لماذا تثير التحركات السعودية التركية قلقا عميقا لدى إسرائيل والإمارات؟

"السعودية لا تتصرف لحماية نفسها فحسب، بل لتشكيل قواعد اللعبة الإقليمية أيضا"
مع تراجع قوة محور المقاومة في الشرق الأوسط، وبسط الحكومة اليمنية الشرعية المدعومة من السعودية سيطرتها على مناطق جنوب اليمن وهزيمة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا، تبرز في المنطقة خريطة تحالفات جديدة تؤثر بالسلب على مشروعات إسرائيل الإقليمية.
وسلطت صحف عبرية الضوء على هذا التغير الدراماتيكي في الإقليم تحت عدة عناوين أبرزها: "الحرب العربية الباردة: السعودية تشن هجوما شاملا وتعلن الحرب على الإمارات وإسرائيل"، "التحرك العسكري السعودي والمصري ضد الإمارات وإسرائيل".
وما يزيد من قلق الإعلام العبري، أن السعودية لا تتحرك بمفردها؛ إذ باتت الرياض تُشرك أنقرة في خطواتها الأخيرة بالمنطقة، وهو ما جعل صحيفة "معاريف" تكتب محذرة: "ابن سلمان يعرض على أردوغان سلطة مطلقة على طبق من فضة".
وفي مقابل تلك التحركات السعودية التركية، اتجهت الإمارات وإسرائيل نحو الهند؛ إذ ترى الصحيفة أن هناك "تطابقا تاما في المصالح بين تل أبيب وأبوظبي ونيودلهي، مما يجعلهم عماد النظام الإقليمي الجديد".

قوعد جديدة للعبة
واستهلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تقريرها قائلة: "إن التقارب مع تركيا وقطر على حساب الإمارات، والتعاون الأمني والاقتصادي مع باكستان، وتزايد المواقف الحازمة في اليمن والسودان؛ كلها أمور توضح أن السعودية لا تتصرف لحماية نفسها فحسب، بل لتشكيل قواعد اللعبة الإقليمية أيضا".
وتابعت: "تسعى الرياض إلى بناء شبكة بديلة من الدعم الإستراتيجي لمواجهة حالة عدم اليقين التي تكتنف علاقاتها مع الولايات المتحدة، ومخاوفها من تعزيز نفوذ إسرائيل وسلوكها غير المتوقع، فضلا عن حاجتها إلى ترسيخ مكانتها الإقليمية".
ولفت إلى أن المملكة "لم تعد تعتمد على شبكة شراكاتها التقليدية، بل تبحث عن جهات فاعلة -حتى تلك التي كانت على خلاف معها سابقا- قادرة على تزويدها بالقدرات الأمنية والمرونة الإستراتيجية والقيمة الاقتصادية والصناعية، مما يقلّل من هشاشتها في بيئة إقليمية معقدة وتنافسية".
وأشار إلى أن "الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تتمثل في اتفاقية أمنية ناشئة تتضمن شراء طائرات مقاتلة من طراز "JF-17" التي تنتجها باكستان بالشراكة مع الصين، الأمر الذي يوسع قدرة الردع السعودية".
ويعتقد يوئيل غوزانسكي رئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي العبري، والمسؤول السابق بوكالة الاستخبارات الدفاعية الوطنية أن "هذه التحركات لا تعد مجرد رد فعل على تزايد حالة عدم اليقين الإقليمي".
فهي من وجهة نظره "جزء من مسعى لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والحفاظ على مكانة السعودية الرائدة على حساب الإمارات التي يُنظر إليها بشكل متزايد ليس فقط كمنافس اقتصادي، بل أيضا كطرف يعمل، بالتعاون مع إسرائيل، على تقويض المصالح السعودية الأساسية في منطقة البحر الأحمر".
في هذا السياق، أشارت صحيفة "معاريف" إلى أن "السعودية أبدت استعدادها لاستثمار أموال تهدف إلى تقويض (الإستراتيجية الإماراتية) في اليمن، وضمان القضاء التام على المشروع الانفصالي في البلاد".
وتجلى ذلك في قرار الرياض تخصيص نحو نصف مليار دولار للبنية التحتية والتنمية في اليمن (الموحد)، في خطوة عدتها الصحيفة "محاولة واضحة للقضاء على المشروع الانفصالي المدعوم من أبوظبي".
