تسليم رفات الأسير الأخير.. بوابة المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار؟

العثور على جثة آخر أسير في قطاع غزة، وهو الشرطي ران غويلي
بعد أشهر من ربط الاحتلال الإسرائيلي إعادة فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر باستعادة رفات آخر أسير له من القطاع، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي استعادة أسره كافة، بعدما استكمل إجراءات التعرف على هوية الأسير الأخير.
وأعلن جيش الاحتلال، في 26 يناير/كانون الثاني 2026، العثور على جثة آخر أسير في قطاع غزة، وهو الشرطي ران غويلي، وقال: إنه بذلك "تمّ إعادة المختطفين كافة من داخل قطاع غزة".
وغويلي هو شرطي في وحدة الدوريات الخاصة للشرطة (ياسام)، كان يبلغ من العمر 24 عامًا عند وفاته، وقُتِل في المعركة صباح 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتمَّ أسر جثمانه إلى قطاع غزة -بحسب الجيش الإسرائيلي-.
وسلّمت الفصائل الفلسطينية، منذ بدء المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، 20 أسيرًا إسرائيليًا حيًّا ورفات 27 آخرين، فيما بقي غويلي الذي واصلت حركة "حماس" البحث عن رفاته منذ ذلك الحين.
التزام حماس
بدورها، أكدت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" أن المعلومات التي قدمتها للوسطاء أسهمت في العثور على جثة الأسير الإسرائيلي الأخير في غزة، مشددة على أنها أنجزت ما عليها من التزامات، ودعت تل أبيب للالتزام بما عليها وتسهيل عمل لجنة إدارة القطاع.
وقالت حركة "حماس" في بيان: إن "المقاومة، انطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية والتزامها بما تمّ الاتفاق عليه، بذلت جهودًا كبيرة في ملف البحث عن جثمان الأسير الأخير، وزوّدت الوسطاء بالمعلومات اللازمة أولًا بأول، بما أسهم في التمكن من العثور على الجثمان".
وأضافت أن "هذه الخطوة تأتي في سياق التزام المقاومة الكامل باستحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار؛ حيث أنجزت كل ما عليها من التزامات بشكل واضح ومسؤول".
ودعت الحركة إسرائيل لاستكمال تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار كاملةً "دون انتقاص أو مماطلة، والالتزام بجميع الاستحقاقات المترتبة عليه، وخاصة فتح معبر رفح في الاتجاهين دون قيود".
وشددت على ضرورة "دخول احتياجات القطاع بالكميات المطلوبة، ورفع الحظر عن أي منها، والانسحاب الكامل من قطاع غزة، وتسهيل عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع".
كما دعت الدول الضامنة "إلى تحمّل مسؤولياتها، بضمان تنفيذ الاستحقاقات المعطلة كافة من جانب الاحتلال، بعد انتهاء ذريعته بالعثور على جثمان الأسير الأخير".
وفي السياق، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن حركة "حماس" بذلت جهودًا كبيرة في مساعدة تل أبيب لاستعادة جثة آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة. موضحًا أنها ساعدت في تحديد مكان رفات الرهينة الإسرائيلي الأخير.
وقال ترامب في مقابلة مع موقع "أكسيوس" الأميركي: "عملية البحث عن الجثة والتعرف عليها كانت صعبة للغاية؛ لأن فرق البحث اضطرت إلى فحص مئات الجثث في المنطقة، (...) لقد كان مشهدًا صعبًا". داعيًا الحركة الفلسطينية إلى نزع سلاحها؛ تماشيًا مع خطة وقف إطلاق النار التي وضعها.
الاحتلال يماطل
وبالتزامن مع إعلان إعادة رفات غويلي، ادعى رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة لا تهدف إلى إعادة إعمار القطاع، بل تركز على نزع سلاح وتجريد حركة "حماس" من سلاحها.
وقال نتنياهو خلال جلسة حضرها رئيس وزراء ألبانيا إيدي راما الذي زار الكيان المحتل في زيارة رسمية: "لقد أعدنا جميع المختطفين إلى إسرائيل، ونحن الآن في بداية المرحلة التالية، وهي نزع سلاح حماس وتجريد قطاع غزة من السلاح".
