لم يجف الحبر بعد.. تعثر اتفاق وقف النار بين دمشق و"قسد" وتحركات موازية للتنظيم

مظلوم عبدي قائد "قسد" يصر على بقاء إدارة محافظة الحسكة بيد التنظيم
بينما لم يجف حبر الاتفاق الموقّع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، والذي ينص على وقف إطلاق النار والاندماج الكامل لقوات "قسد" ضمن الجيش السوري، تعثّر تنفيذ بنوده بسبب إصرار قائد "قسد" مظلوم عبدي على الإبقاء على إدارة محافظة الحسكة تحت سيطرة التنظيم.
وقد تعثّرت المفاوضات التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع مع عبدي في 19 يناير/كانون الثاني 2026، والرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار ودمج جميع عناصر "قسد" ضمن صفوف الجيش السوري، إذ لم يُفضِ الاجتماع بين الطرفين إلى النتائج المرجوّة.
نتائج المفاوضات
بدوره، أكد مستشار الشرع أحمد موفق زيدان، أن اللقاء لم يكن جيداً أو على قدر التطلعات المرجوة منه، مشددا على أن هناك "إجماعا دوليا على ضرورة بسط سيطرة الدولة على كافة أنحاء البلاد".
وأوضح أن " قسد تبتز الدولة السورية بسجون داعش.."، مضيفاً أن "هناك عناصر من داعش هربوا من السجون التي كانت تحت سيطرة قسد" -بحسب تصريحاته لقناة العربية-.
وتحدث زيدان عن انقسامات داخل قوات سوريا الديمقراطية، قائلاً:" ما يوقع عليه مظلوم عبدي مع الدولة السورية لا يقنع "تيار قنديل" في قسد بسبب سيطرة العقلية المليشياوية".
وأكد أن الدولة التزمت بالحفاظ على المكون الكردي وحقوقه عبر المرسوم الرئاسي الأخير، لافتاً إلى أن قسد تبتز الأكراد.
وفي السياق ذاته، قالت عضوة وفد قسد المفاوض في دمشق، فوزة يوسف، إن الاجتماع الذي جمع قائد قسد مع الرئيس السوري لم يكن إيجابيا.
وأوضحت في تصريحات لقناة "رووداو"، أن دمشق تطالب بأن "يسلّم الكرد كل شيء"، معتبرة أن الحكومة السورية تسعى لإعادة مناطق الإدارة الذاتية (روجآفا) إلى ما قبل عام 2011.
وتحدثت القيادية عن تدهور الوضع الأمني في محافظة الحسكة، موضحة أن الجيش السوري يوجد في مدينة الشدادي، وأن "الاشتباكات لا تزال مستمرة".
كما نقلت منصة "الجزيرة سوريا الآن"، عن مصادر خاصة لم تسمها، أن مفاوضات الحسكة استمرّت لـ5 ساعات بين الشرع وعبدي، حيث عرض الأول على الأخير منصب نائب وزير الدفاع وترشيح محافظ للحسكة، مقابل تحييد "قسد" عن تنظيم (بي كي كي) الإرهابي.
وأضافت أن ذلك "جاء خلال لقاء جمع الطرفين وسط مفاوضات مكثفة حول مستقبل إدارة محافظة الحسكة"، دون تحديد مكان المفاوضات.
وذكرت المصادر أن الشرع "اشترط دخول قوات الأمن الداخلي إلى المدينة، بينما أصر عبدي على بقاء الإدارة الكاملة لقسد".
وأوضحت أن "الشرع رفض منح عبدي مهلة 5 أيام للتشاور، وطلب ردا نهائيا بنهاية اليوم، مهددا بالحل العسكري وإبلاغ المجتمع الدولي بالانسحاب" من المفاوضات.

تصعيد ميداني
وفي تصعيد على الأرض عقب فشل الاجتماع، أطلقت قسد سراح عناصر من تنظيم داعش من سجن الشدادي الخاضع لسيطرتها، وإثر ذلك دخلت قوات الجيش السوري مدينة الشدادي جنوب الحسكة، وأمنت السجن ومحيطه، ومشطت المدينة وما حولها لملاحقة السجناء.
وأوضحت هيئة العمليات أنه سيتم تسليم سجن الشدادي والمرافق الأمنية بالمدينة لوزارة الداخلية فوراً، وذلك بعد الانتهاء من عمليات التأمين والتمشيط.
