إغلاق إسرائيلي وتهميش دولي.. هكذا تدفع غزة فاتورة الحرب على إيران

حسن عبود | منذ ٨ ساعات

12

طباعة

مشاركة

لم تكن غزة طرفا مباشرا في الحرب التي اندلعت أواخر فبراير/شباط 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لكنها كانت من أوائل من دفعوا ثمنها.

ففي غضون ساعات من اندلاع المواجهة، أغلقت إسرائيل جميع المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، وتوقفت الإمدادات الحيوية، ليتحوّل النقص سريعًا إلى أزمة معيشية خانقة: شحّ في الوقود والمواد الغذائية، وارتفاع متسارع في الأسعار، داخل قطاع محاصر يحاول بالكاد التعافي بعد عامين من عدوان إسرائيلي مدمّر.

مخاوف كبيرة

وأعلنت هيئة تنسيق الأنشطة الحكومية في المناطق إغلاق جميع المعابر المؤدية إلى القطاع، وفي مقدمتها معبر كرم أبو سالم ومعبر رفح (جنوب) الذي كان قد أُعيد فتحه مطلع فبراير/شباط بعد نحو عام ونصف من الإغلاق.

ومنعت إسرائيل دخول الوقود والبضائع إلى القطاع الذي أنهكته حرب استمرت عامين كاملين، مبررة القرار بتداعيات القتال مع إيران.

وادعت الهيئة أن تشغيل المعابر خلال الحرب يعرّض الإسرائيليين لخطر الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، مؤكدة أنها ستعيد فتحها عندما يسمح الوضع الأمني، وهو ما حدث بعد أيام بصورة محدودة.

في المقابل، رأت منظمات فلسطينية وعاملون في الأمم المتحدة أن القرار يرقى إلى عقاب جماعي، نظرا لاعتماد غزة شبه الكامل على الوقود والسلع الواردة عبر هذه المعابر، محذرين من أن استمرار إغلاقها يهدد حياة السكان ويقيّد حركة المرضى.

يقول خالد حجازي (38 عاما) من مدينة غزة، وهو أب لثلاثة أطفال: إن إغلاق المعابر المفاجئ، خاصة معبر رفح، أعاد إلى الأذهان مشاهد الحرب مجددا، "حتى وإن بدا أن هناك تهدئة في الظاهر".

وأضاف لـ"الاستقلال": "يرتبط إغلاق معبر رفح دائما في أذهان الناس بالحرب أو التوتر. إغلاقه يعني أن الأمور ليست طبيعية، خصوصا أننا نعيش مرحلة هشة يتواصل فيها القصف رغم اتفاق وقف إطلاق النار".

وعن التداعيات المعيشية، قال: "منذ بدء الحرب ارتفعت الأسعار فجأة في بعض السلع الأساسية مثل السكر والبيض وعدد من الخضراوات والفواكه، وعاد بعض التجار إلى استغلال الوضع مع اقتراب نفاد مخازنهم بسبب الإغلاق".

وأعرب عن خشيته من عودة شبح المجاعة إلى القطاع إذا طال أمد المواجهة مع إيران، قائلا: "حينها لن يشعر بنا أحد، ولن يلتفت لمعاناتنا في ظل الانشغال بهذه الحرب".

أما أحمد المغربي (43 عاما) فيرى أن المسألة تتجاوز الضائقة المعيشية والأزمة الاقتصادية، موضحا: "شعرنا منذ اللحظة الأولى بتهميش ملف غزة، وهو المهمّش أصلا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025".

وأضاف، وهو أب لأربعة أطفال: "الخطر الأكبر أن تؤدي هذه الحرب إلى تهميش مستقبل غزة الذي لم يُحسم بعد. لا توجد حكومة فعلية، ولا إدارة واضحة، ولجنة التكنوقراط التي شُكّلت حديثا غير موجودة على الأرض".

