هل نجحت حماس في "تجريد شرعية وجود إسرائيل"؟.. معهد عبري يجيب

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

“إظهار المقاتلين كمحاربين من أجل الحرية، والتنصل من المسؤولية، وتبني لغة القانون الدولي، بهذه الوسائل الثلاث تعيد حماس رسم صورتها في العالم الغربي".

هذا ما خلص إليه "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي في تقريره الذي استعرض فيه وثيقة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” التي نشرتها في ديسمبر/ كانون الأول 2025 تحت عنوان: "روايتنا، طوفان الأقصى، عامان من الصمود والتطلع إلى التحرير".

ويركز التقرير المنزعج من نجاحات المقاومة الفلسطينية، على خطاب حماس الموجه إلى الجمهور الغربي بشكل خاص الذي يُكتب غالبا بالإنجليزية ويستخدم مفاهيم مألوفة في هذا السياق، مثل وصف مقاتليها بـ "مقاتلي حرية".

ويشير إلى أن "الهدف من هذه الجهود هو إعادة صياغة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كقضية أخلاقية تستدعي الاصطفاف إلى جانب الفلسطينيين".

ويحذر من أن نتائج استطلاعات الرأي، والاحتجاجات، وأحداث التضامن التي جرت خلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة ، تشير إلى أن هذا الهدف تحقق جزئيا.

رسائل المقاومة

وبحسب المعهد "تستهدف منشورات حماس جماهير رئيسة: أولا، الجمهور الفلسطيني والعربي، وذلك لإظهار الصمود والتماسك الأيدولوجي وحشد الشرعية الداخلية لمهاجمة إسرائيل، والحصول على الدعم السياسي والفكري، وثانيا، الجمهور الإسرائيلي، بهدف إرسال رسائل ردع وإثارة الخوف والارتباك وانخفاض المعنويات".

ويركز التقرير العبري على الجمهور الثالث، أي الساحة الدولية، والنصوص التي تضعها حماس مقابل الروايات الإسرائيلية وداعميها.

ويعتقد أن "الوثيقة التي حملت عنوان "طوفان الأقصى: عامان من الصمود والرغبة في التحرير"، والتي نشرتها حماس أخيرا، توفر فرصة لدراسة هذه السرديات، سواء تلك التي بُنيت بشكل مقصود أو تلك التي جاءت لمواجهة الطروحات الإسرائيلية".

ولفت إلى أنه "كما في وثائق أخرى خلال السنوات الأخيرة، تحاول حماس مخاطبة الرأي العام الغربي عبر تبني مصطلحات غربية لوصف ظواهر إسلامية، مثل استخدام تعبير (مقاتلي حرية) بجانب توصيف (الفرسان) و(المجاهدين)".

وهو وصف نوَّه إلى أنه "يظهر فقط في النسخة الإنجليزية من الوثيقة بينما يغيب عن النسخة العربية".

وتابع: "لا تستهدف الوثيقة الدفاع فقط عن التنظيم وأفعاله، بل تقدم أيضا بيانا عن طبيعة الصراع نفسه، فهي تنقل الصراع من كونه إقليميا إلى كونه معركة من أجل الإنسانية جمعاء".

في هذا الإطار، أشار إلى أن إسرائيل تُصوّر في الوثيقة كرمز لكل ما يجب أن يرفضه "العالم الحر".

وأردف: "الدولة التي كانت تعدّ منارة ديمقراطية، وتُعرف بـ"الفيلا في الغابة"، يُعاد تصويرها كغابة متنكرة في هيئة فيلا".

واستطرد: "من خلال تصوير إسرائيل على أنها مركز الفشل الأخلاقي العالمي، تُردد الوثيقة أيضا سرديات معادية للسامية قديمة؛ حيث يُصوّر اليهود على أنهم تجسيد لكل ما يُنظر إليه على أنه فاسد أو خطير أو غير إنساني".

ورصد التقرير تحول لغة ومصطلحات خطاب حركة حماس، "ففي بدايتها، اعتمدت الحركة على خطاب إسلامي تقليدي ولم تلجأ كثيرا إلى استخدام مصطلحات غربية".

"وفي هذا السياق، تبرز فروق جوهرية بين الميثاق الذي نشرته حماس عند تأسيسها، والذي عرضت فيه مبادئها الأساسية، وبين وثائق لاحقة أصدرتها الحركة". قال التقرير.

