، بأنه يؤكد الحاجة للعقل النقدي العربي الإسلامي ومحاولته فهم الواقع[79].

في حين يرى الدكتور البشير قلاتي أن "التأكيد على فكرة النقد الذاتي كمنهج، بعلمية وموضوعية، والبحث في الخلل الداخلي المتفاقم، المتمثل في القيم السلبية في نفوسنا ومجموع الفكر الميت في تراثنا، والتي لا شك أننا سنكتشف منها الجديد في هذا العصر، والعمل للتصحيح وتجاوز الأخطاء، التي تصدر عادة بحكم الطبيعة البشرية، مما يستوجب زرع الأمل بداية، وهو أساس النهضة بالتقدم، بدلا عن مصطلح (القابلية للاستعمار)، الذي أرى أنه استنفد أغراضه، وأصبح ذكره تبريرا للتخلف نفسه، بما يثيره من شعور بالاستراحة من عناء المسؤولية عن هذا الواقع المر الذي تعيشه الأمة"[80].        


خاتمة:

لا يزال حكام العالم العربي والإسلامي يأخذون بلدانهم شيئا فشيئا تجاه الهاوية، متنازلين عن هويات شعوبهم ومبادئهم تجاه قضاياهم الرئيسية، ومستغلين في ذلك أدوات قمعية تأتمر بأمرهم، يكممون بها أفواه شعوبهم، ويسلبون بها قوتهم.

وما دام الحال كذلك في الأمة العربية والإسلامية، فلن تفتأ القوى الدولية الكبرى من فرض سياساتها وإملاء شروطها على حكومات بلادنا، لتمثل في النهاية حكومات وظيفية تعمل لصالح تلك القوى الكبرى، وتمنع شعوبها من أن تنهض من كبوتها لتنقذ أوطانها.


المصادر:

[1] CNN عربي، مصدر عراقي رفيع لـ CNN: بومبيو وجه تحذيرا أخيرا لصالح بشأن إغلاق السفارة الأمريكية في بغداد، 27 سبتمبر/ أيلول 2020. https://cnn.it/2Hshzbs

[2] وكالة الأناضول، قلق عراقي إزاء أنباء عن نية واشنطن إغلاق سفارتها، 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/35ypBI4

[3] حساب وزارة الخارجية العراقية على موقع تويتر، بيان صحفي، 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://twitter.com/Iraqimofa/status/1312287319047770112?s=20

[4] موقع الميادين، المقاومة العراقية تعطي فرصة مشروطة للقوات الأجنبية للخروج من البلاد، 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2020. https://bit.ly/3opKn5x

[5] RT عربي، في أول زيارة لطهران.. وزير الخارجية العراقي يلتقي روحاني وظريف، 26 سبتمبر/ أيلول 2020. https://bit.ly/35wKy6e

[6] العربي الجديد، كواليس لقاء مسؤولة أممية برئيس أركان "الحشد" العراقي: وساطة لوقف الصواريخ؟، 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.https://bit.ly/2TmZrTe

[7] المصدر السابق، العراق: لا ضمانات أميركية بالتراجع عن غلق السفارة وتعهدات المليشيات "غير مطمئنة"، 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2020. https://bit.ly/34qvEzm

[8] Middle East Eye, 'War is imminent': Iraq's Kadhimi moves to fend off US threat to target pro-Iran groups, 8 Oct, 2020. https://bit.ly/2Tor2n0

[9] وكالة الأنباء ، مقتل وجرح 7 مدنيين نتيجة سقوط صاروخي كاتيوشا على المنطقة الخضراء، 28 سبتمبر/ أيلول 2020.https://bit.ly/3kqXlh1

[10] موقع "رووداو. نت" الكردي، وزيرة الدفاع الفرنسية تصل إلى أربيل، 27 أغسطس/ أب 2020.

https://bit.ly/3kv6wgr

[11] صحيفة القدس العربي، وزيرة الجيوش الفرنسية من بغداد: ندعم إبعاد العراق عن سياسة المحاور، 27 أغسطس/ آب 2020. https://bit.ly/34rpyOZ

[12] وكالة أنباء الشرق الأوسط، مبادرة فرنسية-أممية لحماية "سيادة العراق"، 2 سبتمبر/ أيلول 2020.

https://bit.ly/2TqbxuH

[13] العربي الجديد، الاهتمام الفرنسي المتصاعد بكردستان: مناكفة تركيا في العراق، 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/3or0ShF

[14] موقع باس نيوز الكردي، الرئيس بارزاني والقنصل الفرنسي يبحثان الاوضاع الراهنة ومستجدات المنطقة، 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/3opGiOx

[15] صحيفة الأيام الإماراتية، العراق: نقدر دعم الجامعة العربية للعراق في مواجهة الاعتداءات التركية، 12 أكتوبر/  تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/37FHg3m

[16]  العربي الجديد، بغداد تحتج على فبركة الجامعة العربية تصريحاً للخارجية العراقية وتطالب بتوضيح وحذف13 أكتوبر/ تشرين الأول 2020. https://bit.ly/31EAwPt

