حملة اعتقالات الإصلاحيين في إيران.. تشديد أمني أم إعادة رسم لمستقبل السلطة؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

ما تشهده إيران في المرحلة الراهنة من موجة اعتقالات، والتي نالت عددا من أبرز الشخصيات الإصلاحية، خطوة يصعب تفسيرها على أنها إجراءات أمنية اعتيادية أو مجرد مسارات قضائية منفصلة. 

ونشر مركز "إيرام" التركي مقالا للكاتب رحيم فرزام، تحدّث فيه أن "التوقيت السياسي الحساس، وطبيعة الأسماء التي جرى استهدافها، وحجم الاتهامات الموجهة إليها، كلها عوامل توحي بأن ما يجرى يتجاوز حدود الأمن، ليعكس محاولة أوسع لإعادة ضبط المجال السياسي الداخلي والتحكم في توازناته".

وتابع: "ومن ثم، فإن هذه الاعتقالات تبدو أقرب إلى قرار سياسي استباقي يهدف إلى احتواء المخاطر المحتملة على بنية النظام، أكثر من كونها استجابة قانونية لتهديدات ملموسة".

هاجس الأمن

وقال الكاتب التركي: إن "اللافت في هذه الحملة أنها ركزت على شخصيات لا تنتمي إلى معارضة راديكالية من خارج النظام، بل إلى تيار إصلاحي نشأ وعمل لسنوات طويلة داخل مؤسسات الجمهورية نفسها". 

وأوضح أن “الاعتقالات شملت آذر منصوري رئيس جبهة الإصلاح، وإبراهيم أصغرزاده وهو نائب سابق وأحد أبرز الوجوه التنظيمية في التيار، ومحسن أمين زاده الذي شغل منصب نائب وزير الخارجية في عهد محمد خاتمي”. 

إلى جانب “جواد إمام المتحدث باسم الجبهة، ثم اتسعت الدائرة لتضم علي شكوري راد وحسين كروبي، نجل رجل الدين والسياسي البارز مهدي كروبي”. 

وتشترك هذه الأسماء في أنها دعت إلى إصلاحات تدريجية من داخل النظام، وحافظت على حضور سياسي واجتماعي مؤثر، وهو ما منحها شرعية أكبر لدى قطاعات من الرأي العام مقارنة بالمعارضة الخارجية.

وأشار الكاتب إلى أن "تنفيذ العمليات بتنسيق مباشر بين استخبارات الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات يكشف أن القرار اتخذ على مستوى مركزي، وأن الأمر لا يتعلق بملفات قانونية منفصلة". 

كما أن طبيعة الاتهامات المعلنة، مثل الإخلال بالنظام السياسي والاجتماعي للبلاد، والعمل بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، واستهداف الوحدة الوطنية، ومعارضة النظام الدستوري، وخدمة دعاية الأعداء، وإنشاء آليات تخريبية سرية، كلّها تعكس لغة سياسية عامة أكثر منها توصيفا قانونيا محددا. 

فهذه التهم بصيغتها الواسعة تسمح بتجريم أي خطاب نقدي تقريبا، وهو ما يشير إلى أن الهدف الأساسي هو “تحييد الفاعلين السياسيين لا محاكمتهم على أفعال دقيقة”، وفق الكاتب فرزام.

وأردف: "لفهم أعمق لهذه التطورات، ينبغي وضعها في سياق ما بعد موجة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال الفترة الماضية". 

وتابع: "فقد واجهت السلطات تلك الاحتجاجات بقمع شديد، وهو ما خلّف أعدادا كبيرة من الضحايا، ثم سعت إلى صياغة رواية رسمية تصف الأحداث بأنها مؤامرة خارجية أو محاولة انقلاب، وذلك في مسعى لتوحيد القاعدة الاجتماعية للنظام وتبرير الإجراءات الأمنية الصارمة". 