وأضاف: فميثاق عام 1988 هو وثيقة إسلامية دينية تهاجم العلمانية بحدة ووضوح، على عكس الوثائق اللاحقة التي استخدمت فيها حماس لغة علمانية غربية تتناول قضايا حقوق الإنسان والقانون والأخلاق غير الدينية". على حد وصفه.

ووفقا له، "تتجلى الصبغة الدينية للميثاق في كثرة الاستشهاد بآيات من القرآن، في مقابل وثائق أخرى تقتصر فيها الآيات الدينية في الغالب على فقرات المقدمة".

"كما ربط الميثاق القديم بشكل واضح بين حماس وحركة الإخوان المسلمين، وهي صلة تجنبتها الحركة في الوثيقة صدرت في ديسمبر/ كانون الأول 2025، إضافة إلى طرحه رؤية شديدة المحافظة للأدوار الجندرية، وهي رؤية لم تكن لتلقى قبولا لدى الجماهير الغربية التي وجهت إليها الوثائق اللاحقة".

تدويل أخلاقي

ويقول المعهد العبري، "هناك اختلاف جوهري آخر بين ميثاق حماس ووثيقة تلخيص الحرب، يكمن في طبيعة الجماهير التي يُطلب منها التحرك دعما للفلسطينيين".

وتابع موضحا: "ففي حين وضع الميثاق القضية الفلسطينية كقضية إسلامية على كل مسلم في العالم أن ينخرط فيها، فإن حماس اليوم تقدمها كقضية دولية تستوجب تدخل كل مواطن في العالم يرى نفسه إنسانا متحضرا وأخلاقيا".

بهذا الشكل، يعتقد التقرير أن الحركة "تحاول تحويل القضية الفلسطينية إلى معيار أخلاقي يُختبر من خلاله الغرب أفرادا ومجتمعات".

وأردف: "إنها عملية "تدويل أخلاقي" للصراع، تختلف عن التدويل السياسي الذي تبنته الحركة على مدى سنوات".

إضافة إلى ذلك، "بينما كان تمثيل القضية الفلسطينية في السابق منوطا بمنظمة التحرير الفلسطينية ثم السلطة الفلسطينية، تسعى حماس اليوم لأن تكون هي الممثل الرئيس لها في الساحة الدولية". على حد قوله.

ويقدر التقرير أن هذا التحول ليس جديدا تماما، فقد برزت ملامح ما أسماه "التغريب" في خطاب حماس عام 2017 مع نشر "وثيقة المبادئ والسياسات العامة"، التي عدّها "تقدم رؤية أكثر إنسانية وتسامحا تجاه العلمانية".

وبحسب رؤيته، "يعكس هذا التغيير موقع الحركة المتغير في الساحة الدولية، فبعد أن كانت منظمة منبوذة، أصبحت طرفا معترفا به يمكن التحاور معه".

وأشار إلى أن ذلك "يتضح في علاقاتها مع تركيا العضو في الناتو، وقطر الحليفة للولايات المتحدة، وكذلك في تقبلها لدى جماهير غربية مختلفة، خصوصا في الجامعات ومنظمات المجتمع المدني".

ومع هذا الاعتراف، يعتقد أن حماس "أدركت ضرورة استثمار الفرصة لكسب شرعية لدى المواطنين في الغرب".

إضافة إلى الوثيقة الأخيرة الصادرة في ديسمبر/ كانون الأول 2025، تناول المعهد وثيقة يناير/كانون 2024 التي جاءت بعنوان “سرديتنا” التي نشرتها "كنوع من الدفاع أمام الانتقادات التي وُجهت إليها عقب الهجوم الدموي". على حد وصفه.

وقال: "اتسمت وثيقة 2024 بخطاب غربي أكثر، وكانت أقصر وأقل شمولية من وثيقة تلخيص الحرب، لكنها وضعت الأساس للوثيقة التي صدرت بعد عامين، والتي أظهرت أن الحركة راضية عن الدعم الدولي الذي حصلت عليه خلال الحرب وعن فشل الرواية الإسرائيلية في إقناع الرأي العام".