وختم بالقول: "أكبر مخاوفنا هو غياب المستقبل. مرّ عامان ونصف العام وأطفالنا بلا تعليم، ونعيش بلا كهرباء، ونفتقد للمياه النظيفة والحياة الكريمة. وحتى من يرغب في المغادرة لا يستطيع، إذ لم يكن الخروج متاحا فعليا حتى عندما كان المعبر مفتوحا شكليا، بسبب اقتصار السفر على أعداد محدودة من المرضى".

تأثيرات فورية

وبعد ضغوط أميركية، أعادت إسرائيل في 3 مارس/آذار 2026، فتح معبر كرم أبو سالم التجاري جنوب قطاع غزة عقب 3 وبعد ضغوط أميركية، أعادت إسرائيل في 3 مارس/آذار 2026 فتح معبر كرم أبو سالم التجاري جنوب قطاع غزة، عقب ثلاثة أيام من إغلاقه.

غير أن مصادر محلية أفادت بأنه لم يُسمح إلا بدخول "عدد محدود جدا" من الشاحنات التجارية وشاحنات الوقود، دون إدخال شاحنات مساعدات قادمة من الجانب المصري.

وذكرت صحيفة هآرتس أن القرار جاء بعد ضغوط مباشرة، حيث تواصل آريا لايتستون، كبير مستشاري المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مطالبا باستئناف إمداد القطاع بالمساعدات.

وحتى قبل الإغلاق، كانت غزة تعاني من نقص حاد في الوقود والمواد الغذائية والمياه النظيفة. ومع اندلاع الحرب على إيران، تصاعدت التحذيرات من نفاد مخزونات السلع الأساسية.

ويعتمد القطاع كليا على الوقود الذي تنقله الشاحنات من إسرائيل ومصر، فيما حذر مسؤولون محليون من أن استمرار نقص الإمدادات سيعرض عمل المستشفيات للخطر، ويهدد خدمات المياه والصرف الصحي، خاصة في ظل نزوح غالبية السكان داخليا بفعل العدوان الإسرائيلي.

وحتى 25 فبراير/شباط، وقبل الإغلاق، تمكنت الأمم المتحدة وشركاؤها من إدخال نحو 7500 منصة مساعدات عبر المعابر، شكلت المواد الغذائية 66.5 بالمئة منها، فيما جرى تجهيز 7200 منصة أخرى للتوزيع داخل القطاع، 82 بالمئة منها مواد غذائية.

ومع ذلك، لم يُفرغ سوى 30 بالمئة من الشاحنات القادمة عبر الممر المصري في كرم أبو سالم خلال فبراير/شباط 2026.

كما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن 55 مهمة إنسانية نسقتها الأمم المتحدة داخل غزة بين 20 و26 فبراير، رُفض 13 بالمئة منها، وتأخر تنفيذ 27 بالمئة بسبب القيود الإسرائيلية. ورغم تحسن مؤشرات الأمن الغذائي تدريجيا بعد أشهر من الهدنة، فإن الإغلاق الأخير بدد تلك المكاسب.

وأشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن متوسط الوجبات اليومية ارتفع إلى وجبتين خلال فبراير، مع تحسن نسبي في توفر الخضراوات واللحوم، إلا أن إغلاق المعابر شكل انتكاسة جديدة.

وقالت كارونا هيرمان، مديرة مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع في القدس والمسؤول عن توزيع الوقود في غزة: "أتوقع أن لدينا ما يكفي ليومين فقط".

من جهته، قدّر أمجد الشوا، وهو مسؤول إغاثة يعمل مع الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية في غزة، أن إمدادات الوقود قد تكفي لثلاثة أو أربعة أيام، فيما قد تنفد مخزونات الخضراوات والدقيق وغيرها من المواد الأساسية قريبا إذا لم تستأنف حركة الشاحنات بالشكل المطلوب.

وتعززت هذه المخاوف مع توجه مواطنين إلى الأسواق لتخزين السلع خشية تكرار المجاعة التي شهدها القطاع خلال العدوان الإسرائيلي.

