شتاء القتل في غزة.. بردٌ يحصد الأطفال واغتيالات واعتقالات تكمّل المشهد

شدوى الصلاح | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

لم يكن صباح غزة عاديا، بل كان مثقلا بالموت والبرد والقهر.. أطفالٌ قُضوا بردا داخل خيام مهترئة، ونازحون اقتُلعت مساكنهم المؤقتة مع أول هبة ريح، ودمٌ فلسطيني جديد سُفك برصاص الاحتلال في خرق فاضح لوقف إطلاق النار.

وبينما يصارع أكثر من مليوني إنسان البقاء في مواجهة منخفض جوي قطبي وعدوان متواصل، واصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة القتل والتنكيل، من استهداف المدنيين في خان يونس إلى التباهي باعتقال أرملة الشهيد يحيى عياش، في مشهد يعكس عمق الانحطاط الأخلاقي والعقاب الجماعي الذي يفرضه على غزة وأهلها.

استيقظت غزة، اليوم، على سلسلة من الأخبار المؤلمة، كان أبرزها ارتفاع عدد وفيات الأطفال منذ بداية فصل الشتاء إلى 7 شهداء، بعد استشهاد 3 أطفال جراء البرد القارس، إلى جانب استشهاد 3 فلسطينيين برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في خان يونس، وتباهي جنود الاحتلال باعتقال أرملة الشهيد يحيى عياش.

فقد أدّت الرياح العاتية المصحوبة بالأمطار الغزيرة إلى اقتلاع خيام عشرات العائلات النازحة في مناطق متفرقة من قطاع غزة، في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي تصعيد عدوانه على مدينة خان يونس جنوبي القطاع.

وأعلنت وزارة الصحة في غزة وفاة 3 أطفال نتيجة البرد الشديد، ما يرفع عدد وفيات الأطفال منذ بداية الشتاء إلى سبعة، في حين حذّر المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، من تداعيات كارثية لمنخفض جوي قطبي يبدأ اليوم الثلاثاء 13 يناير/ كانون الثاني 2026، ويهدد حياة نحو 1.5 مليون فلسطيني.

وجدّد بصل مناشدته للمجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية، داعيا إلى إدراك حجم الكارثة وتحمل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية، والعمل العاجل على توفير مستلزمات الإيواء والغذاء والدواء بما يحفظ كرامة المدنيين.

كما أعلن الدفاع المدني ومستشفى الشفاء في غزة عن وفاة أربعة فلسطينيين جراء انهيارات جزئية لمبانٍ متضررة من القصف، غرب مدينة غزة، بسبب تأثيرات المنخفض الجوي العنيف الذي يضرب القطاع.

وفي مخيم النصيرات وسط القطاع، اضطرت آلاف العائلات النازحة إلى اللجوء للمساجد والمباني المدمرة جزئيا، بعد أن اقتلعت الرياح خيامهم وأغرقتها الأمطار.

بدوره، أوضح الراصد الجوي الفلسطيني ليث العلامي أن الأراضي الفلسطينية تتأثر، منذ ليل الإثنين وحتى مساء الثلاثاء، بـمنخفض جوي عميق وعاصف مصحوب بكتلة هوائية شديدة البرودة ذات منشأ قطبي.

وأشار العلامي إلى أن الأجواء ستشهد انخفاضا حادا في درجات الحرارة، مع اشتداد كبير في سرعة الرياح، لا سيما في المناطق الساحلية، متوقعا هطول أمطار غزيرة على مختلف المحافظات، بما فيها قطاع غزة، قد تكون مصحوبة بالرعد وزخات البَرَد. محذرا من خطورة الرياح على خيام النازحين.

اغتيالات واعتقالات 

وفي إطار خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار، واصل جيش الاحتلال تصعيد عدوانه على جنوب القطاع؛ حيث استشهد 3 فلسطينيين وأصيبت سيدة في منطقتين سبق أن انسحب منهما الاحتلال في خان يونس، بعد استهدافهما بطائرة مسيّرة من نوع "كواد كابتر" في محيط مسجد النور ومنطقة البطن السمين وسط المدينة.

