حدود ملتهبة واستقرار هش.. هل تتحمل سوريا ارتدادات الصراع الإيراني الإسرائيلي؟

مصعب المجبل | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في توقيت حساس تحاول فيه سوريا التقاط أنفاسها بعد سنوات طويلة من الحرب، تتصاعد المخاوف من أن تعود البلاد مجددا إلى دائرة الاضطراب الإقليمي، مع احتدام الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران وتداعياتها المتسارعة في المنطقة.

فبينما تسعى دمشق لترسيخ الاستقرار وإعادة تحريك عجلة الاقتصاد بعد مرحلة قاسية من الصراع، تلوح في الأفق مخاطر تحول سوريا إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات، في ظل احتمالات تحرك أذرع طهران الإقليمية وتوسع رقعة المواجهة بما قد يعيد إشعال بؤر توتر في أكثر من جبهة.

ساحة حذرة

لكن اللافت أنه منذ فجر 28 فبراير/شباط 2026، تتعرض ثماني دول عربية، هي قطر والكويت والسعودية والإمارات والبحرين وسلطنة عُمان والأردن والعراق، لهجمات إيرانية؛ إذ تزعم طهران أنها تستهدف ما تصفه بـ"مصالح أميركية" في دول بالمنطقة، غير أن بعض تلك الهجمات خلّف قتلى وجرحى، وألحق أضرارًا بأعيان مدنية، بينها موانئ ومبانٍ سكنية.

وفي خطوة استباقية، عزّز الجيش السوري، في 4 مارس/آذار 2026، انتشاره على طول الحدود مع لبنان والعراق المجاورين، اللذين يشهدان تصعيدًا على خلفية الحرب التي أطلقتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية "سانا".

وقد توجهت قوات عسكرية سورية إلى الحدود السورية اللبنانية بالقرب من محافظة حمص، المحاذية لمعقل حزب الله في شرق لبنان.

وشملت التعزيزات مدرعات وجنودًا وقاذفات صواريخ وكتائب استطلاع لمراقبة الأنشطة الحدودية ومكافحة التهريب.

وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، وفق "سانا"، أن "الجيش عزّز انتشاره على طول الحدود السورية مع لبنان والعراق".

وأضافت أن هذه التعزيزات تأتي "لحماية وضبط الحدود في ظل تصاعد الحرب الإقليمية الجارية".

ولا يزال الجنوب السوري المحاذي للجولان المحتل من قبل إسرائيل يشهد توترًا أمنيًا وتوغلات إسرائيلية متكررة في بلدات ريفي القنيطرة ودرعا، وسط رفض تل أبيب الانسحاب من مناطق سورية تقدمت إليها قوات الاحتلال عقب سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، حين أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلغاء اتفاقية فض الاشتباك عند الحدود الموقعة عام 1974.

ولسنوات، شكّل ما يُعرف بـ"محور المقاومة" ركيزة أساسية لنفوذ إيران في الشرق الأوسط، بما ضمّه من حلفاء في العراق وسوريا واليمن ولبنان، غير أن هذا المحور تلقّى ضربات قاسية خلال العامين الأخيرين وتفكك إلى حدّ كبير.

وجاء ذلك بعد إضعاف حزب الله اللبناني، الذي خسر جزءًا كبيرًا من ترسانته وقيادته في المواجهة مع إسرائيل التي انتهت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وكذلك سقوط حكم بشار الأسد في سوريا في الثامن من ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته، إذ كان هذا النظام يمثل مركز ثقل هذا التحالف بقيادة طهران.

إلا أن حزب الله قرر "الوقوف إلى جانب إيران" عقب مقتل المرشد علي خامنئي، وبدأ بشن هجمات صاروخية على شمال إسرائيل.

وباختياره الانخراط في الحرب، عرّض حزب الله نفسه لردّ قاسٍ وغير متناسب من جانب إسرائيل، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي قصف معاقله في جنوب لبنان وشرقه وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، كما تقدمت قواته داخل الأراضي اللبنانية لإقامة منطقة عازلة.

وفي العراق الذي شكّل لعقود ساحة مواجهة غير مباشرة بين واشنطن وطهران، أعلنت فصائل مسلحة مدعومة من إيران مسؤوليتها عن عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة ضد قواعد أميركية، غير أن العديد من هذه المسيّرات جرى إسقاطها.

 اختبار السيادة

في لحظة إقليمية مشتعلة تتجاوز حدود المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل، تجد سوريا نفسها أمام اختبار سيادي بالغ الحساسية، وهي التي ما تزال في طور إعادة ترميم مؤسسات الدولة وإنعاش اقتصادها بعد سنوات طويلة من الحرب، في وقت تحاول فيه دمشق الجديدة تثبيت معادلة مختلفة قوامها ضبط الحدود ومنع تحويل أراضيها إلى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ولا تبدو التحركات العسكرية السورية الأخيرة على الحدود مع لبنان والعراق مجرد إجراءات أمنية روتينية، بل تعكس إدراكًا رسميًا بأن الحرب الدائرة مرشحة للتمدد عبر أذرع إيران ووكلائها الإقليميين.

وفي هذا السياق، قال رئيس مركز رصد السوري للدراسات الإستراتيجية، العميد عبد الله الأسعد، لـ"الاستقلال"، إن "المعركة الدائرة حاليًا هي بالدرجة الأولى بين إيران وإسرائيل، وبالطبع تقف الولايات المتحدة سندًا لإسرائيل، لا سيما أن لإيران أذرعًا في المنطقة، خصوصًا في سوريا، حيث كانت هذه الأذرع تأتي من العراق وتتمركز هناك".