وحذر برنامج الغذاء العالمي من أن مخزونه سينفد بسرعة ما لم تُستأنف حركة الشاحنات بشكل كامل، مؤكدا الحاجة إلى تسريع إدخال المساعدات فور إعادة فتح المعبر.

كما أعلنت منظمة المطبخ المركزي العالمي، التي توزع نحو مليون وجبة ساخنة يوميا، أنها قد تنفد من الإمدادات خلال أسبوع إذا استمر إغلاق المعابر.

غياب الاهتمام

مع تصاعد الحرب مع إيران، تراجعت تغطية وسائل الإعلام الدولية للنقاشات المتعلقة بالمستقبل السياسي لقطاع غزة، في وقت تحوّل فيه الاهتمام إلى طهران وتداعيات المواجهة الإقليمية.

وأشار تقرير لوكالة أسوشيتد برس إلى أن "إعادة تركيز انتباه العالم على غزة أصبحت تحديا للأطراف الإنسانية"، رغم الزخم الذي شهدته القضية في الأسابيع السابقة.

وأضافت الوكالة أن وقف إطلاق النار لا يزال يواجه تحديات معقدة، من بينها مسألة نزع سلاح حركة حماس، وتشكيل ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، فضلا عن تمكين اللجنة الفلسطينية المُعيّنة حديثا لإدارة غزة من مباشرة عملها داخل القطاع.

وخلال الأسبوع الذي سبق اندلاع الحرب، التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب عددا من القادة لإطلاق مبادرة "مجلس السلام" لإعادة إعمار غزة، إلا أن هذا المسار تجمّد مع تفجر المواجهة العسكرية.

كما تراجعت جلسات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالقطاع، بينما استحوذت الحرب مع إيران على البيانات الرسمية الصادرة عن العواصم الغربية.

وتُعد الهدنة جزءا من خطة أوسع مدعومة من الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، تشمل إعادة فتح معبر رفح الحدودي مع مصر، وزيادة تدفق المساعدات وإطلاق عملية إعادة الإعمار، غير أن إسرائيل لم تلتزم بكامل هذه البنود حتى الآن.

ولا يقتصر التهميش، وفق ناشطين فلسطينيين، على المجتمع الدولي، إذ يرون أن حكومة بنيامين نتنياهو تستغل الصراع الإقليمي لتأجيل تنفيذ التزاماتها، بما في ذلك توسيع وصول المساعدات وتسريع إعادة الإعمار.

ويقول خالد حجازي: "هذه فرصة ذهبية لإسرائيل لتجميد مستقبل قطاع غزة وتعميق معاناة سكانه. نتمنى انتهاء هذه المعركة قبل أن تتدهور الأوضاع ونعود نحن أيضا إلى حرب جديدة".

وأضاف: "عدم فرض حل سريع بشأن غزة يمنح إسرائيل هامشا للعودة إلى الحرب متى شاءت. ما يجري مع إيران يؤثر علينا مباشرة، والاحتلال سيحسن استغلال هذه اللحظة لفرض واقع جديد".

واعترفت وسائل إعلام عبرية، من بينها صحيفة هآرتس، بأن الحرب في إيران قد تدفع إلى تهميش القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، وتؤدي إلى استمرار تأخير إعادة إعمار القطاع.

ويأتي هذا التراجع قبيل منتصف شهر رمضان، فيما تُظهر صور متداولة فلسطينيين يصطفون حول موائد طويلة بين أنقاض المباني التي خلّفها القصف.

ويختم أحمد المغربي بالقول: "منذ اللحظة الأولى للحرب، هرع الناس إلى الأسواق لشراء احتياجاتهم وكأننا المعنيون مباشرة بهذه الأزمة. هذا المشهد أظهر مدى هشاشة الوضع في القطاع وكيف تُرك الناس وحدهم".

وأضاف: "كنا نعيش تهدئة هشة منذ شهور، تتخللها عمليات قصف يومية، لكننا تأقلمنا على أمل الوصول إلى حل. لا نريد العودة إلى ما هو أسوأ".