وأشارت إلى أن قيادة الجيش تواصلت مع الوسطاء وقادة قسد، بهدف تسليم السجن للأمن الداخلي بهدف تأمينه وتأمين محيطه، ولكن قيادة قسد رفضت ذلك وما زالت ترفض حتى هذه اللحظة.
وحمّلت هيئة العمليات، قسد كامل المسؤولية عن إطلاقها لسراح عناصر تنظيم داعش من سجن الشدادي، مشددة على أن وحدات الجيش ستقوم بما يلزم لإعادة ضبط المنطقة.
واستمرارا لتصعيد قوات سوريا الديمقراطية (واجهة واي بي جي الإرهابي) بعد تقارير عن انهيار الاتفاق بينها وبين دمشق، دعت "الأكراد في سوريا ودول الجوار وأوروبا إلى كسر الحدود والانضمام لصفوف المقاومة".
وفجر 20 يناير، أعلنت السلطات السورية القبض على 81 من عناصر داعش الفارين من سجن الشدادي الذي كان خاضعا لسيطرة قسد، وسط اشتباكات للجيش مع مجموعة تابعة لقسد في سجن الأقطان بالرقة شمالي البلاد.
وقالت وزارة الداخلية السورية، في بيان، إنه إثر هروب نحو 120 عنصرا من تنظيم الدولة، دخلت وحدات من الجيش ووحدات خاصة تابعة لوزارة الداخلية إلى مدينة الشدادي، ومشطت داخل المدينة ومحيطها بهدف ملاحقة العناصر الفارّة.
وأوضح البيان أن الوحدات ألقت القبض على 81 عنصرا، مشيرة إلى استمرار الجهود لإلقاء القبض على بقية الفارّين.
وقد أعلنت الحكومة "رفضها الحازم" لما وصفته بمحاولات الابتزاز الأمني في ملف الإرهاب، واعتبرت ما ورد في بيان (بشأن خروج السجن عن السيطرة بسبب هجمات الجيش) قسد من تحذيرات بشأن سجون تنظيم الدولة، توظيفا سياسيا لورقة الإرهاب.
وأضافت الحكومة، في بيان، أن ربط تحركات إنفاذ القانون واستعادة شرعية الدولة بخطر تنشيط خلايا الإرهاب، يشكل محاولة مكشوفة لقلب الحقائق، بهدف الإبقاء على سلطة فُرضت بقوة السلاح.
وتعهدت بتأمين كل مراكز الاحتجاز، وضمان عدم فرار أي من عناصر تنظيم الدولة المحتجزين، كما حذرت قيادةَ قسد من الإقدام على أي خطوات متهورة، تتمثل في تسهيل فرار محتجزي تنظيم الدولة، محملة مسؤولية أي خرق أمني في هذه السجون للجهة المسيطرة حاليا.
في المقابل، زعمت قسد أن السجن تعرض لهجمات من الجيش وأنه خرج عن سيطرتها، في حين نقلت رويترز عن موقع رووداو الكردي أن نحو 1500 من عناصر تنظيم الدولة فروا من سجن الشدادي في سوريا.
من جانب آخر، قالت قسد إن قواتها نسقت مع التحالف الدولي لنقل معتقلي تنظيم الدولة المحتجزين في سجن الأقطان، بمدينة الرقة، إلى أماكن آمنة، ومع ذلك لم يتخذ التحالف حتى الآن أيَّ خطوات عملية في هذا الشأن.
وأضافت أن الاشتباكات حول السجن أسفرت عن مقتل 9 من مقاتليها، وإصابة 20، وأن المنطقة تتعرض لقصف مدفعي من قوات الحكومة. وكانت قوات الشرطة العسكرية التابعة للحكومة السورية قد انتشرت في محيط سجن الأقطان.
وفي طمأنة للسوريين، قال معاون وزير الداخلية السوري اللواء عبد القادر طحان، إنهم سيعيدون التحقيق مع جميع الموقوفين في السجون التي يسيطر عليها تنظيم قسد بعد استلامها.
وذكر طحان أن لديهم "تجربة سابقة في إدارة السجون التي تضم عناصر من تنظيم داعش. والأمر نفسه ينطبق حالياً في محافظة الرقة، حيث يوجد سجن يضم بعض الموقوفين والسجناء من تنظيم داعش، إضافة إلى موقوفين آخرين".
وأضاف: "نحن حالياً نرتّب لاستلام هذا السجن ممن هم موجودون فيه، وكذلك الأمر في منطقة الشدادي حيث تجري الترتيبات ذاتها.