ولم تكتف السعودية بالتحرك ضد الإمارات في اليمن فحسب؛ إذ ذكرت الصحيفة العبرية أن الرياض "وجهت رسائل إلى لبنان والسودان تُفيد باستعدادها لتقديم مساعدات مالية لتعزيز استقرار وشرعية الحكومات الرسمية في هذين البلدين".
وأضافت أنه "في حالة السودان، تُؤكد مصادر دبلوماسية أن المملكة تُقدّم ضمانات ملموسة لتعزيز القدرات الدفاعية والهجومية للحكومة السودانية، بهدف موازنة التسليح الذي تقدمه الإمارات لقوات الدعم السريع".
ووفق الصحيفة، "تُشير المصادر نفسها إلى أن هذه الخطوة جاءت بالتنسيق الواضح مع جهات دولية مختلفة، خلصت إلى ضرورة إنهاء الصراع في اليمن وحله".
ويرى التقرير أن "التطورات الأخيرة تعكس تموضعا سعوديا جديدا في مواجهة التحالف القائم بين الإمارات وإسرائيل، حيث ترسم الرياض خطا أحمر ضد تعاون أبوظبي وتل أبيب، خصوصا فيما يتعلق بالمشاريع الإستراتيجية في البحر الأحمر".
ويقدر أن الأمر لن يقتصر على اليمن والسودان والصومال والبحر الأحمر فقط، وقال: "يبدو أن السعودية دخلت في مواجهة عميقة وطويلة الأمد مع المصالح الإقليمية للإمارات، ليس فقط في اليمن، بل في مجمل المنطقة".
وعزز طرحه بما يظهر في الخطاب الإعلامي السعودي؛ حيث بدأ في استخدام مصطلح "حكومة أبوظبي" بدلا من "الإمارات العربية المتحدة"، وهو ما عدّه "تعبيرا يوحي بتحول في الوعي السياسي وبداية قطيعة آخذة في التشكل".
وأردف: "يرى محللون أن هذا التغيير يعكس تزايد الشرعية داخل المؤسسة السعودية لتوجيه انتقادات علنية ضد المشروع الإقليمي لأبوظبي، ولا سيما تعاونها مع إسرائيل".
واستطرد: "تتصاعد القناعة في الأوساط السعودية بأن منح حرية الحركة لـ (الأجندة الإماراتية- الإسرائيلية)، التي تدفع نحو تقسيم المجتمعات الإقليمية، قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات ليس فقط في اليمن، بل أيضا في الصومال والسودان ومناطق أخرى".
ونقلت الصحيفة عن مصادر دبلوماسية غربية تقديرها أن "هناك شعورا متناميا في الرياض بأن نموذج التفكيك والعسكرة وتمويل المليشيات -المطبق في اليمن والسودان والصومال- قد يُستخدم مستقبلا ضدها أيضا".
"هذا التخوف، وفق تلك المصادر، هو ما دفع السعودية إلى المضي حتى النهاية، عسكريا وسياسيا، لحسم صراع جوهري وعميق مع الإمارات".
وأشارت الصحيفة إلى أنه "عقب خلاف حاد وجذري، اتخذت السعودية -بحسب تلك المصادر- قرارا إستراتيجيا بإنهاء المواجهة بشكل قاطع، حتى وإن كان الثمن تفكيك أحد المحاور المركزية التي نشطت في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير".
في السياق ذاته، قال يوئيل غوزانسكي: "تسعى الرياض لإنشاء منظومة تحوط كلاسيكية تُمكّن المملكة من التحرك في بيئة تتزايد فيها حالة عدم اليقين، وتعطى إشارة إلى الولايات المتحدة بأن لديها خيارات إضافية".
وأضاف المسؤول الاستخباراتي السابق: "لا تسعى المملكة إلى تحسين قدراتها الدفاعية فحسب، بل تعيد تعريف مكانتها كلاعب رئيس في الشرق الأوسط، وتعزز قدرتها على المناورة، وتُحوّل المفاهيم القديمة حول (المعسكرات) الثنائية نحو واقع إستراتيجي جديد".
وبحسب رؤيته، فإن "إسرائيل ليست جزءا من هذه الرؤية؛ حيث يبدو أن المملكة قد أصيبت بخيبة أمل من الحكومة الإسرائيلية التي ترفض تلبية الحد الأدنى من مطالبها، ألا وهو خطة لإقامة دولة فلسطينية".