وزعم نتنياهو أن تجريد غزة من السلاح سيتم "بالطريقة السهلة أو الصعبة"، في إشارة إلى مواصلة الضغوط العسكرية. مستشهدًا بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتنص المرحلة الثانية من خطة ترامب، المكوّنة من 20 بندًا بشأن غزة، على نزع سلاح حركة "حماس" وبقية الفصائل الفلسطينية، وتنفيذ انسحاب إضافي للجيش الإسرائيلي من غزة، وبدء جهود إعادة الإعمار التي تقدر الأمم المتحدة تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.
برز حديث على منصات التواصل الاجتماعي عن الخطوة التالية لما بعد تسليم آخر جثمان أسير إسرائيلي في القطاع للاحتلال. مشيرين إلى اكتمال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وترقبهم للبدء في تنفيذ المرحلة الثانية ودور الوسطاء في إلزام الاحتلال بتنفيذها.
واستنكر المستخدمون عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، مشاركين في وسوم عدة أبرزها #الجيش_الإسرائيلي، #ران_غويلي، #نتنياهو، زعم نتنياهو أن المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار لا تستهدف إعادة إعمار القطاع، مؤكدين أن ذلك دأب الكيان المحتل على المماطلة والمراوغة.
نهاية الذرائع
سلّط باحثون وأكاديميون الضوء على تداعيات تسلم الاحتلال الإسرائيلي رفات آخر أسره المحتجز في قطاع غزة. ويرون أن هذه الخطوة تمثل نهاية الحجج والذرائع التي كان الاحتلال يتذرع بها لتصعيد عدوانه على غزة ومواصلة خروقات اتفاق وقف إطلاق النار.
وقال الباحث في العلاقات الدولية، علي أبو رزق: إن "انتهاء المبررات الإسرائيلية الواهية، والعثور على الجثة الأخيرة، يُفترض أن يشكل نقطة انطلاق لحملة دبلوماسية وإعلامية تدعو إلى تكثيف الدعم الإغاثي والإنساني لغزة، وإيجاد حلول عاجلة للمأوى الذي لا يليق بغزة ولا بتضاريسها، سواء في الصيف أو الشتاء".
وأضاف أبو رزق أن "هذه فرصة للوسطاء لدفع الاحتلال إلى الالتزام بالاتفاق والانسحاب من المناطق الشرقية والشمالية للقطاع، مع التأكيد على أن سلاح غزة قد تم تدميره بالفعل، وفقا للرواية الإسرائيلية التي تزعم تدمير نحو 90 % من أنفاق غزة وسلاحها خلال حرب الإبادة".
وأكّد أن غزة بحاجة لمن يضمّد جراحها ويكفكف دموع أهلها، مشيرًا إلى أن الناس هناك نجوا من "أطول حريق في التاريخ"، ولكن الاحتلال لا يسمح لهم بالراحة أو الاعتقاد بأنهم نجوا بالفعل.
من جهته، أشار الأكاديمي إياد إبراهيم القرا إلى أن الاتفاق يقضي بالإفراج عن جثامين 15 شهيدًا محتجزين لدى الاحتلال، ولا يزال هذا الملف ينتظر التنفيذ الكامل.
بدوره، أكد الأكاديمي كمال الحديدي أن المرحلة الثانية من الاتفاق التي تتضمن إزالة الركام وإعادة الإعمار، يجب أن تبدأ عمليًا. مشيرًا إلى ضرورة انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة الصفراء.
وانتقد الحديدي الإعلام العبري الذي يروج، كعادته، للكذب والتضليل، قائلا: "تتوالى الاجتماعات من أجل فتح معبر رفح، لكن الإعلام العبري يؤكد أن المعبر سيفتح تحت إشراف عسكري إسرائيلي بحت، مع وجود رمزي للسلطة الفلسطينية، ولن يكون أكثر من ذلك".
وأضاف أن "المعبر سيُفتح أمام خمسين شخصًا فقط للدخول من مصر، ومئة شخص فقط للخروج من قطاع غزة، ليكون بذلك أقل حركة وحيوية من باب مدرسة ثانوية، وهذا بمثابة ذرّ رماد في العيون".
وأشار المحلل السياسي ياسر الزعاترة إلى أن جثة الأسير الإسرائيلي كانت حجة الاحتلال لاستمرار حجب المساعدات، خاصة البيوت الجاهزة، وعرقلة حركة معبر رفح، موضحًا أن الحقيقة أنها كانت ذريعة.
وكشف الزعاترة عن أن المستوى السياسي في إسرائيل هو الذي حال دون وصول الجيش إلى الجثة قبل أسابيع، رغم توافر معلومات دقيقة.