[17] المركز الخبري الوطني، بالوثيقة.. العراق يرفض تصنيف حركة الاخوان المسلمين منظمة ارهابية، 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.https://bit.ly/3e0fC2k

[18]  وكالة الأناضول، بغداد: لا نعتبر الإخوان منظمة "إرهابية"، 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/34svdUU

[19]  موقع ليبيا الأحرار، برلين 2 يطالب بإقامة سريعة لمنطقة منزوعة السلاح بسرت وحولها، 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.https://bit.ly/35ARGi5

[20]  موقع قناة العالم، الأطراف الليبية توقع على اتفاق «بوزنيقة» لتوزيع المناصب السيادية، 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.https://bit.ly/2HFr0nS

[21]  صحيفة القدس العربي، الاتفاق على جولة ثانية من المباحثات الليبية حول المسار الدستوري في القاهرة، 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.https://bit.ly/2TGGLhr

[22] صحيفة الخليج، الأمم المتحدة: اتفاق «تاريخي» لوقف إطلاق النار في ليبيا، 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.https://bit.ly/35wnuo4

[23]  وكالة الأناضول، تونس تستضيف ملتقى الحوار الليبي 9 نوفمبر، 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/34xgmJ9

[24]  المصدر السابق، أردوغان: اتفاق وقف إطلاق النار بليبيا ضعيف المصداقية، 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/3ktwIrA

[25] المصدر السابق، ستيفاني وليامز في قلب صراع أمريكي روسي على ليبيا، 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/3e07cb3

[26]  صحيفة الوطن المصرية، اتفاق ليبي لخروج القوات الأجنبية خلال 90 يوما من وقف إطلاق النار، 2أكتوبر/ تشرين الأول 2020. https://bit.ly/2HFisOb

[27] صحيفة اليوم السابع المصرية، وزير الخارجية الأمريكى يدعو لخروج كل القوات الأجنبية من ليبيا، 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.https://bit.ly/3jF3BAA

[28] حساب المتحدث باسم الجيش الليبي على تويتر، العقيد طيار محمد قنونو، 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://twitter.com/LyArmySpox/status/1319959935569022976?s=20  

[29]  صحيفة العين الإماراتية، إخراج مرتزقة تركيا.. تشكيك ليبي بقدرة السراج، 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/2TtETZ3

[30]  حساب المتحدث باسم الجيش الليبي على تويتر، العقيد طيار محمد قنونو، 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://twitter.com/LyArmySpox/status/1319959995153289216?s=20

[31]  RT عربي، السراج: اتفاق وقف إطلاق النار يحقن الدماء ويمهد الطريق لنجاح المسارات الأخرى، 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.https://bit.ly/3ow4cYP

[32] وكالة الأناضول، ليبيا.. هل يصمد اتفاق بوزنيقة أمام "معارضة نافذة"، 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/3e0iTym

[33] سكاي نيوز عربي، السيسي: لا يمكن المصالحة مع من يريد هدم مصر، 11 أكتوبر/ تشرين الثاني 2020.

https://bit.ly/2ThHzJ9

[34] بوابة الأهرام المصرية، بدء أولى جلسات مجلس الشيوخ الجديد، 18 أكتوبر/ تشرين الثاني 2020.

https://bit.ly/2HtcWOy

[35] ويكيبيديا، انتخابات مجلس الشيوخ المصري 2020.https://bit.ly/3kt6m9m

[36] جريدة الوفد، «الدستورية» تقضى بإلغاء جميع أحكام تيران وصنافير، 3 مارس/ آذار 2018.

https://bit.ly/3jnDWvK

[37] جريدة اليوم السابع، 10 معلومات عن المستشار عبد الوهاب عبد الرازق بعد انتخابه رئيسا لمجلس الشيوخ، 18 أكتوبر 2020. https://bit.ly/34kdnmX

[38]  العربي الجديد، قائمة "من أجل مصر" تفجر الخلافات بين أحزاب السيسي، 15 سبتمبر/ أيلول 2020.

https://bit.ly/3kmTbXt

[39] القاهرة 24، مرتضى منصور عن منافسيه، 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2020. https://youtu.be/Veh9C8MtQDY

[40] مقطع فيديو المحامي طارق جميل سعيد. https://youtu.be/baj-yS7An3s

[41]  تم هذا الإحصاء من خلال رصد المحرر للاحتجاجات التي نُشرت على الفضائيات والمواقع الإخبارية.

[42] العربي الجديد، مصر: 19 احتجاجاً عمالياً واجتماعياً في النصف الثاني من سبتمبر، 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2020. https://bit.ly/3meOY8M

[43] المصدر السابق، مصانع للأسلحة الإيطالية في مصر: شراكة تتحدى قضية ريجيني، 21 يونيو/ حزيران 2020.

https://bit.ly/35uBhLZ

[44] المصدر السابق، مصر تضاعف استيراد الأسلحة الإيطالية 3 مرات، 9 سبتمبر/ أيلول 2020.

https://bit.ly/3dV2SKa

[45] المصدر السابق، السيسي يخطط لتحويل مصر إلى مركز لصناعة الأسلحة، 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/3kD7xTm

