بين براغماتية السياسيين ومخاوف الغرب.. هل تهدد إيران مسار البوسنة الأوروبي؟

"العلاقات بين البلدين محدودة"
تحتفظ سراييفو وطهران بعلاقات جيدة منذ أن قامت إيران خلال حرب البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995 بتزويد الجيش البوسني ذي الغالبية المسلمة بالأسلحة.
وفي ظل الأحداث الحالية داخل إيران، تساءل موقع "دويتش فيله" الألماني: “هل تشكل هذه العلاقات تهديدا للمسار الأوروبي الأطلسي للبوسنة؟”

نمط متكرر
وذكر الموقع أنه "خلال الحرب أواخر القرن العشرين، زوَّدت طهران الجيش البوسني بالأسلحة رغم الحظر الأممي، كما رافق عناصر من الحرس الثوري الإيراني تلك الشحنات وقاموا بتدريب الجنود البوسنيين لمساندتهم في مواجهة الوحدات الصربية والكرواتية".
ووفقا له، فإن "هذه المساندة أسست شبكة ما زالت قائمة عبر المراكز الثقافية والمشاريع الأكاديمية والاتصالات السياسية".
وأشار الموقع إلى أن "ممثلي الغرب في دول البلقان يرون أن هذه المؤسسات والأنشطة ليست سوى امتدادا لنفوذ النظام الإيراني".
وأفاد بأنه "في عام 2025 استقبل وزير الدفاع في البوسنة، زوكان هيليز، الملحق العسكري الإيراني في العاصمة سراييفو".
وخلال اللقاء أكد قائلا: "سنفعل كل ما بوسعنا لتعزيز التعاون العسكري". مضيفا: "دعم إيران في زمن الحرب لن ينسى أبدا في البوسنة".
ولفت التقرير إلى أن "ردّ الفعل الأميركي على تصريحاته كان حازما؛ إذ أوضح هيليز لاحقا أن واشنطن لم تستبعد وقف التعاون مع وزير الدفاع البوسني إذا مضى في التعاون مع إيران".
وأكَّدت الولايات المتحدة أن "أي علاقة بين القوات المسلحة البوسنية وإيران تتعارض مع الشراكة الإستراتيجية بين واشنطن وسراييفو ومع التوجه الأوروبي الأطلسي للبلاد".
"أمام هذا الموقف اضطر هيليز إلى الاعتذار واصفا ما حدث بأنه (سوء تفسير)". وفق التقرير.
من جانبها، وصفت بيسيرا توركوفيتش، وزيرة خارجية البوسنة بين عامي 2019 و2023، إيران مرارا بأنها "شريك وصديق".
وأشار الموقع إلى اللقاء الذي جمعها بنظيرها الإيراني آنذاك حسين أمير عبد اللهيان عام 2022؛ حيث تحدثت عن فرص اقتصادية وحوار مشترك، بينما كانت إيران تشهد احتجاجات عنيفة.
من منظور تحليلي، يعتقد التقرير الألماني أن "سلوك توركوفيتش يعكس نمطا متكررا؛ إذ يقدم العديد من السياسيين البوسنيين علاقاتهم مع إيران على أنها براغماتية، دون التعمق في طبيعة النظام الإيراني وسياساته".
واستدرك: "غير أن لقاءات كهذه لا تقتصر على كونها خطوات ثنائية، بل تأتي في وقت حساس أدرجت فيه أوروبا الحرس الثوري على قائمة التنظيمات الإرهابية، فيما تواصل الولايات المتحدة تشديد عقوباتها على طهران".
وأردف: "وهنا يبرز التساؤل حول ما إذا كانت هذه التفاعلات بين البوسنة وإيران تمنح الانطباع بأن البوسنة قد تتحول إلى ساحة يستخدمها الإيرانيون لتجاوز عزلتهم الدولية".

عدة جبهات
في هذا السياق، أفاد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بانيا لوكا، ميلوش سولاجا، بأن "هناك منظمات غير حكومية توزع أموالا على منظمات متطرفة، بعضها يميل إلى الإسلام الشيعي، وبعضها الآخر إلى التوجهات العلمانية، يجرى العمل على عدة جبهات، لكن الجوهر يبقى دائما مرتبطا بالدين".
وأضاف: “خطر العقوبات الأميركية سيظل عاملا يحد من انتشار الإسلاموية ذات الطابع الإيراني في البوسنة”. وفق قوله.
على المستوى الشعبي، أشار الموقع إلى أن أنه "منذ هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وما تبعه من حرب في غزة، شهدت البوسنة مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين شارك فيها آلاف الأشخاص".
وذكر أنه "رغم كثافة المشاركة، جرت الاحتجاجات بشكل سلمي وركزت على إظهار التضامن مع الشعب الفلسطيني".
وعلى الصعيد الرسمي، برز العضو المسلم في رئاسة البوسنة الجماعية، دينيس بيتشيروفيتش، الذي كان من أبرز الأصوات المنتقدة لسياسة إسرائيل في غزة.
ويتكون هذا المجلس الرئاسي من ثلاثة أعضاء يمثلون المكونات الأساسية للشعب البوسني: المسلمون البوشناق، والصرب، والكروات.
وبحسب الموقع، وصف بيتشيروفيتش ما تقوم به إسرائيل بأنه "إبادة جماعية وعار على العالم".
من جهته، يرى السفير السابق للبوسنة في إيران، أمير هادزيكادونيتش، أن العلاقات بين البلدين "محدودة".
فوفقا له، "لا توجد استثمارات تُذكر، والتبادل التجاري شبه معدوم، والسياسة تقتصر على بعض اللقاءات الثنائية".
وأضاف الأستاذ الجامعي في العلاقات الدولية بسراييفو: "هناك المركز الثقافي الإيراني، والكلية الفارسية البوسنية، ومعهد ملا صدر الذي يركز أكثر على الجانب الفلسفي والديني والتعليمي في تفسير الإسلام".
وأكَّد هادزيكادونيتش أن إيران "تمارس في البوسنة دور القوة الناعمة، وأن المخاوف من إمكانية تأثيرها المباشر على المسلمين البوسنيين غير مبررة".
وأضاف أن "الجماعة الإسلامية في البوسنة سنية، وهذا يختلف تماما عن الإسلام الشيعي في إيران، الإيرانيون لم يحاولوا أبدا تغيير طبيعة الإسلام البوسني".
في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية سولاجا أن "التأثير الإيراني في البوسنة ليس مجرّد فصل تاريخي، فهو يبرز من شحنات الأسلحة خلال الحرب وصولا الشبكات الثقافية الحالية، ليمثل بذلك اختبارا للتوجه الإستراتيجي للبلاد".
















