اتفاق الحسم في شرق الفرات.. دمشق تطوي صفحة “قسد” وتستعيد الرقة ودير الزور

عناصر من "قسد" وحزب العمال الكردستاني ترتكب مجازر بحق مدنيين في محافظة الحسكة
عقب إعلان التوصل إلى اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" والحكومة السورية، وفي ظل نتائج ميدانية إيجابية للعمليات العسكرية التي نفذها الجيش السوري، والتي أنهت فعلياً مرحلة المليشيات سياسياً وميدانياً، جرى تداول أخبار غير مؤكدة عن ارتكاب عناصر من "قسد" وحزب العمال الكردستاني مجازر بحق مدنيين في محافظة الحسكة.
وفي 18 يناير/ كانون الثاني 2026، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع اتفاقاً لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل لقوات "قسد" ضمن صفوف الجيش السوري، وذلك عقب تطورات أمنية وعسكرية وُصفت بالدراماتيكية خلال أيام قليلة، مؤكداً أن الاتفاق الجديد يستند إلى روح اتفاق العاشر من مارس/ آذار 2025.
وينص اتفاق مارس على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في مناطق شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة، وإعادة فتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، إضافة إلى انسحاب قوات "قسد" من مدينة حلب إلى شرق الفرات، غير أن القوات المذكورة امتنعت حينها عن تنفيذ بنود الاتفاق.
ونتيجة لتعثر تنفيذ التفاهمات، أطلق الجيش السوري عملية عسكرية استمرت يومين، استعاد خلالها مساحات واسعة من المناطق الشرقية والشمالية الشرقية للبلاد.
وينص الاتفاق المُعلن أخيراً على وقف فوري وشامل لإطلاق النار على جميع الجبهات ونقاط التماس، مع انسحاب كافة التشكيلات العسكرية التابعة لـ"قسد" إلى منطقة شرق الفرات، تمهيداً لإعادة الانتشار.
كما أكد الاتفاق تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً إلى الحكومة السورية بشكل كامل وفوري، ودمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة وهياكلها الإدارية.
وشدد الاتفاق كذلك على تسلم الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، ودمج جميع العناصر العسكرية والأمنية التابعة لـ"قسد" ضمن هيكليتي وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين، على أساس فردي.
وبناءً على الاتفاق، أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار على الجبهات كافة، والإيقاف الشامل للعمليات العسكرية، وفتح ممرات آمنة لعودة الأهالي إلى مناطقهم، إلى جانب إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وبدء إعادة انتشارها لممارسة مهامها في خدمة المواطنين.
قسد" يرضخ
في اليوم التالي، أعلن قائد قوات "قسد" مظلوم عبدي قبوله بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس الشرع، ورأى في بيان متلفز أن الحرب فُرضت عليهم وخُطط لها من قبل عدة جهات، وفق تعبيره.
وتعهد عبدي بشرح بنود الاتفاق عقب عودته من دمشق؛ حيث من المتوقع أن يلتقي الرئيس الشرع اليوم الإثنين، بعدما كان مقرراً أن يتم اللقاء يوم أمس، إلا أن سوء الأحوال الجوية حال دون وصوله.
وأضاف قائد "قسد" أن انسحاب قواته من محافظتي دير الزور والرقة باتجاه الحسكة جاء حقناً للدماء ومنعاً لاندلاع حرب أهلية، معترفاً بتكبد قواته خسائر بشرية فادحة، مؤكداً في الوقت ذاته أنها ستدافع عن مكتسباتها حتى النهاية.
وعقب الإعلان الرسمي عن الاتفاق، تداول ناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر، وفق زعمهم، ارتكاب مسلحين أكراد مجازر في الحسكة بدوافع عرقية.
كما تحدث ناشطون سوريون عن إعدامات ميدانية بحق عائلات عربية في الحسكة، انتقاماً من الهزائم التي مُنيت بها "قسد" أمام الجيش السوري خلال الأيام الماضية.
وانتشرت أيضاً صور قيل إنها توثق إقدام عناصر من "قسد" على إحراق منازل مدنيين في الحسكة، في إطار ما وصفه ناشروها بانتهاكات ممنهجة بحق سكان المدينة.