وتابع طحان: "ما يهمّنا في هذه المرحلة هو الحفاظ على الموقوفين في أماكنهم، ومنع حدوث أي عمليات هروب أو تفلّت، ولا سيما أننا نتخوّف من مسألة فرار بعض العناصر، ولذلك نحن مستعجلون في استلامها".
واستطرد: "نحن الآن بصدد استلام السجون التي تضم عناصر من تنظيم داعش، إضافة إلى بعض عناصر الجيش وبعض عناصر الفصائل سابقاً. وبعد استلام السجون، سنقوم بدراسة ملفات جميع الأشخاص الموجودين فيها".
وأوضح المسؤول الأمني السوري أنه "قد يتبين أن هناك أشخاصاً لا علاقة لهم بتنظيم داعش مطلقاً، وأن بعض الحالات تتعلق بجرائم جنائية، وستُحال هذه القضايا إلى المحاكم المختصة".
كما شدد على أنهم سيتعاملون مع ملف السجون "بالطريقة ذاتها التي نتعامل بها في دمشق؛ فما يتعلق بالقضاء يُحال إلى القضاء، وما يتعلق بالأمن يُعاد التحقيق فيه، وما يتعلق ببعض الفصائل أو ببعض العمليات التي كانت تقوم بها قسد قبل الاتفاق، فسيُتعامل معه بالطريقة نفسها".

الشرع وترامب
ووسط تسارع الأحداث شمال شرقي سوريا على وقع سيطرة الجيش السوري على محافظتي الرقة ودير الزور وانسحاب "قسد" نحو الحسكة، أكد الرئيس السوري، ونظيره الأميركي دونالد ترامب، أهمية الحفاظ على وحدة سوريا، وضمان حقوق الأكراد، والتعاون بمكافحة تنظيم "الدولة".
جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه الشرع مع ترامب، بحثا خلاله الأوضاع في سوريا وعدد من الملفات المحلية والإقليمية، وفق بيان للرئاسة السورية.
وقال البيان إن الرئيسين أكدا خلال الاتصال أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقلالها، ودعم جميع الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار، مضيفا أن "الجانبين شددا على ضرورة ضمان حقوق الشعب الكردي وحمايته ضمن إطار الدولة السورية".
كما اتفق الشرع وترامب على مواصلة التعاون بين البلدين في مكافحة تنظيم "داعش" وإنهاء تهديداته، وفق البيان.
وأعرب الرئيسان عن تطلع مشترك لرؤية سوريا قوية وموحدة، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، كما تناول الاتصال أيضا عددا من الملفات الإقليمية، وأكد الرئيسان أهمية منح سوريا فرصة للانطلاق نحو مستقبل أفضل وفق بيان الرئاسة.
وخصص ناشطون سوريون على منصات التواصل تغريداتهم وتدويناتهم لنقل ما لديهم من معلومات عن تفاصيل الاجتماع بين عبدي والشرع والذي لم يسفر عن أية نتائج، مستنكرين مواصلة قسد (واجهة واي بي جي الإرهابي) التنصل من الاتفاقات التي تقضي للتهدئة ووقف إطلاق النار .
وأعربوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس"، "فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #مظلوم_عبدي، #قسد، #الشدادي، #الشرع، عن استيائهم من تعثر تنفيذ الاتفاق بين دمشق وقسد واختيار الأخيرة المواجهة العسكرية عبر بيان أصدرته دعت فيه "الأكراد في سوريا ودول الجوار وأوروبا إلى كسر الحدود والانضمام لصفوف المقاومة".
واتهم ناشطون قسد بمحاولة جرّ الأكراد إلى معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ودفعهم نحو إراقة الدماء فقط كي لا تعود هذه القيادات إلى جبال قنديل، في مكانهم الطبيعي، منددين بفتح سجن الشدادي وإطلاق سراح عناصر من داعش.
فشل الحل
وتفاعلا مع التطورات، نقل إعلاميون وناشطون من مصادرهم الخاصة تفاصيل ما حدث في لقاء الشرع وعبدي الذي انتهى بفشل تثبيت وقف إطلاق النار، وطالبوا السلطة ببيان كاشف لتفاصيل ما حدث.
وصبوا جام غضبهم على قسد واتهموها بالإصرار على عرقلة بناء الدولة وإفشال الحل السياسي وإبقاء جذور الصراع.