علاوة على ذلك، يعتقد غوزانسكي أن "التحركات السعودية الأخيرة وانضمام دول مثل قطر وتركيا إلى التحالف السعودي الناشئ قد يضع السعودية وإسرائيل على طرفي نقيض".
وتتفق صحيفة "معاريف" مع هذا التحليل: "لا يقتصر الخلاف بين السعودية والإمارات على مجرد مسائل محددة، بل تسعى الرياض إلى الحد من نفوذ إسرائيل في أعقاب اتفاقيات أبراهام والاعتراف بصوماليلاند".
وتابعت: "وبحسب افتتاحية نشرتها مجلة "فورين بوليسي"، فإن التحركات السعودية ضد الإمارات تمثل أكثر بكثير من مجرد نزاع محلي؛ حيث تشير المجلة إلى أن الرياض تحاول تحقيق التوازن مع إسرائيل، التي وُصفت بأنها تتصرف بطريقة (غير مقيدة وتهديدية) في المنطقة".
وعقّبت الصحيفة العبرية: "إن التوتر المتصاعد بين الحليفين الخليجيين القديمين يكشف عن تصدعات عميقة في النظام الإقليمي؛ حيث يخشى السعوديون أن تكون الإمارات جزءا من مشروع إقليمي تقوده إسرائيل ويسعى إلى الهيمنة في الشرق الأوسط".

حرب باردة
وتطرقت الصحيفة إلى المتغيرات الإقليمية والداخلية التي دفعت الرياض لتبني نهج المواجهة مع المشروع الإماراتي الإسرائيلي.
وكتب إيلي ليون في مقاله بالصحيفة: " إن تفكك محور (المقاومة) الشيعي الذي تآكل بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية التي استهدفت القيادة والبنية اللوجستية لإيران وأذرعها، أزال الحاجز الذي كان يمنع المنافسة العربية الداخلية".
وأضاف أنه "مع غياب موقف أميركي صارم أو تهديد إيراني متماسك يوحد الصفوف، باتت المنافسة مباشرة وعلنية".
في ضوء ذلك، أشار الكاتب إلى أن "الرياض تتحرك لتغيير اتجاهها وإعادة تموضعها استعدادا لمعركة على الزعامة الإقليمية في الشرق الأوسط، الذي تعده مقبلا على تحولات جذرية غير مسبوقة".
ووصف هذا التحول بـ "الحرب الباردة العربية"، وهي وفقا له، "ديناميكية تنافسية بين الدول العربية على الشرعية والهرمية، كانت قد تراجعت إلى الهامش خلال العقود الماضية لصالح الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والمواجهة بين الكتلتين في مواجهة إيران".
ولا تأتي هذه التحركات الإقليمية بمعزل عن السياق الدولي، فبحسب تقديره، "يتقلص النظام الليبرالي العالمي، فيما تعمل واشنطن اليوم بشكل أحادي، دون محاولة لإضفاء طابع عقلاني ليبرالي على سياساتها".
بناء عليه، يرى أنه "في هذه البيئة، لم يعد الوصول إلى الأسواق وضمان الأمن يتحقق عبر الالتزام بالمؤسسات الدولية، بل عبر أدوات النفوذ والمناورة".
ويعتقد أن "الدول التي استوعبت هذا التحول مبكرا -السعودية والإمارات وتركيا وإسرائيل- تخوض الآن منافسة على صياغة النظام الجديد".
وأردف: "هذه المنافسة لم تعد بين كتل مستقرة، بل عبر (مجموعة قدرات) متنوعة تضعها كل دولة على الطاولة".
فيما يتعلق بالمواجهة بين الرياض وتل أبيب، قال: "التناقض البنيوي بين المصالح السعودية والعقيدة الإسرائيلية يخلق حالة من عدم التوازن في ساحة التنافس".
واستطرد: "وبما أن الرياض لا تستطيع مجاراة إسرائيل في المجال العسكري أو الاستخباراتي، فإنها تلجأ إلى أدوات غير مباشرة".
واسترسل: "مكانة إسرائيل كـ (منبوذة) في السياسة العربية تمنح السعودية فرصة لاستهداف الإمارات بشكل غير مباشر".