وتأتي هذه الاستهدافات في مناطق كان الاحتلال قد انسحب منها ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

ومنذ بدء سريان الاتفاق، قتل الاحتلال 442 فلسطينيا وأصاب 1236 آخرين، في وقت يواصل فيه تشديد القيود على إدخال المواد الغذائية، والمستلزمات الطبية، ومواد الإيواء، رغم أن نحو 2.4 مليون فلسطيني يعيشون في ظروف إنسانية مأساوية.

وفي استمرار لسياسة التنكيل بذوي الشهداء، تباهى جنود إسرائيليون باعتقال السيدة هيام عياش، أرملة الشهيد يحيى عياش، أحد أبرز قادة كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس.

ونشرت صفحات إسرائيلية صورة لجنديين من جيش الاحتلال وهما يبتسمان بسخرية، وبجوارهما السيدة "أم البراء عياش" معصوبة العينين.

ويُعد يحيى عياش، المولود عام 1966، رمزا بارزا للمقاومة الفلسطينية و"مهندس العمليات الاستشهادية"، وقد ألهم جيلا كاملا من الشباب الفلسطيني للانخراط في المقاومة، وأسهم في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال، قبل أن تغتاله إسرائيل في يناير/ كانون الثاني 1996.

وأرّق عياش المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بقدراته على تصنيع العبوات الناسفة، وأفشل ثلاث محاولات اغتيال خلال خمس سنوات من المطاردة، فيما أطلقت كتائب القسام اسمه على صاروخ "عياش 250".

وفي تعقيبه على الحادثة، قال رئيس حركة حماس في الضفة الغربية، زاهر جبارين: إن تباهي الاحتلال باعتقال زوجة عياش ومواصلة اعتقال النساء الفلسطينيات "حماقة جديدة لـ بن غفير وعصاباته"، مؤكدا أن ذلك لن يكسر من عزيمة أم البراء، ولا من صورة الشهيد الذي أذلّ الاحتلال بعملياته النوعية.

وشدد جبارين، في بيان، على أن اعتقال النساء، ولا سيما زوجات وأمهات الشهداء والأسرى، سيرتد غضبا ومقاومة متصاعدة ضد الاحتلال ومستوطنيه في الضفة الغربية، مؤكدا أن إرادة الشعب الفلسطيني لا تكسرها وحشية العدوان.

وفي تطور أمني خطير، وضمن محاولات الاحتلال زعزعة الاستقرار الداخلي في غزة، اغتال مجهولون مدير جهاز المباحث في خان يونس، المقدم محمود الأسطل (40 عاما)، بعد إطلاق النار عليه من سيارة لاذت بالفرار في منطقة المواصي غرب المدينة.

وأوضحت وزارة الداخلية في غزة أن عملية الاغتيال نفذها عملاء للاحتلال، مشيرة إلى فتح تحقيق واسع وتعقب الجناة، دون الإفصاح عن تفاصيل إضافية.

ويأتي اغتيال الأسطل بعد نحو شهر من استشهاد الضابط أحمد زمزم في ديسمبر/ كانون الأول الماضي؛ حيث أعلنت الوزارة آنذاك أن التحقيقات أثبتت تورط متعاونين مع الاحتلال في اغتياله داخل مخيم المغازي.

وفي تصعيد غير مسبوق، تبنت جماعة مسلحة متعاونة مع الاحتلال يقودها حسام الأسطل الملقب بـ"أبو سفن"، عملية الاغتيال، حيث ظهر الأخير في مقطع مصور معلنا مسؤوليته، ومتوعدا بتنفيذ عمليات اغتيال جديدة بحق قادة المقاومة في غزة.

بالتوازي، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وصورا توثق المعاناة الإنسانية القاسية في غزة، في ظل غرق الخيام واقتلاعها بفعل الأمطار والرياح، معبرين عن تضامنهم، ومنددين بحالة الخذلان.