وتابع: "بدلا من إخفاء جرائمها، توجهت حماس إلى هجوم مباشر على إسرائيل بسبب أفعالها في الحرب".

وأشار إلى أن "الوثيقة وصفت مجزرة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بـ "يوم العبور المجيد"، ما يعكس فخرا بها حتى أمام جمهور ناطق بالإنجليزية".

ولفت التقرير أن استخدام مصطلح "العبور" كان مقصودا، فهو "ليس محايدا، بل يستحضر المصطلحات المصرية التي مجّدت عملية العبور في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973".

في المقابل، انتقد المعهد العبري إسرائيل قائلا: "لم تقدم الحكومة ردا كافيا على هذه السرديات أو على صور الدمار والقتل التي خرجت من غزة، ولم تبذل جهودا كافية لصياغة رسائلها ونشرها".

وبرر ذلك بالقول: "ربما كان السبب رغبتها في تجنب تعزيز رواية حماس عبر الرد عليها، لكن هذا ترك الساحة الغربية مفتوحة أمام انتشار سرديات الحركة".

فضلا عن ذلك، يرى أن إسرائيل "لم تبرز جهودها في الالتزام بالقانون الدولي، وهو ما استغلته حماس لتأكيد أن إسرائيل انتهكت هذا القانون".

سلوكيات صهيونية متجذرة 

وأبرز المعهد العبري ما عدّه "سعي الوثيقة للنأي بنفسها عن صورة الإرهابيين الذين يقتلون المدنيين".

في هذا السياق، أشارت الوثيقة إلى أن "قتل المدنيين وارتكاب المجازر الوحشية والتطهير العرقي هي سلوكيات صهيونية متجذرة منذ تأسيس الكيان، مؤكدة وجود آلاف الأدلة القاطعة التي تثبت ذلك دون أن تترك مجالا للشك أو الجدل".

وعلق قائلا: "هذا المسعى لتحميل إسرائيل مسؤولية الجرائم التي تُتهم بها حماس نفسها هو جزء من إستراتيجية تحويل اللوم من الجاني إلى الضحية".

وقدر أن "هذا الجهد وجد صداه في الغرب، حيث ظهرت في بعض الأوساط حالة من النسيان الانتقائي لجرائم حماس، مقابل تذكر انتقائي لأفعال إسرائيل خلال الحرب".

إلا أن الخطير في الوثيقة أن "خطاب حماس يشدد على أن (قتل إسرائيل للمدنيين وارتكابها مجازر وحشية) لا يعد حالات استثنائية، بل هو تعبير عن نهج ثابت منذ تأسيسها".

وبناء على ذلك، يرى المعهد أن الوثيقة "تدعو للنظر إلي إسرائيل ليس فقط كدولة في حالة حرب أو كمن ارتكب جرائم ضد الفلسطينيين، بل ككيان يقوم وجوده ذاته على أفعال إجرامية من هذا النوع".

ووفقا له، فإن "هذه الرواية تهدف إلى نزع الشرعية الكاملة عن إسرائيل؛ إذ إن "كيانا" أُنشئ على هذا الأساس لا يُفترض أن تكون له حق في الوجود".

إلى جانب محاولتها إنكار حق إسرائيل في الوجود، وإدراكا منها، وفق تقدير التقرير، أن هذا الطرح قد لا يحظى بتأييد واسع في الغرب، أفاد المعهد بأن حماس "تسعى إلى نزع تصنيف إسرائيل كدولة غربية".

فهجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ساعد على "تقويض مكانة إسرائيل كـ(الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط)". 

وتابع: "النص لا يكتفي بالتشكيك في طابعها الديمقراطي، بل يصورها كخائنة للقيم الليبرالية الغربية التي تدّعي تمثيلها، ويذهب إلى القول: إن (الكيان الإسرائيلي تحول من حصن الحضارة الغربية إلى عبء سياسي على حلفائه الذين لم يعودوا يرونه الديمقراطية الوحيدة في المنطقة)".

يُظهر النص أيضا أن حماس "تحوّل مفاهيم حقوق الإنسان والمصطلحات القانونية إلى أدوات في معركتها ضد إسرائيل".

وقال: "فمصطلحات مثل "إبادة جماعية" و"استعمار استيطاني" أصبحت جزءا من الخطاب العالمي حول القضية الفلسطينية".

