متحدث بلدية غزة: عطش ونفايات وركام والمدينة تواجه شللا خدميا رغم “التهدئة”

خالد كريزم | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

رسم المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، صورة مركّبة لأزمات القطاع المحاصر، تمتد من النقص الحاد في المياه وتلوّثها، إلى تكدّس النفايات وتراكم ركام المنازل المدمّرة بفعل العدوان الإسرائيلي، وما يرتبط بذلك من معاناة يومية تثقل كاهل الفلسطينيين.

وفي حوار مع "الاستقلال"، أكد مهنا أن مدينة غزة على وجه الخصوص تعاني اليوم أزمة عطش حقيقية، نتيجة النقص الكبير في كميات المياه، وذلك رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الهش في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.

ولا تتوقف أزمات غزة عند هذا الحد، إذ أشار مهنا إلى الواقع البيئي الكارثي الناجم عن تكدّس النفايات وتحول العديد من مناطق المدينة إلى بؤر محتملة لانتشار الأمراض، بفعل منع الاحتلال الإسرائيلي نقل النفايات إلى المكبات المخصصة.

وأضاف أن الخطر يتفاقم مع انهيار شبكات الصرف الصحي جراء عمليات التدمير الإسرائيلية، وتسرب مياهها إلى الشوارع، ما خلق واقعا صحيا وصفه بـ"الكارثي"، في ظل افتقار البلدية إلى الإمكانات اللازمة لمعالجة الأزمة.

وأوضح مهنا أن البلدية كانت تأمل في تحسّن الأوضاع والشروع في معالجة الأزمات بعد سريان اتفاق التهدئة، غير أن الواقع كان مغايرًا؛ إذ تفاقمت الأوضاع مع تنصّل الاحتلال من التزاماته، وإبقاء قطاع غزة في حالة شلل خَدَمي مستمر.

انقطاع المياه

ما طبيعة أزمة المياه المتفاقمة حاليًا في مدينة غزة، وما السبب المباشر لها؟

تعاني مدينة غزة اليوم أزمة عطش حقيقية، جراء النقص الحاد في كميات المياه، لا سيما بعد توقف الخط المغذّي من شركة ميكروت الإسرائيلية إلى القطاع المحاصر.

وخلال الحرب، تحوّل هذا الخط إلى أحد المصادر الأساسية لتزويد قطاع غزة بالمياه، قبل أن يتوقف نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية وأعمال التجريف المستمرة للأراضي فيما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء" الواقعة تحت سيطرة الاحتلال شرقي المدينة.

وجاء الاعتماد المتزايد على هذا الخط بعد خروج محطة تحلية السودانية، وهي المحطة الوحيدة في مدينة غزة (شمال غرب)، عن الخدمة، ما أدى إلى فقدان ما يقارب 15 إلى 20 بالمئة من إجمالي كميات المياه المغذّية للمدينة.

كما توقفت خلال الحرب آبار الشمال المركزية في منطقة بئر النعجة، إلى جانب آبار الصفا، التي كانت قد أُعيد تأهيلها في بدايات الحرب قبل أن يعمد الاحتلال إلى تدميرها مجددًا.

وتفاقم الوضع مع استمرار الحرب، في ظل تدمير الاحتلال لمرافق بلدية أخرى خاصة بقطاع المياه، من بينها 72 بئرًا، تشمل آبارًا مركزية داخل مدينة غزة وأخرى خارجها كانت تغذي المدينة.

وأدى ذلك إلى تراجع كبير جدًا في كميات المياه المتاحة، ما دفع بخط "ميكروت" من كونه مصدرًا مساعدًا، إلى أن يصبح المصدر الرئيس لتزويد المدينة بالمياه.

ما حجم العجز في المياه اليوم، لا سيما بعد تجريف الخط الأخير من قبل قوات الاحتلال؟

نتحدث اليوم عن عجز في المصادر المائية يقدَّر بنحو 90 بالمئة في مدينة غزة، وهو ما أدى إلى شلل شبه كامل في منظومة المياه، إذ لم تعد المياه تصل إلى أكثر من 85 بالمئة من مساحة المدينة.

وتُستثنى هذه المناطق من خدمة المياه بسبب شح الموارد، إضافة إلى الدمار الواسع الذي لحق بالشبكات، عقب تدمير الاحتلال أكثر من 150 ألف متر طولي من شبكة المياه، فضلًا عن تدمير أربعة خزانات رئيسة.

وبعد تدمير الخطوط الرئيسة التي أشرنا إليها، بات خط "ميكروت" يزوّد المدينة بما لا يقل عن 70 بالمئة، وأحيانًا يصل إلى 90 بالمئة من إجمالي المياه، وذلك تبعًا للحاجة والقدرة التشغيلية المحدودة للآبار المتبقية.

ويبلغ الاحتياج اليومي لمدينة غزة نحو 100 ألف متر مكعب من المياه، في حين لا يتوفر حاليًا سوى نحو 12 ألف متر مكعب في أفضل الأحوال. وقد تجاوزنا اليوم أسبوعين على بدء أزمة المياه، نتيجة التناقص الحاد في الكميات.

وبالتالي، أصبح الوضع بالغ الخطورة على الصعيد الإنساني، في ظل ما يعيشه النازحون والمواطنون من معاناة يومية في سبيل الحصول على المياه، إذ تراجعت حصة الفرد إلى نحو 5 لترات فقط يوميًا، وهي كمية متدنية للغاية ولا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.