وأضاف الأسعد: "وعليه، فإن أي تحرك مقبل أو نوايا محتملة للتصعيد قد تأتي من جهة حزب الله اللبناني، وكذلك من جهة العراق الذي يضم مليشيات يقودها فيلق القدس".

واستدرك قائلاً: "لذلك يتمثل الخطر الراهن بالنسبة لسوريا في أن تقوم هذه المليشيات الموجودة في لبنان والعراق، والتي تُعد أذرعًا لإيران، بتنفيذ أعمال انتقامية انطلاقًا من سوريا، بتقدير أنها كانت تتمركز فيها سابقًا ثم هُزمت هناك في لحظة عدتها هزيمة كبرى لها وللمشروع الإيراني برمته".

ونوّه الأسعد إلى أن "التحشيد العسكري السوري على الحدود وتعزيز القوات يعكسان رغبة سوريا في تعزيز دورها الإقليمي، وتوجيه رسالة مفادها أنها لم تعد كما كانت في عهد نظام بشار الأسد، أي ساحة لتصفية الحسابات وملعبًا مفتوحًا لمن يشاء أن يمارس دوره عليها".

وأردف: "ويهدف هذا التحشيد أساسًا إلى منع هذه الأذرع من الدخول عبر الأراضي السورية أو استخدامها لتنفيذ أجندات إيرانية، أو القيام بأعمال قد تخدم دولًا أخرى على حساب السيادة السورية".

وختم العميد بالقول: "وبذلك، تريد سوريا أن تؤكد أنها دولة حرّة ذات سيادة، ولن تسمح لأي جهة بتنفيذ مخططاتها على أرضها، أو بأن يتحول اللاعبون إلى متحكمين بساحتها وأراضيها".

شرر متطاير

هناك خشية لدى دمشق، وفق مراقبين، من أن تتحول سوريا إلى عقدة جغرافية حساسة بين مسارات الإمداد ومحاور الاشتباك المحتملة تبعًا لتطورات الحرب على إيران.

وتزداد هذه المخاوف في ظل هشاشة المجال الجوي السوري وغياب منظومات دفاعية قادرة على ضبط ما يوصف بـ"الشرر المتطاير" بين الأطراف المتصارعة، الأمر الذي يجعل البلاد عرضة لارتدادات غير محسوبة قد تجرها إلى صراع لا ترغب في الانخراط فيه.

وفي هذا السياق، أشار الباحث السوري عمار جلو إلى وجود خشية كبيرة من ارتدادات الصراع المفتوح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، على سوريا وجغرافيتها بشكل عام.

وقال جلو، في حديثه لـصحيفة الاستقلال، إن الدولة السورية في المرحلة الراهنة تفتقر إلى منظومات دفاع جوي قادرة على ضبط المجال الجوي، ما يجعل الفضاء السوري عرضة لعبور ما وصفه بـ"الشرر المتطاير" من أحد أطراف الصراع نحو الآخر.

وأضاف أن التدرج في توسيع نطاق الحرب عبر استخدام إيران أذرعها ووكلاءها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله والحشد الشعبي، يزيد من تعقيدات المشهد الأمني، خاصة أن هذه القوى تتمركز في دول مجاورة لسوريا.

وأشار جلو إلى أن تعزيز الحكومة السورية انتشارها الأمني، خصوصًا على الحدود مع العراق عبر قوات حرس الحدود، جاء استجابة للتطورات الإقليمية المتسارعة.

إلا أن الوضع على الجبهة اللبنانية يبدو أكثر تعقيدًا، بحسب جلو، نظرًا لاحتمال وجود خلايا نائمة مرتبطة بحزب الله داخل سوريا، نتيجة الدور الذي لعبته خلال سنوات الحرب السابقة، حيث شاركت إلى جانب نظام بشار الأسد قبل سقوطه في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.

وأوضح أن تلك المرحلة شهدت إنشاء شبكات اجتماعية وعسكرية وأمنية مرتبطة بتلك القوى، وقد تكون توقفت أو تراجعت أنشطتها بعد التغير السياسي الذي شهدته البلاد، لكنها لا تزال، وفق تقديره، موجودة في صورة خلايا كامنة.

كما أشار إلى احتمال تعرض الجغرافيا السورية لمحاولات اختراق جديدة بهدف تحويلها إلى مسار إمداد مفتوح يربط بين العراق، سواء عبر الحشد الشعبي أو إيران، وصولًا إلى حزب الله الذي دخل فعليًا على خط الصراع إلى جانب طهران.

وحذر من أن تطور الصراع قد يدفع بعض الأطراف إلى محاولة التمدد داخل الأراضي السورية للوصول إلى نقاط تماس مع إسرائيل، وهو ما يزيد تعقيد المشهد الأمني، ويضع الدولة السورية أمام أعباء سياسية وعسكرية إضافية.

وأضاف أن سوريا تجد نفسها أمام معادلة صعبة؛ فهي مطالبة من جهة بمنع أي اختراق لسيادتها، ومن جهة أخرى بتجنب الاصطفاف إلى أحد أطراف الصراع، في ظل عد كل من إيران وإسرائيل خصمين محتملين للمصالح السورية في المرحلة الحالية.

وختم جلو بالقول: إن هذه التعقيدات مجتمعة قد تهدد الاستقرار الهش في سوريا، وتسهم في زيادة الضغوط الداخلية، فضلًا عن تعقيد المشهد الإقليمي المحيط بالبلاد.