ووفق تقديره، فإن "الهدف ليس مجرد الانتصار الخطابي، بل إعادة تقديم "فلسطين" كمعيار أخلاقي جديد، وكاختبار للعدالة والحرية وحقوق الإنسان".

وبذلك، تعيد حماس "تموضع الصراع باعتباره الاختبار الأخلاقي المركزي لعصرنا، حيث يُفترض أن كل إنسان غربي يسعى لرؤية نفسه متحضرا وعادلا أن يدعم هذه القضية ويتحدث باسمها". وفق قوله.

حرب الروايات

"ومن أبرز الأمثلة على أهمية حرب السرديات لدى حماس إدراج الصحفيين ضمن فئة "الأبطال المدنيين"، إلى جانب الأطباء ورجال الشرطة والدفاع المدني". يقول المعهد العبري.

ويتابع: "ورغم أن الصحفيين لا يعدون عادة جزءا من هذه الفئة، فإن الأمر يختلف عندما تكون الحرب حربا على الوعي بقدر ما هي حرب ميدانية".

فمن وجهة نظره، "خدم إبراز دور الصحفيين حماس، وساعدها على الظهور كمن يتشارك مع الغرب في قيمة حرية الصحافة".

وأضاف أنه "للتأكيد على ذلك، شددت الحركة على أن إسرائيل قتلت صحفيين ومنعت دخول وسائل الإعلام إلى غزة، رغم أن إسرائيل أثبتت أن بعض هؤلاء الصحفيين كانوا ناشطين في منظمات مسلحة، كما سمحت بدخول وسائل إعلام دولية تحت إشراف الجيش".

ولفت إلى أن حماس "استغلت بذكاء حقيقة أن التوضيحات الإسرائيلية لا تحظى بقبول لدى المجتمع الدولي، كما يتضح من دعوى منظمة "مراسلون بلا حدود" أمام المحكمة العليا ضد إسرائيل، ولذلك تواصل الحركة إثارة هذه القضية للإضرار بصورتها".

إضافة إلى ذلك، ادعى المعهد أن "قناة الجزيرة القطرية لعبت دورا كذراع دعائية للحركة، في تعاون كامل أفاد الطرفين".

كما حصل مؤثرون على شبكات التواصل، على وصول مباشر إلى قادة حماس ومناطق الدمار والقتال، وهو ما عده "دليلا على أن الحركة وظفت الإعلام بذكاء إستراتيجي خلال الحرب".

في المجمل، يرى المعهد العبري أن الإستراتيجية السردية لحماس بعد الحرب، كما انعكست في وثيقة تلخيصها، تظهر أنها "ليست مجرد دعاية عابرة، بل حملة إقناع منظمة تستهدف بالدرجة الأولى الجماهير الدولية".

فمن خلال استخدام لغة ومفاهيم ذات دلالات أخلاقية في الديمقراطيات الليبرالية مثل حقوق الإنسان، القانون الدولي، مناهضة العنصرية، الحرية، تسعى حماس إلى "تحويل الصراع من نزاع ديني أو سياسي إقليمي أو أمني إلى قضية أخلاقية كونية؛ حيث لا يُقبل الحياد، فضلا عن دعم إسرائيل".

وأضاف: "الأدوات التي يعرضها النص، مثل إعادة توصيف منفذي العمليات كـ "مقاتلي حرية"، وتحويل المسؤولية واللوم، وتبني لغة القانون الدولي، تهدف إلى تقويض شرعية إسرائيل الأساسية وكسب ضغط خارجي كرصيد إستراتيجي".

وخلص إلى أن "الرسالة المركزية واضحة: حماس تستثمر في "القوة الناعمة" وتعتبر الغرب ساحة معركة رئيسة، وفهم هذه الجبهة ضروري لتقييم كيفية ترجمة السرديات إلى مكاسب ثقافية وسياسية".

وأقر المعهد في ختام حديثه أن "هذه السرديات وجدت صدى واسعا في الغرب، الأمر الذي يستوجب من إسرائيل التعامل معها بجدية".

وبحسبه، "يمكن تحقيق ذلك عبر تكثيف حضور متحدثين رسميين مدنيين في الإعلام الدولي، مع تركيز مستمر على الجماهير المستهدفة الأكثر تأثيرا".