استجابة رسمية
في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية السورية عبر منصة "إكس" أنها تتابع بجدية بالغة التقارير المتداولة حول وقوع مجازر في محافظة الحسكة، مؤكدة أن أجهزتها المختصة باشرت فوراً التحقيقات اللازمة للتحقق من صحة المعلومات الواردة.
بدوره، وجّه وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح رسالة إلى السوريين، شدد فيها على أن "كل قطرة دم تنزف من سوري غالية"، مؤكداً أن وزارتي الداخلية والدفاع تعملان على التحقق من كل ما يرد من معلومات من الحسكة.
وحذر الصالح من وجود أيادٍ تحاول العبث بأمن سوريا وجرّها إلى مسارات لا تريدها، داعياً إلى التحقق من الأخبار من مصادرها الرسمية وعدم الانجرار وراء الشائعات، مشدداً على أن "سوريا تستحق منا الوعي والهدوء والمسؤولية".
وأكد ناشطون عبر منصات "إكس" و"فيسبوك"، من خلال وسوم أبرزها #الحسكة و#دير_الزور و#الرقة، أن هناك تهويلا لما يجرى في الحسكة، مطالبين بإصدار رواية رسمية واضحة تكشف حقيقة ما يحدث.
وحذروا من الانسياق وراء روايات مسربة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ورأى أن ما يجرى قد يكون محاولة لتكرار سيناريو السويداء، وتحويل المنطقة إلى ساحة فوضى لتغذية مظلوميات مصطنعة.
وتشير المعطيات الواردة من الحسكة إلى سيناريوهات مشابهة لما شهدته مناطق أخرى في سوريا عقب سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، حين اندلعت أعمال عنف في مناطق ذات طابع طائفي أو ديني.
حيطة وحذر
وفي سياق الدعوات إلى التهدئة، دعا مغردون إلى عدم تداول أرقام أو معلومات غير مؤكدة حول أعداد الضحايا، مطالبين الدولة بتولي السردية الإعلامية، والتحرك السريع لحماية المدنيين ومنع استغلال الأحداث سياسيا أو إعلاميا.
وحذر آخرون من محاولات جرّ الصراع بين الدولة وتنظيم "PKK" إلى حرب عرقية، ورأى أن هذا السيناريو يخدم التنظيم ويسعى لإطالة عمره عبر خلق اصطفافات إثنية.
جريمة حرب
في المقابل، تعامل حقوقيون وقانونيون مع الروايات المتداولة على أنها مؤكدة، وصنفوها كجرائم ضد الإنسانية تستوجب الملاحقة القانونية والتدخل الفوري لحماية المدنيين. مستندين إلى القوانين الدولية والاتفاقيات الخاصة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
ووجهوا اتهامات مباشرة إلى "قسد" وحزب العمال الكردستاني، مستحضرين سجلهم السابق في الانتهاكات، ومطالبين الدولة بالتحرك الحازم.
سيناريو السويداء
وذهب ناشطون إلى اتهام "قسد" بمحاولة إفشال الاتفاق المبرم عبر افتعال توترات عرقية وجرّ العشائر العربية إلى صدام داخلي، في مسعى لتكرار سيناريو السويداء، معربين عن ثقتهم بقدرة الدولة على الردع وضبط الوضع.
انعكاسات إيجابية
وأعرب كتاب ومحللون سياسيون عن تفاؤلهم بأن يكون الاتفاق بين الرئيس الشرع وقائد "قسد" فاتحة خير للسوريين، وإنهاءً لمشروع التقسيم، مؤكدين أن استعادة الدولة لمناطق إستراتيجية تمثل خطوة مفصلية على طريق توحيد البلاد وبسط السيادة.
وأشادوا بدور الجيش السوري وقوات الأمن في هزيمة المشاريع الانفصالية، مسلطين الضوء على الانعكاسات الإيجابية للتقدم الميداني على المستويين المحلي والإقليمي.
تفسيرات سياسية
وقدم محللون قراءات سياسية للاتفاق، معتبرين أن قبول "قسد" بالاندماج الكامل في الجيش السوري بعد خسارتها ثلثي مناطق نفوذها، وسقوط مطارات عسكرية وحقول نفط وسدود إستراتيجية من يدها، يمثل تحولاً إستراتيجياً أنهى فعلياً مشروع الانفصال وفرض الوقائع خارج منطق الدولة.














