رغم التقارب الإستراتيجي.. لماذا لا تتحرك بكين لدعم إيران بشكل مباشر؟

"من غير المرجح أن تبذل بكين جهدا خاصا للدفاع عن الحكومة الإيرانية نفسها"
في ضوء حشد عسكري أميركي ضخم في الشرق الأوسط، وفي ضوء المفاوضات بين واشنطن وطهران، غابت الصين عن المشهد، رغم شراكتها الوثيقة مع إيران.
ويطرح هذا الأمر تساؤلات حول الكيفية التي ستتعامل بها ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، مع المستجدات المتسارعة في منطقة الخليج العربي.
ويرى موقع "دويتشه فيله" الألماني أن بكين تعطى الأولية "للحسابات البراغماتية بدلا من تقديم دعم غير مشروط لطهران".
في السياق، استعرض التقرير الألماني الأسباب التي توضّح “لماذا يظل الدعم الصيني لإيران مقيدا بحدود واضحة”.

مناورات مشتركة
في يناير/ كانون الثاني 2026، خرجت احتجاجات شعبية في إيران بسبب الركود الاقتصادي، لكنها سرعان ما تحوَّلت إلى مظاهرات ضد النظام نفسه.
واجهت قوات الأمن المتظاهرين بعنف شديد، وبحسب البيانات الرسمية فقد تجاوز عدد القتلى ثلاثة آلاف شخص، فيما يؤكد ناشطون أن الأعداد أكبر بكثير.
وعلى إثر ذلك، أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاملة طائرات إلى البحر الأحمر، كما وُضعت القوات الأميركية المتمركزة بالمنطقة في حالة تأهب.
وتبرر الولايات المتحدة هذه التحركات برغبتها منع النظام الإيراني قتل المدنيين، وإنهاء البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين.
يُذكر أن الطائرات الأميركية كانت قد قصفت بالفعل منشآت نووية داخل إيران خلال الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل في يونيو/ حزيران 2025.
من جهته، أدان وزير الخارجية الصيني وانغ يي في 15 يناير 2026 تهديدات الولايات المتحدة باستخدام القوة، وعدها عودة إلى "قانون الغاب"، أي منطق القوة.
وعرض خلال محادثاته مع نظيره الإيراني عباس عراقجي أن تلعب بلاده دور الوسيط البناء، مؤكدا أن بكين ستعمل مع الحكومة والشعب الإيراني من أجل تسوية سلمية للنزاع.
وفي 31 يناير 2026، أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بأن طهران تعتزم إجراء مناورات بحرية مشتركة مع الصين وروسيا منتصف فبراير/ شباط، في شمال المحيط الهندي.
وبحسب الموقع، "أعقب هذا الإعلان سيل من الادعاءات غير المؤكدة على الإنترنت حول تقديم الصين دعما عسكريا لإيران".
بُعد أمني
وفي هذا الإطار، أشار الموقع إلى أن الصين "تعد أحد أهم الشركاء الاقتصاديين والسياسيين لإيران، كما تمثل لطهران سوقا رئيسا لتصريف صادراتها، في وقت تواجه فيه البلاد عقوبات أميركية شاملة".
فطهران مدرجة على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي الدولية "FATF"، وهي الهيئة الدولية الأبرز المعنية بمكافحة ومنع غسل الأموال وتمويل الإرهاب وما يعرف بتمويل الانتشار، أي تمويل أسلحة الدمار الشامل.
ووفقا للتقرير، "أدت هذه القيود إلى تقليص كبير في وصول إيران إلى النظام المالي العالمي، وزادت من اعتمادها على الصين".
في هذا السياق، لفت إلى أنه "منذ الحرب بين إيران وإسرائيل عام 2025، اكتسبت العلاقات بين بكين وطهران بعدا أمنيا أوضح".
وتابع: "ففي عام 2021، وقع البلدان برنامج تعاون لمدة 25 عاما، تضمن، بحسب ما أُعلن، استثمارات صينية بقيمة 400 مليار دولار، من بينها استثمارات في قطاع الطاقة الإيراني".
واستدرك: "إلا أن تنفيذ هذا البرنامج ظل مجمدا لفترة طويلة، بسبب مخاوف من تعاظم الاعتماد على بكين".
لكن في أغسطس/ آب 2025، دعا المرشد الإيراني علي خامنئي، عبر منصة "إكس"، إلى تفعيل هذا الاتفاق.
وقال: إن “إيران والصين دولتان عريقتان تقعان على جانبي آسيا، وتمتلكان القدرة على إحداث تحول في المنطقة والعالم”.
وأضاف خامنئي أن "تنفيذ جميع أبعاد اتفاق الشراكة الإستراتيجية سيسهم في تمهيد الطريق لذلك".
علاوة على ذلك، ذكر التقرير أن "البلدين يسعيان أيضا إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية وتحسين التنسيق في مواجهة ما يعدانه تهديدات خارجية".