وتابع موضحا: "فالعلاقة الأمنية والتطبيع بين أبوظبي وتل أبيب يوفران للرياض إطارا لتصوير الخلافات الجيوسياسية في اليمن والسودان على أنها معركة من أجل الكرامة العربية والدفاع عن الإسلام".
هكذا، يقدر الصحفي العبري أن "القضية الفلسطينية والموقف المناهض للصهيونية تحولا إلى أداة قوية بيد الرياض في صراعها على الهرمية الإقليمية، فهذا المجال هو الوحيد الذي تمتلك فيه السعودية ميزة نسبية حاسمة، تتمثل في الشرعية الدينية والقدرة على تعبئة الشارع العربي، في مواجهة الإمارات التي تبقى عرضة لانتقادات شعبوية".
وفق هذه المعطيات، خلص إيلي ليون إلى أن "تجميد مسار التطبيع مع إسرائيل وتعزيز الخطاب المؤيد للفلسطينيين لا يُعدان مجرد مواقف أيديولوجية، بل خطوة مدروسة تهدف إلى إضعاف النفوذ الإقليمي لأبوظبي دون المساس بأجندة التحديث الداخلي للمملكة".
واختتم مقاله بالقول: "وبهذا، تستطيع الرياض المضي في مسار الليبرالية الاجتماعية داخليا، بينما توظف خطاب التضامن الإسلامي والموقف المناهض للصهيونية خارجيا كأداة للتنافس بين الدول".

تطبيع متعثر
ومع التركيز على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المملكة ، ذهب موقع "القناة الـ12" إلى القول بأن "كل التحركات السعودية الصدامية ضد الإمارات وإسرائيل، وسعيها لتشكيل تحالف أمني مع تركيا وباكستان، تعد نقطة تحول ضرورية لتمكين ولي العهد من تحقيق مهمته الأسمى".
والتي تعد -بحسب الموقع الإسرائيلي- "الإصلاح السياسي الأكثر جذرية وعمقا في القرن الحادي والعشرين، والذي يصطدم حاليا بالواقع الاقتصادي والجيوسياسي".
وتابع موضحا: "يخوض ولي العهد في الداخل حربا وجودية ضد التقاليد والدين والاقتصاد المتدهور، مع عجز كبير وفشل متزايد في تنفيذ (رؤية 2030)، يُجبر ابن سلمان على التخلي عن منطق اتفاقيات إبراهام لصالح اعتبارات البقاء الداخلي".
في هذا السياق، أوضح الموقع أن ابن سلمان "لم يكن صهيونيا بالأساس، بل سعى إلى تحالف دفاعي مع الولايات المتحدة، وأدرك أن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو التطبيع مع تل أبيب".
وبحسبه، "كان ذلك مدفوعا بحسابات معينة أبرزها، النبذ في واشنطن نتيجة مقتل الصحفي جمال خاشقجي، والخوف المتزايد من طهران، لا سيما في قصف الحوثيين منشآت أرامكو النفطية في 2019 دون أن تتحرك واشنطن للدفاع عن المملكة".
واستطرد: "كان من المفترض أن تكون إسرائيل كبش فداء يُعيده إلى كنف الغرب ويحميه من إيران".
بناء عليه، يرى الموقع أن "قراءة إسرائيل للواقع السعودي من خلال (نظارات التطبيع) قراءة خاطئة".
وعزا ذلك قائلا: نحن امتداد ثالث للمشروع الطموح لولي العهد الشجاع، إن افتراض أن يقود ابن سلمان تحديثا مستقرا وسلسا في الشرق الأوسط هو افتراض متفائل للغاية".
واستطرد: "إن فرصة نجاح مركزية قوية في إحداث تحول ثقافي عميق يقبل بالتطبيع دون صدمات هائلة ضئيلة".
وبالتالي، يقدر الموقع العبري أنه "من الطبيعي تماما، في هذا الواقع السياسي، أن يسعى ابن سلمان للابتعاد عن منطق التطبيع الذي من شأنه أن يعمق خلافه مع قوى الإصلاح الداخلية".
وأضاف: "بدلا من ذلك، فهو (يلعب بحذر) بخطاب يُؤكد على هيمنة السعودية في المنطقة إلى جانب شركاء طبيعيين مثل تركيا وباكستان".
واختتم حديثه قائلا: "إن تحركات ابن سلمان الأخيرة بالابتعاد عن اتفاقيات أبراهام، وتجديد التحالف مع باكستان، تشير إلى أنه يبحث عن ضمانات ويسعى لاستغلال الانفتاح الجيوسياسي الذي أُتيح له".