كما استنكروا تباهي الاحتلال باعتقال أرملة الشهيد يحيى عياش، مستحضرين تاريخه وبطولاته، ومنددين بسياسة الاغتيالات بالوكالة واستخدام العملاء المحليين، داعين إلى مواجهة هذه الظاهرة بحزم، ومطالبة الأهالي بالإبلاغ عن أي اشتباه بالتعاون مع الاحتلال.

واقع أليم

في توصيف مباشر لحجم المأساة التي يعيشها سكان قطاع غزة، واستنكارٍ لصمت العالم حيال ما يجرى، قال الداعية الفلسطيني جهاد حلس: إن الليلة الماضية كانت من أقسى الليالي التي مرّت على الغزيين، مؤكدا – بالقَسَم – أنها كانت أشدّ وطأة حتى من أيام الحرب نفسها.

وأوضح حلس أن الرياح العاتية والأمطار الغزيرة أغرقت بعض خيام النازحين، فيما اقتلعت أخرى بالكامل. مشيرا إلى أن الناس كانوا يصرخون بأعلى أصواتهم مستغيثين: «يا الله»، وهم يتشبثون بأطراف الخيام خوفا من تطايرها أو انهيارها فوق رؤوس أطفالهم، في مشهد من القهر والعجز تعجز الكلمات عن وصفه.

بدوره، اختصر محمد أبو العمرين المشهد بكلمات قليلة قائلا: «الليلة صعبة للغاية.. الرياح تقتلع الخيام في معظم مناطق غزة».

وعرضت الناشطة دانا جابر مقطع فيديو يوثّق تسلّل مياه الأمطار إلى خيمة تأوي عائلة تضم أطفالا، معلّقة بالقول: «أيقظتهم الغرق بدل الدفء، والخوف بدل الأمان.. هكذا ينام أهل غزة، إن استطاعوا النوم أصلا. المطر يغرق المأوى ولا مجيب».

أما أحمد فلكس، فكتب معبّرا عن المفارقة القاسية: «بينما يغطّ العالم في نوم هادئ تحت أسقف تحميه، نعيش في غزة بلا أمان، غارقين في مياه الأمطار». مؤكدا أنه «لا نوم في غزة، بل صراع دائم مع المطر والريح والبرد».

وتضامنت الصحفية مي عزام مع أهالي القطاع، داعية العالم إلى استحضار معاناتهم، قائلة: «وأنت تشعر بالدفء تحت الغطاء في هذا الجو البارد، تذكّر أهل غزة الذين تمزّقت خيامهم بفعل الرياح، وينامون على فرش تحولت إلى عوامات مثلجة بسبب الأمطار».

وتساءلت بمرارة: «هل توقفت الحرب فعلا؟ وهل أُدخلت الكرفانات التي يفترض أن تكون مساكن مؤقتة؟ ولماذا لا يتحدث أحد الآن عن إعادة إعمار غزة؟»، منتقدة حصر النقاشات في مدينة رفح، في سياق ما وصفته بمحاولات تقسيم غزة إلى «قديمة» و«جديدة».

أرملة عياش

وفي استنكار واسع لنشر جنود الاحتلال صورة مهينة لأرملة الشهيد يحيى عياش لحظة اعتقالها، قال الباحث في العلاقات الدولية علي أبو رزق: إن إسرائيل بلغت مستوى لا يُحتمل من الغطرسة والكِبر، منددا بإصرارها على إهانة الزوجات والأمهات والبنات والجدّات الفلسطينيات، وكل تفاصيل الحياة اليومية للمرأة الفلسطينية.

وأكد أبو رزق أن هذا المستوى من التنكيل والإذلال لا يمكن احتماله أو التعايش معه أو تمريره. مشددا على أن ما تمارسه إسرائيل يتعارض مع قوانين الأرض والطبيعة والإنسانية، ومع أبسط معايير الشرف والكرامة. وأضاف أن هذه الإهانات والاستفزازات لا يمكن احتواؤها أو تدجينها، بل تُعجّل بلحظة انفجار قادمة لا محالة، مهما بدا المشهد مثقلا باليأس والهوان.