[46] موقع Defense Arabic، لماذا اشترت مصر مقاتلات Su-35؟ الجيش المصري يتربع على قائمة المشغلين للمقاتلات الروسية والغربية مُتفوقاً على الهند، 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2020. https://bit.ly/3mjs7Je

[47] الحساب الرسمي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بيان صحفي، 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://twitter.com/realDonaldTrump/status/1319683876046934016?s=20

[48] صحيفة المصري اليوم، بعد تطبيع السودان.. محمود عباس: لا يحق لأحد التحدث باسم الشعب الفلسطيني، 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020. https://bit.ly/34BbbYp

[49]  وكالة الأناضول، حماس: تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل "خطيئة سياسية"، 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020. https://bit.ly/3jFxEIa

[50] صحيفة القدس العربي، الفلسطينيون يرفضون تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسودان، 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/35DW0gE

[51] حساب عبدالفتاح السيسي على تويتر، تغريدة، 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://twitter.com/AlsisiOfficial/status/1319689816389410818?s=20

[52] الموقع الرسمي لوزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، دولة الإمارات ترحب بقرار السودان مباشرة العلاقات مع إسرائيل، 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/2TDHaRn

[53] الموقع الرسمي لوزارة الخارجية البحرينية، مملكة البحرين ترحب بالإعلان عن التوصل إلى اتفاق لبدء العلاقات بين جمهورية السودان ودولة إسرائيل، 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/31R30W7

[54]  موقع رئاسة الوزراء السودانية، بيان من رئاسة مجلس الوزراء، 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/3kFllNl

[55]  ميدل إيست أون لاين، السودان يكشف تفاصيل صفقة التطبيع مع إسرائيل، 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

https://bit.ly/2TtZ9d6

[56] CNN عربي، 335 مليون دولار تعويضات مقابل رفع اسم السودان من قوائم الإرهاب.

https://cnn.it/34z2g9W

[57] وكالة الأناضول، نتنياهو: لن نسمح لفرصة ضم مستوطنات بالضفة أن تمر، 25 مايو/ أيار 2020.

https://bit.ly/2AgaO8T

[58] هيرمس، رقم قياسي.. 102 مليار دولار ديونًا أصدرتها حكومات وشركات الخليج منذ بداية 2020، 21 أكتوبر 2020.

[59] الأنباء، معهد التمويل الدولي: 220 مليار دولار ديون دول الخليج، 10 مارس 2020.

[60] زاوية، نظرة سريعة على إصدارات دول الخليج من السندات هذا العام، 21 أكتوبر 2020.

[61] الشرق الأوسط، السودان يتسلم منحة قمح من الإمارات وشحنة من إسرائيل، 25 أكتوبر 2020.

[62] روسيا اليوم، صندوق إماراتي يقدم منحة مالية بأكثر من نصف مليار دولار للسودان، 26 أكتوبر 2020.

[63] العربي الجديد، إسقاط ديون السودان: تشكيك رغم الوعود الرسمية، 25 أكتوبر 2020.

[64] قاعدة بيانات البنك الدولي، مؤشر الاحتياطيات (بما فيها الذهب، بالاسعار الجارية للدولار الأمريكي)

https://data.albankaldawli.org/indicator/FI.RES.TOTL.CD?view=chart

[65] العين، تبخر ثلث إيرادات الجزائر من النفط والغاز..الاقتصاد يتجه للأصعب، 21 يوليو 2020.

[66] رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.

[67] https://bit.ly/3jGKlTf

[68] أقوال وآراء للعلماء والدعاة في المؤتمر العالمي لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم.  عقد عام 2006. موقع إسلام ويب.

[69]  إحسان الفقيه . العلماء بين الأمس واليوم.. أين أنت يا ابن عبد السلام؟ عربي 21 في 22 نوفمبر 2015.

[70]  موقع فيلسوف الحضارة . مالك بن نبي .

[71]  الظاهرة الغربية في الوعي الحضاري أنموذج مالك بن نبي . ص 45.

[72]  عبد الوهاب بو خلخال . قراءة في فكر مالك بن نبي . كتاب الأمة . العدد 152 . ص 50.

[73]  مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي . ص 50.

[74]  شروط النهضة . ص 44-45.

[75]  عائشة المناعي . مظاهر التجديد في فكر مالك بن نبي . 20 مايو 2017.

[76] ما بعد مالك بن نبي/ نحو تجديد الخطاب الحضاري في مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين. الدكتور البشير قلاتي . شركة الأصالة للنشر ـ الجزائر  ـ تشرين الأول / أكتوبر 2019. ص 71 ـ 72.   

[77]  المشروع الحضاري في فكر مالك بن نبي . محمد علي يوسف . مدونات الجزيرة.9 سبتمبر 2019.

[78]  المستشار عبد الله العقيل . من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة.

[79]  المفكر الجزائري مالك بن نبي .. يعود من جديد . عربي 21. في 23 أغسطس 2019.

[80] ما بعد مالك بن نبي/ نحو تجديد الخطاب الحضاري في مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين. ص169.

حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

إسرائيل إيران الإمارات البحرين الجزائر السعودية السودان العراق المغرب تركيا