نهج براغماتي
مع ذلك، حذر خبير الأمن في الشرق الأوسط بمؤسسة العلوم والسياسة في برلين، حميد رضا عزيزي، من "المبالغة في تقدير التزام الصين بالدفاع عن النظام الإيراني".
وأكد في حديث مع الموقع الألماني أن "النهج الصيني في المنطقة لا يزال في جوهره نهجا براغماتيا".
وقال: "بعد الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل، لم تطرح الصين نفسها كمدافع حاسم عن إيران".
وبحسب تقديره، فإنه "من غير المرجح أن يتغير هذا الموقف في حال حدوث تدخل عسكري أميركي محتمل".
في المقابل، لفت عزيزي إلى أن بيكن “قدمت دعما أقوى لشركاء إقليميين آخرين”.
وأوضح أنه "خلال المواجهات بين الهند وباكستان حول كشمير عام 2025، عرضت بكين، بحسب مصادر هندية، مساعدة عسكرية ملموسة لباكستان، بينما لم تحظ إيران بدعم مماثل".
ومع أن "إيران اقتربت أكثر بالفعل إلى الصين بسبب العقوبات الأميركية" غير أنه يعتقد أن "إمكانيات توسيع الحضور الاقتصادي الصيني داخل إيران تظل محدودة".
وتابع عزيزي: "يبدو أن بكين تركز في الوقت الراهن على مواجهة الإجراءات الأحادية التي تتخذها الولايات المتحدة، أكثر من تركيزها على ضمان بقاء النظام الإيراني نفسه".
"كما أن سنوات الاضطرابات المتواصلة ومستويات الفساد الواسعة في إيران عززت داخل الصين القناعة بأن البلاد، في ظل قيادتها الحالية، تمثل مخاطرة استثمارية مرتفعة". بحسب تقديره.
وفي تبنٍّ لهذا الطرح، أشار الموقع إلى تقرير صادر عن مركز الأبحاث "آسيا هاوس" ومقره لندن، ذكر أن إجمالي حجم التبادل التجاري بين الصين والدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، بينها السعودية والإمارات، بلغ نحو 217 مليار يورو عام 2024.
في حين لم يتجاوز حجم التجارة بين الصين وإيران التي لا تعد عضوا في المجلس، أقل من 14 مليار دولار، وفقا لبيانات الحكومة الصينية.
وأضاف عزيزي: "صحيح أن الصين ترغب في الحفاظ على استقرار المنطقة من أجل حماية مصالحها الاقتصادية الواسعة ومصالحها في مجال الطاقة، لكن من غير المرجح أن تبذل جهدا خاصا للدفاع عن الحكومة الإيرانية نفسها".
محور الاضطراب
وتطرق الموقع للحديث عن نظرة الغرب للتعاون بين الصين وبكين؛ إذ يُنظر للشراكة بين الطرفين "على أنها جزء مما يعرف بـ(محور الاضطراب)".
وبحسبه، "يشير هذا المصطلح إلى التقارب الإستراتيجي والعسكري والاقتصادي المتزايد بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، والمعروف اختصارا باسم CRINK، والذي يهدف إلى تحدي النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة".
ونوه الموقع إلى أن "هذا التقارب يدق أيضا ناقوس الخطر في أوروبا، فقد قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في 26 يناير أمام البرلمان الأوروبي: لا يمكن إنكار أن روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران تزداد تقاربا بشكل ملحوظ في الوقت الحالي".
واستدرك: "لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن هذه الشراكة لم تترسخ بعدُ بشكل منظم، رغم أن هذه الدول باتت أكثر استعدادا لتحدي النفوذ الغربي".
بناء على هذا التصور، ذكر الموقع أنه "في أوساط السياسة الأميركية، برزت فكرة مفادها أن إضعاف إيران قد يسهم في الحد من نفوذ الصين".
ووفقا لعزيزي، "أسهم هذا التفكير في تبني موقف أكثر تصادمية تجاه طهران".
وأردف: "لكن في الواقع، إيران هي التي تحتاج إلى الصين أكثر مما تحتاج الصين إلى إيران".
وأضاف: "من الخطأ الاعتقاد بأن ممارسة الضغوط على طهران ستلحق الضرر بالصين".
وختم عزيزي قائلا: إن "المبالغة في تقدير أهمية هذا التحالف تمثل سوء تقدير لكل من الحكومة الإيرانية والولايات المتحدة على حد سواء".