نفايات وركام

ما حجم تكدّس النفايات والركام في مدينة غزة، ولماذا تفاقم أخيرًا؟

تشهد مدينة غزة تكدسًا هائلًا للنفايات يُقدَّر بنحو 350 ألف طن، نتيجة منع الاحتلال الإسرائيلي طواقم بلدية غزة من ترحيلها إلى المكبّ الرئيس الواقع شرق المدينة.

وبسبب هذا المنع، اضطرت البلدية إلى تجميع النفايات داخل المدينة، وتحديدًا في مكب أرض سوق فراس التاريخي وسط غزة، بدلًا من نقلها إلى مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية، ما فاقم المخاطر البيئية والصحية.

ولا تقتصر الأزمة على النفايات الصلبة؛ إذ نعاني أيضًا من تسرّب مياه الصرف الصحي إلى الشوارع وطفحها في المناطق المنخفضة، ووصولها إلى شارع البحر، نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بشبكات الصرف الصحي، الأمر الذي خلق واقعًا بيئيًا شديد الخطورة.

إلى جانب ذلك، تبرز أزمة كبرى تتعلق بالتعامل مع ركام المنازل المدمّرة والمباني السكنية في القطاع.

إذ تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 70 مليون طن من الركام في قطاع غزة، تستحوذ مدينة غزة على النصيب الأكبر منها بنحو 25 مليون طن، وهي كميات هائلة يستحيل التعامل معها في ظل الظروف الحالية، خاصة في ظل النقص الحاد في الآليات والمعدات الثقيلة.

كيف يؤثر تكدّس النفايات على الصحة العامة، وهل تزيد أزمة المياه من تفاقم الوضع؟

تحوّلت المناطق التي تتكدّس فيها النفايات داخل المدينة إلى مكاره صحية وبؤر لانتشار القوارض والحشرات، ما أدى إلى تعقيد الأوضاع الصحية بشكل كبير.

ويستدعي هذا الواقع، بطبيعة الحال، توفر كميات كافية من المياه لاستخدامها في عمليات التعقيم والنظافة الشخصية، للحد من انتشار الأمراض والأوبئة، خصوصًا في ظل الاكتظاظ الشديد للنازحين والمواطنين داخل المخيمات ومراكز الإيواء والمرافق العامة.

فنحن نتحدث عن قرابة مليون نازح يتركزون في المناطق الغربية ووسط مدينة غزة، وهؤلاء يحتاجون إلى المياه بكميات كافية، خاصة في ظل هذا الواقع البيئي الكارثي.

وعليه، فإننا أمام أزمة حقيقية ومركّبة تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر، في وقت لا تمتلك فيه البلدية أي إمكانيات أو موارد تمكّنها من التخفيف من حدّتها، أو تنفيذ عمليات تنظيف وصيانة عاجلة للشبكات والبنية التحتية المدمّرة.

الإمكانيات المتاحة

بالحديث عن الإمكانيات، ما مقدرات بلدية غزة اليوم، وما حلولها للحد من هذه الأزمات؟

خلال العدوان، دمّر الاحتلال الإسرائيلي 135 آلية تابعة لبلدية غزة، أي ما نسبته 85 بالمئة من إجمالي الآليات التي كانت تقدّم الخدمات الأساسية لسكان المدينة في قطاعات متعددة.

واليوم، تعاني البلدية نقصًا حادًا في الآليات والمعدات، إلى حدّ بات معه واقع الخدمات كارثيًا وصعبًا للغاية.

وتحاول طواقم البلدية تنفيذ أعمال صيانة محدودة، لكنها تبقى إسعافية وبسيطة، ولا ترقى إطلاقًا إلى حجم الدمار الواسع الذي لحق بالشبكات والمرافق، لا سيما في قطاعي المياه والصرف الصحي.

إمكانات البلدية اليوم ضعيفة وهشّة للغاية، في ظل الواقع الميداني القاسي، واستمرار الحصار الإسرائيلي المشدد، إلى جانب حجم الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب.

وفوق ذلك، يواصل الاحتلال رفض إدخال الأدوات والمواد اللازمة لعمل البلديات، بما في ذلك معدات الصيانة والبناء، والآليات المتوسطة والثقيلة، ما يحول دون الشروع حتى في مرحلة التعافي الأولي من آثار حرب الإبادة، فضلًا عن البدء بمسار الإعمار الشامل.

هل يمكن القول إن شيئًا لم يتغير على صعيد خدمات البلديات بعد بدء الهدنة؟

بالتأكيد، فلم يطرأ أي تحسّن يُذكر؛ إذ يسمح الاحتلال اليوم بإدخال الكماليات والمواد غير الأساسية، في حين يمنع إدخال الحاجات الملحّة، وفي مقدمتها مستلزمات عمل البلديات، رغم أنه دمّر منظومات الكهرباء البديلة والطاقة الشمسية خلال العدوان.

ونحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى هذه المنظومات، في ظل استمرار انقطاع التيار الكهربائي منذ بداية الحرب، إضافة إلى الحاجة الماسة للآليات والمركبات التي تمكّن البلديات من تقديم خدمات أساسية، مثل فتح الشوارع وإزالة النفايات.

هذا الواقع يستدعي وقفة جادة من المجتمع الدولي وأحرار العالم، للضغط على الاحتلال وإلزامه بفتح المعابر، والسماح بإدخال كل ما تحتاجه البلديات من معدات وآليات ومستهلكات أساسية، مثل البطاريات، وإطارات المركبات، والزيوت، وغيرها.

فنحن بحاجة إلى كل ما يمكن أن تتخيله البلديات من إمكانيات، حتى نتمكن من استعادة الحد الأدنى من قدرتنا على العمل، والقيام بواجبنا في التخفيف من معاناة المواطنين، وإعادة الحياة إلى المدينة المنهكة.