ابتزاز سياسي
واستنكر سياسيون إطلاق قسد سراح نحو 120 عنصرا من عناصر تنظيم داعش الإرهابي من سجن الشدادي الخاضع لسيطرتها وممارستها أبشع صور الابتزاز السياسي، مشيدين بالتحرك الأمني السريع للقوات الحكومية والذي أسفر عن القبض على 81 عنصرا من الفارين.
إرهاب عابر للحدود
وهاجم صحفيون وكتاب تنظيم قسد وعدو بياناته الأخيرة التي اتهم فيها الحكومة السورية باقتحام سجن الشدادي واتبعه ببيان آخر يدعو فيه الأكراد للنفير العام وحمل السلاح عقب انهيار الاتفاق مع الحكومة السورية إعادة لفكرة التجنيد العابر للحدود واختيار للمواجهة العسكرية والقتال ضد الدولة.
ونددوا بتنصل قسد من الاتفاقات واستحقاقات التسليم السلمي للسجون وتلويحها بورقة الإرهاب، وخلق ذرائع لتهريب عناصر داعش وزعزعة الاستقرار الداخلي والانزلاق إلى الفوضى والالتفاف على بنود الاتفاقية التي تفرض دمج قواتها وتسليم المنشآت الحيوية للدولة.
تفسيرات وتحليلات
وفي تفسيرات وتحليلات لما تعنيه دعوة قسد لأنصارها في مختلف دول العالم لحمل السلاح والانخراط في صفوفها وتحذيرا من الانجرار خلف دعواتها والاستجابة لها، وصفها المحلل السياسي مؤمن محمد نديم كويفاتية، بأنها "دعوة كالرقصة الأخيرة للديك المذبوح".
وأكد أنها دعوة صريحة بكل المعايير بمقام التحريض على الدولة، وتُصنَّف قانونيا في إطار الخيانة العظمى، وعدها دليل إفلاس واضح ودليل على أنهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة بعدما كانت الدولة السورية قد مدّت إليهم طوق النجاة عبر الاتفاق الأخير،.
وذكر كويفاتية بأن عصابات "قسد" سبق أن دعت إلى النفير العام للكرد والعرب في الجزيرة السورية، في الرقة ودير الزور، فجاءت الاستجابة معاكسة تماماً، إذ انتفضت تلك المناطق ضدهم، عرباً وكرداً وتم طردهم من الجزيرة السورية.
وأكد المحلل السياسي غسان محمود الياسين، أن قسد بدعوتها لتسليح المواطنين الكرد هم يستجدون حرباً أهلية ليواصلوا بيع مظلوميتهم، قائلا: "لن نمنحكم هذه الهدية والجيش العربي السوري يعرف طريقه جيداً".
وقال حازم مهتدي، واضح أن قسد تعاني أزمة قيادة وأن أيامها باتت معدودة، معربا عن ثقته في أن "الأكراد الوطنيون لن تنطلي عليهم هذه الدعوة الصادرة من شق قنديلي مجرم أثبت إجرامه عبر سنوات العشر الماضية".
وتمنى: "كما نمنا ليلة وتحررت بها الرقة والدير أن تكون نهاية قسد الليلة القادمة".
ورأى محمود حمدي، أن دعوة قسد تعني أن جميع أوراقها احترقت داخليا وخارجيا ولم يعد لديها سوى هذه الدعوة والأرض سوف تكون الفيصل.
وتوقع باحث العلوم السياسية محمد السكري، سعي قسد لتحويل الإشكالية، من "أمنية" إلى "قومية" واللعب على الملف الكردي عبر استقطاب المكون في سورية والعراق وتركيا ومن ثم تحويلها لقضية رأي عام تحمل نفس "إبادة قومية".
وأكد أن أهم ما في المعركة ليس الحسم العسكري، وإنما ألا يكون هناك أي انجرار خلف خطاب-سلوك فئوي لا من قبل مجموعات ولا أفراد، بجانب أهمية الانضباط العسكري والأمني والخطاب السياسي المتزن.
وشدد السكري على أن العرب والأكراد السوريين هم متساوون في المواطنة، وأن المعركة لإنهاء فوضى أمنية وليس استهداف "قومية"، محذرا من أن أي انجرار، سيؤدي لمنح قسد رصيد، من أجل استثمار دعاية قومية فئوية.
الشرع وترامب
وطرح محللون وباحثون سياسيون قراءات للاتصال بين الرئيسين الشرع وترامب والذي جاء عقب تراجع مظلوم عبدي، عن تطبيق الاتفاق الذي وقع عليه أمس.