واسترسل: "بالنسبة لنا، هذه إشارة للعودة إلى النظر إلى الركيزة الحقيقية والمستقرة في المنطقة، نيودلهي، لا الرياض".
في هذا الصدد، يرى "معهد دراسات الأمن القومي" العبري أن "الواقع الإقليمي في السنوات الأخيرة -وبشكل أوضح في الأشهر الماضية- ينسف (المعسكر السني العربي) من أساسه".
بل إنه يرى أن "افتراض بوجود (معسكر الإخوان المسلمين) بدأ يتزعزع، ففي السنوات الأخيرة تعمقت العلاقات بين تركيا والسعودية، وهما دولتان تُصوَّران في إسرائيل ككيانين على طرفي نقيض أيديولوجي".
وعزا ذلك قائلا: "تعمل أنقرة والرياض على تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، وتشير التقارير إلى أنهما في قلب تحالف إقليمي جديد بمشاركة باكستان".
في ضوء ذلك، انتقد المعهد السردية الإسرائيلية التي "تقسم الشرق الأوسط إلى معسكرات أيديولوجية". مشيرا إلى أن تل أبيب "بحاجة إلى سردية منظمة تعكس فهما حقيقيا للواقع".
فهو يعتقد أن "دول المنطقة تتحرك بمرونة، وأحيانا بتناقض، استنادا إلى مصالح متغيرة لا إلى ولاءات ثابتة".
"كما أن التنافس بين الرياض وأبوظبي لا يمثل حالة شاذة مؤقتة، بل هو تعبير عن بنية إقليمية تكون فيها الشراكات مؤقتة والتحالفات رخوة". يقول المعهد.
ويتابع: "فالسعودية، على سبيل المثال، تنظر إلى كل من إيران وإسرائيل بوصفهما عاملين مزعزعين للاستقرار الإقليمي، ولذلك تبحث عن مسارات متعددة تضمن استقرارها".
وبالتالي، خلص إلى أن "التمسك الإسرائيلي بصورة (المعسكر السني العربي) الموحد ليس مجرد خطأ تحليلي، بل ينطوي أيضا على مخاطر حقيقية".
فبحسبه، "يؤدي هذا الافتراض إلى قراءة مغلوطة للمشهد الإقليمي، ويغذي توقعات غير واقعية، ويدفع نحو خطوات سياسية لا تأخذ في الحسبان عمق الانقسامات وتعارض المصالح في المنطقة".
"كما أنه يعيق القدرة على رصد الفرص، فالشرق الأوسط لا يعمل وفق منطق المعسكرات، بل وفق قواعد المنافسة واستغلال الفرص، وقد آن الأوان لتحليله على هذا الأساس". وفق قوله.

تحالف مضاد
وفي سياق مواجهة شبكة النفوذ الإماراتية الإسرائيلية، أفادت صحيفة “معاريف” بأن الرياض بصدد إقامة تحالف عسكري جديد مع الصومال ومصر، في إطار جهود أوسع للحد من نفوذ الإمارات العربية المتحدة في المنطقة".
وتابعت: "تشير ثقافة الاتفاقيات العسكرية والأمنية مع السعودية، وفق تقديرات متعددة، إلى اتجاه متصاعد نحو إنشاء قوة دفاع عربية مشتركة، بوصفها ثقلا موازنا لتأثير كل من الإمارات وإسرائيل".
في ضوء ذلك، أشارت الصحيفة إلى "أن التقارب بين تركيا والسعودية، بدعم أميركي، يخلق محورا يعمق نفوذ أنقرة في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، وهو ما يثير قلقا بالغا لدى إسرائيل".
وأضافت: "بالتوازي مع توسيع نفوذها في سوريا وتعزيز علاقاتها الأمنية مع العراق والأردن ولبنان؛ تسعى أنقرة للانضمام إلى اتفاقية الأمن على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو) الموقعة بين السعودية وباكستان، الدولة النووية، في سبتمبر/ أيلول 2025.
ونوهت إلى أن "هذه التحركات ليست وليدة الصدفة، بل هي جزء من سياسة واقعية وعملية يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان".
"الذي يسعى إلى تشكيل تحالفات إقليمية جديدة، تلعب فيها تركيا دورا محوريا يربط الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والبحر الأحمر، وذلك بالتنسيق الوثيق مع الرياض وبدعم أميركي مرن". بحسب تحليلها.