غير أن هذا السرد لم يمر دون اعتراض؛ إذ شكك عدد من الإصلاحيين في الرواية الرسمية وحمّلوا المسؤولية المباشرة للحكومة، بل وللمرشد الأعلى علي خامنئي نفسه، ويرون أن جذور الأزمة داخلية وليست خارجية. 

هذا النوع من الانتقاد الصادر من شخصيات تنتمي إلى قلب النظام، كان أكثر إرباكا للسلطة من أي خطاب معارض من الخارج؛ لأنه يقوّض شرعية الرواية الرسمية من الداخل ويمنح الشارع بديلا سياسيا يتمتع بالمصداقية.

عملية استباقية

وقال فرزام: إن "إيران تعيش حالة ضغط مركبة تجمع بين أزمة شرعية داخلية متفاقمة، وتدهور اقتصادي مستمر، وتصاعد التهديدات العسكرية في محيطها الإقليمي، إضافة إلى احتمالات المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل". 

وأوضح أنه "في مثل هذه البيئات المتوترة، تميل الأنظمة إلى تقليص هامش التعددية وتقدير الانقسامات الداخلية مصدر ضعف يجب احتواؤه، لذلك لم يعد يُنظَر إلى الخلاف بين المحافظين والإصلاحيين على أنه تباين طبيعي داخل المشهد السياسي، بل كعامل هشاشة قد يهدد تماسك الدولة وصورتها في لحظة حرجة".

واستطرد: “من هنا يبرز سؤال مهم يتعلق بمدى اتساع هذه الحملة”.

ولفت فرزام إلى أنه "ثمة مؤشرات على أن الاعتقالات قد لا تتوقف عند حدود الصف الثاني من القيادات الإصلاحية، بل ربما تمتد إلى شخصيات أكثر وزنا، مثل حسن روحاني أو جواد ظريف، اللذين يُحمّلهما التيار المحافظ مسؤولية الأزمات الاقتصادية والدبلوماسية الراهنة". 

وذكر أنه “قد ظهرت بالفعل اتهامات إعلامية تربط روحاني بالتقارب مع الولايات المتحدة، بل وترددت أنباء عن احتمال فرض قيود أمنية عليه، وهو ما يعكس استعدادا متزايدا لاستخدام أدوات أمنية في صراعات سياسية داخلية”. 

وإذا تحققت مثل هذه السيناريوهات، فإن الأمر سيتجاوز مجرد الضغط المحدود ليتحول إلى عملية إعادة هندسة شاملة للنخبة السياسية، يؤكد فرزام.

وأضاف: "لا يمكن فصل هذه التحركات عن النقاش المتصاعد حول مرحلة ما بعد خامنئي، فكلما اقتربت لحظة الانتقال، ازدادت حساسية النظام تجاه أي تيار قد يطالب بإعادة توزيع السلطة أو بتعديلات جوهرية في بنية الحكم". 

واستطرد: "بذلك قد تكون الاعتقالات جزءا من عملية استباقية لإضعاف أي قوى قادرة على التأثير في شكل المرحلة المقبلة، وضمان بقاء مراكز القوة الأساسية في يد التيار الأكثر تشددا".

وختم الكاتب التركي مقاله قائلا: "لا تبدو الاعتقالات مجرد تدبير أمني عابر، بل تعكس إستراتيجية سياسية تهدف إلى تضييق المجال العام ومنع تشكل بديل إصلاحي من داخل النظام نفسه". 

وعلى المدى القصير، تسعى السلطة إلى تثبيت روايتها للأحداث وكبح أي أصوات نقدية قد تعيد إحياء الاحتجاجات، لكن على المدى الأبعد قد تمثل هذه الخطوات مؤشرا على صراع أعمق حول مستقبل الجمهورية وترتيبات السلطة في السنوات القادمة. 

لذلك وبحسب تقييم الكاتب فإن "ما يجرى اليوم ينبغي قراءته بوصفه جزءا من معركة سياسية طويلة الأمد، لا مجرد استجابة ظرفية لأزمة عابرة".