من جهتها، قالت الناشطة مايا رحال: إن الاحتلال يرتعد من «شهيدٍ شبح» رحل قبل عقود، ويرتعب اليوم من صورته، فيعتقل صاحبة الصورة، وترى أن هذا المشهد يفضح طبيعة كيان فاشيّ جبان. مضيفة أن حكومة وجيش وشعب الاحتلال أثبتوا أن إسرائيل «دولة من ورق، ومصيرها الزوال».

واستهجن الصحفي عبود بطاح التقاط جنود الاحتلال صورا تذكارية أثناء اعتقال أرملة الشهيد عياش، متسائلاً: «ماذا لو كانت هذه الصورة لجندي إسرائيلي كان أسيرا في غزة؟ كيف كان سيكون حجم الضجيج والاستنفار باسم الإنسانية وحقوق الإنسان؟»، واصفا ما يحدث بأنه ازدواجية فاضحة وعدالة تُقاس بالهوية لا بالفعل.

بدوره، دعا مصطفى صقر إلى تذكير الاحتلال بأن كيانه بأكمله «ركع تحت أقدام المهندس يحيى عياش». قائلا: «مهما فعلتم، لن تمحوا صورة (الباص الطائر) من عقولكم». مؤكدا أن الأحرار لا ينامون على ثأر، وأن من يزرع الحقد سيحصد الانتقام.

وأكّد علي شريم أن اعتقال أرملة عياش والتفاخر بنشر صورتها لا يثبت قوة الاحتلال، بل يكشف عن إرهاب متجذّر في بنيته الفكرية، ويرى أن مثل هذه الممارسات لا تصدر إلا عن عقلية متطرفة، في إشارة إلى وزير أمن الاحتلال إيتمار بن غفير.

اغتيالات بالوكالة

وفي إدانة لسياسة استهداف القيادات الفلسطينية عبر عملاء محليين، قال الأكاديمي إياد إبراهيم القرا: إن اغتيال المقدم محمود الأسطل يندرج ضمن حرب مركّبة يشنّها الاحتلال على غزة، لا تقتصر على القصف العسكري، بل تمتد إلى ضرب الأمن الداخلي وتفكيك النسيج المجتمعي.

وأوضح القرا أن الاحتلال يسعى من خلال استهداف القيادات الأمنية إلى خلق فراغ وفوضى، وفتح الباب أمام الشائعات والاقتتال الداخلي. مؤكدا أن هذه الجريمة جزء من سياسة ممنهجة تعتمد الاغتيال والعملاء والحرب النفسية والتحريض الإعلامي. وحذّر من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاغتيال وحده، بل في المسّ المباشر بأمن المواطن. داعيا إلى موقف وطني حازم، ورفع الغطاء العائلي والمجتمعي عن كل من يثبت تورطه أو تعاونه مع الاحتلال.

وفي موقف مثير للجدل، طالب محمد أبو العمرين بحملة قاسية تنال جميع المتعاونين مع الاحتلال. داعيا العائلات إلى رفع الغطاء عنهم، ويرى أن التهاون مع هذه الظاهرة يهدد الجبهة الداخلية برمّتها.

وفي موقف مثير للجدل، طالب محمد أبو العمرين بحملة قاسية تنال جميع المتعاونين مع الاحتلال. داعيا العائلات إلى رفع الغطاء عنهم، ويرى أن التهاون مع هذه الظاهرة يهدد الجبهة الداخلية برمّتها.

ونقل ناشطون عن الشيخ محمد الأسطل إشادته بالشـهيد محمود الأسطل. واصفا إياه بأنه «كان جيشا وحده، سدادا للثغور، دخل بطن الموت مراراً ونجا من الاستهداف المباشر مرات عديدة». مؤكداً أنه كان من أبرز من تصدوا للعملاء وحفظوا تماسك الجبهة الداخلية.

وفي السياق ذاته، كتب إبراهيم المدهون أن الشهيد الأسطل كان من خيرة العاملين في الميدان، رجلَ تربيةٍ وإيمان، حاضرا في العبادة، قريبا من الناس، وفي الوقت نفسه من المتقدمين في صفوف المقاومة ومواجهة الاحتلال.