وأبرزت هذه المحاولات التركية قائلة: "حاولت أنقرة في عام 2025 إنشاء إطار أمني جديد يضم العراق وسوريا والأردن ولبنان لمواجهة تنظيم داعش".
ووفقا لها، "كان الهدف من هذه المبادرة إنشاء غرفة عمليات مشتركة في دمشق، إلا أن الأردن وحده هو من قرر المشاركة في العمليات".
واستطردت: “تسعى تركيا لجعل البنية الأمنية القائمة أكثر تعددية في البداية، ثم أكثر إقليمية”.
في هذا الإطار، تعتقد أن "يُتيح تعزيز العلاقات مع إدارة ترامب، والذي يشمل، من بين أمور أخرى، استثمارات أميركية تُقدّر قيمتها بين 3 و5 مليارات دولار في مجالات الطاقة والأمن والتكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب التقارب التدريجي لأنقرة مع دول العالم العربي والإسلامي، وتعزيز علاقاتها مع السعودية والإمارات وقطر وباكستان ومصر؛ مجالا واسعا أمامها لتعزيز نفوذها الأمني والعسكري والاقتصادي والأيديولوجي الديني".
أما فيما يتعلق بالاتفاق الثلاثي المحتمل بين أنقرة والرياض وإسلام أباد، فقد أشار موقع "ميدل إيست آي" إلى "أنه من السابق لأوانه الحديث عن تحالف على غرار حلف شمال الأطلسي بين الدول الثلاث".
وتتفق الصحيفة العبرية مع هذا الطرح: "السعودية لا ترغب في تحالف مع تركيا على غرار حلف شمال الأطلسي".
مع ذلك، قدرت أن "يسهم الاتفاق الثلاثي في إرساء شراكة دفاعية وأمنية؛ حيث ستعمل السعودية كحلقة وصل للتعاون بين باكستان وتركيا في مجالات الاستخبارات والصناعات الدفاعية والتوافق العملياتي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والبحر الأحمر".
في مقابل تلك الخطوات السعودية التركية، تحركت الإمارات صوب الهند، فكتبت صحيفة "معاريف": "ردا على أردوغان وابن سلمان: تم تدشين الممر الذي سيصل أيضا إلى إسرائيل".
ففي مقال بالصحيفة العبرية تناول إيلي ليون زيارة رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد إلى نيودلهي، لافتا إلى أن هذه الزيارة تأتي "في سياق رسم (الحدود الجديدة) للتحالف بين القوة الخليجية والاقتصاد الخامس من حيث الحجم على مستوى العالم".
وأشار الكاتب إلى أن "هذه هي الزيارة الرسمية الثالثة التي يقوم بها ابن زايد إلى الهند منذ توليه الرئاسة، والخامسة خلال العقد الأخير، وهو معطى يبرز بوضوح عمق العلاقات الإستراتيجية المتنامية بين أبوظبي ونيودلهي".
وذكر أنه بحسب التقارير الإعلامية الهندية، فقد اتفق الجانبان على تعزيز المبادرات المتعددة الأطراف مثل مجموعة "I2U2" والتي تشمل الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا "IMEC".
ولفت الكاتب أن "هذه المبادرات لم تسجل تقدما يذكر في الفترة الأخيرة، ويعود ذلك أساسا إلى الصراع في الشرق الأوسط والتطورات على الساحة الإيرانية وفي بنية التحالفات الشرق أوسطية الجديدة".
وتأسس منتدى I2U2، في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وانطلق على مستوى القادة في يوليو/ تموز 2022.
وبحسب المقال، "يتمثل هدفه المركزي في تسخير القدرات التكنولوجية ورؤوس الأموال لدى الدول الأعضاء لمواجهة تحديات عالمية ودفع مشاريع بنية تحتية ضمن مشروع IMEC".
ويضم مشروع "IMEC" ست دول محورية إلى جانب الاتحاد الأوروبي بصفته كيانا تمثيليا، وهي: الهند والولايات المتحدة والإمارات والسعودية، إضافة إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا، التي وقعت جميعها على مذكرة التفاهم التأسيسية في سبتمبر/ أيلول 2023.