وصف الزعاترة هذا الفهم بأنه "شوفيني مهووس بالجثث التي يعدها شبه مقدسة". مضيفًا أن العقيدة الفلسطينية ترى الشهداء "أحياء عند ربهم يرزقون" مهما كانت الظروف.
وأشار إلى ضرورة تحميل الدول الضامنة مسؤولياتها، خصوصًا فيما يتعلق بالمساعدات والفتح الكامل لمعبر رفح، بعيدًا عن مخططات التهجير.
وفي قراءة سياسية، أوضح الكاتب إبراهيم المدهون أن العثور على آخر جثمان لجندي إسرائيلي يمثل مدخلا عمليا للمرحلة الثانية من الاتفاق التي يجب أن تُقرأ كخطوة سياسية مهمة وليس مجرد إجراء تقني.
وقال: إن هذه المرحلة، إذا ما نُفذت بشكل صحيح، ستشكل حاجزًا حقيقيًا يمنع عودة حرب الإبادة، رغم استمرار الاحتلال في عدوانه بوسائل مختلفة.
وشدَّد على أن المرحلة الثانية ليست مجالًا للتأويل، بل التزام واضح يبدأ بفتح معبر رفح دون شروط، والالتزام الكامل بالبروتوكول الإنساني الذي يشمل إدخال مستلزمات الإيواء والإغاثة، وينتهي بانسحاب فعلي للاحتلال من القطاع وفق الخطوط المتفق عليها.
وأشار إلى أن ملف الأسرى مرتبط بشكل وثيق بميزان القوى الإقليمي والدولي. مؤكدًا أن المقاومة امتلكت ورقة ضغط حقيقية، لكن تدخل الولايات المتحدة منح الاحتلال حماية سياسية وعسكرية، غير أن ما جرى في غزة تجاوز كل الحسابات، وارتقى إلى مستوى إبادة مفتوحة.
وختم المدهون بالقول: "القضايا العادلة لا تُغلق بالقوة، وإسرائيل مهما طال الزمن لن تهرب من مسؤوليتها عن الجرائم المرتكبة واستحقاقات ما بعد الحرب".
وتوقع الناشط الإنساني أدهم أبو سلمية استمرار المماطلة من الاحتلال في تنفيذ الالتزامات، محذرا من أن هذا يضع الدول الوسيطة والضامنة أمام اختبار أخلاقي وإنساني حقيقي لإنهاء معاناة أهل القطاع.
مراوغة متعمدة
وعلّق كتاب وباحثون على توقيت الكشف عن الجثة وإخراجها، ويرون أن الاحتلال كان يعلم مكان الجثة منذ وقت طويل، لكنه عمد إلى تأخير عملية تسليمها بهدف المماطلة.
وسلطوا الضوء أيضًا على دلالات توثيق الاحتلال لمراسم استخراج رفات الجثة، والتي ترمي إلى إرسال رسالة نفسية تتضمن استعلاءً وكبرياءً على الفلسطينيين.
ورأوا أن ذلك محاولة لاستغلال الجثمان كأداة في حرب نفسية، مع انتهاك كل القيم الدينية والإنسانية، بما فيها نبش قبور الموتى.
جرائم الاحتلال
وعدد صحفيون وإعلاميون الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي قبل أن يحصل على آخر جنوده وتساءلوا عن مصير الأسرى الفلسطينيين لدى الاحتلال. مستنكرين أن "إسرائيل" ترتكب جرائمها وتصعدها أمام أعين العالم أجمع الذي اتهموه بالازدواجية.
غطرسة نتنياهو
وقال ناشطون: إن إعلان نتنياهو أن المرحلة الثانية مخصصة لنزع سلاح غزة وليس لإعادة الإعمار، ما هو إلا مبرر جديد لمماطلة الاحتلال وتعطيل الاتفاق. مؤكدين أن تصريحات نتنياهو تعكس غطرسته ومحاولاته المستمرة لفرض أجندته.
ووصف بعضهم أسلحة "حماس" بأنها رشاشات خفيفة. مشيرين إلى أن المبالغة في تصويرها تهدف فقط إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية للقيادة الإسرائيلية.
ثقة بالمقاومة
في المقابل، أبدى ناشطون تقديرهم لجهود المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال والتفاوض معه، مؤكدين ثقتهم في قدرتها على الاستمرار في حماية حقوق الفلسطينيين. وطالبوا الاحتلال بالإيفاء بالتزاماته وتنفيذ ما عليه من استحقاقات دون مماطلة أو تأجيل.