وأضاف أنه "إلى جانب الدول الموقعة، من المخطط أن يمر المسار الفعلي للممر عبر الأردن وإسرائيل (عبر ميناء حيفا)، فيما تُعد اليونان بوابة رئيسة إلى القارة الأوروبية عبر ميناء بيرايوس".
ونوه الكاتب إلى أن الزيارة تأتي في خضم تطورات إقليمية مهمة، أبرزها مبادرة "مجلس السلام" التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب كجزء من المرحلة الثانية من خطة السلام لغزة.
وتوقع أن "يناقش كل من الإمارات والهند، اللتين تلقتا دعوة للمشاركة في المبادرة، تنسيق المواقف بشأن إعادة إعمار القطاع وإدارته المستقبلية".
إلى جانب قضية غزة لفت إلى أن "اللقاء ينعقد على خلفية التوتر المتصاعد مع إيران والأزمة في اليمن؛ حيث تلوح خلافات بين الإمارات والسعودية بشأن دعم القوى المحلية هناك".
علاوة على ذلك، بحث القادة في تنسيق المواقف قبيل قمة دول البريكس المقبلة، وفي تعزيز الروابط الأمنية، وذلك عقب النجاح الذي حققه التمرين العسكري المشترك "إعصار الصحراء 2"، الذي أُجري شهر ديسمبر/ كانون الأول 2025 في أبوظبي.
من منظور تحليلي أوسع، تحدث المقدم (احتياط) أميت ياغور، المسؤول الرفيع السابق في الشعبة الإستراتيجية التابعة لشعبة التخطيط في جيش الدفاع الإسرائيلي وفي الاستخبارات البحرية عن "خطوة غير مألوفة قامت بها الإمارات، والتي قال: إنها قد تشير إلى توجه إستراتيجي أوسع بكثير".
وقال: "تعكس خطوة أبوظبي القاسم المشترك الواسع بينها وبين إسرائيل، وتبرز بوضوح عمق الشراكة الإستراتيجية، وتُؤكد من جديد، بما لا يدع مجالا للشك، لماذا تعد الإمارات الحليف العملي الحقيقي الوحيد لإسرائيل في العالم العربي، وليس حليفا مُزدوجا".
وفصّل ياغور خلفية هذه الخطوة غير المألوفة قائلا: "تشير التقارير الواردة من بريطانيا إلى أن الإمارات كانت غاضبة للغاية من قرار بريطانيا عدم تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية".
وتابع: "لم تكتفِ أبوظبي بالتعبير عن استيائها، بل قررت ردا على ذلك، في خطوة غير مسبوقة، وقف جميع المنح الدراسية الحكومية للمواطنين الإماراتيين في جميع الجامعات البريطانية، بما في ذلك بعض الجامعات الأكثر شهرة في العالم".
في هذا السياق، يؤكد المسؤول الاستخباراتي السابق أن "هذا الصراع يتجاوز مجرد تطابق المصالح الاقتصادية والسياسية، فهو صراع أيديولوجي ديني واسع النطاق، يجب على إسرائيل، أن تعرف كيف تستغله في الساحة الدولية".
وأضاف: "إلى جانب المحور الناشئ القائم على تطابق عميق في المصالح الاقتصادية والاجتماعية واللاهوتية والرؤية الإقليمية، سيكون من الصواب أن تستغل إسرائيل حرب العدوان التي تشنها الإمارات، كدولة عربية، ضد جماعة الإخوان المسلمين".
وبحسبه، فإن "الهدف هو أن تتحد إسرائيل والولايات المتحدة (التي صنفت الإخوان المسلمين منظمة إرهابية) والإمارات في إطلاق نضال عالمي يهدف إلى إخراج الإخوان المسلمين من القانون الدولي، لا سيما بعد فظائع حماس، وعلى غرار ما حدث مع النازية في نهاية الحرب العالمية الثانية".
انطلاقا من ذلك، يشدد ياغور على "التطابق الكامل في المصالح بين إسرائيل من جهة، وكل من الإمارات والهند من جهة أخرى، وهو ما يجعل منهما العمود الفقري للنظام الإقليمي الجديد".
كما قدر أنه "يمكن بسهولة إضافة الأردن واليونان وقبرص إلى هذا المحور، لنجد أنفسنا أمام منطقة تُستبدل فيها القوى الكبرى التي شكلتها لسنوات طويلة بقوى أخرى".
















