"مجلس السلام" في غزة.. جولة استعمار جديدة برعاية البيت الأبيض

"مجلس السلام" الذي يترأسه ترامب في قطاع غزة
بينما أعلن البيت الأبيض أسماء أعضاء ما أطلق عليه "مجلس السلام" في غزة، وكشف عن تشكيل "مجلس غزة التنفيذي"، في إطار المساعي للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، يواصل الاحتلال الإسرائيلي شنّ غارات على مناطق متفرقة شرقيّ غزة.
وقال البيت الأبيض، في بيان رسمي صدر في 16 يناير/ كانون الثاني 2026: إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رحّب بتشكيل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة". عادّا ذلك "خطوة حيوية نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطته الشاملة لإنهاء الصراع في غزة".
وتتكون خطة ترامب من 20 بندا، وقد اعتمدها مجلس الأمن الدولي بموجب قراره رقم 2803 الصادر في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، والذي نصّ على تنفيذ المرحلة الثانية عبر ثلاثة كيانات هي: "مجلس السلام"، ولجنة تكنوقراط فلسطينية، و"قوة الاستقرار الدولية".
وأشار القرار الأممي إلى أن الإذن الممنوح لكل من "مجلس السلام" وأشكال الوجود المدني والأمني الدولي سيظل ساريا حتى 31 ديسمبر/ كانون الأول 2027، ما لم يتخذ مجلس الأمن إجراءات أخرى أو يقرّ تجديد التفويض للقوة الدولية، بالتعاون مع مصر وإسرائيل والدول الأعضاء.
وأوضح بيان البيت الأبيض أن نائب وزير التخطيط الفلسطيني الأسبق، علي شعث، سيتولى رئاسة “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” التي ستناط بها مهام إعادة تأهيل الخدمات العامة، وإعادة بناء المؤسسات المدنية، وتحقيق الاستقرار في الحياة اليومية داخل القطاع إلى جانب وضع أسس حوكمة مستدامة طويلة الأمد.
ووصف البيان شعث بأنه "قائد تكنوقراطي يحظى باحترام واسع، ويتمتع بخبرة كبيرة في الإدارة العامة والتنمية الاقتصادية والعمل الدولي، فضلا عن فهمه العميق للواقع المؤسسي في غزة".
وأكد البيت الأبيض أن هذه الخطوة تأتي انسجاما مع قرار مجلس الأمن رقم 2803 (2025)، الذي أقرّ خطة ترامب الشاملة، ورحّب بإنشاء "مجلس السلام"، المكلّف بدور محوري في تنفيذ البنود العشرين للخطة، من خلال الإشراف الإستراتيجي، وحشد الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية.
وأضاف البيان أنه، ولتحقيق رؤية "مجلس السلام" الذي يترأسه ترامب، تم تشكيل مجلس تنفيذي تأسيسي يضم شخصيات تتمتع بخبرات واسعة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والإستراتيجية الاقتصادية.
وأشار إلى أن أعضاء المجلس التنفيذي التأسيسي هم: وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس ومستشاره السابق جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إضافة إلى الملياردير مارك روان، ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، والمستشار السياسي الأميركي روبرت غابرييل.
وأوضح أن كل عضو في المجلس التنفيذي التأسيسي سيتولى الإشراف على مجال محدد لتحقيق الاستقرار والنجاح طويل الأمد في غزة، بما يشمل بناء القدرات في الحوكمة الإدارية، وتعزيز العلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وتوسيع نطاق التمويل، وحشد رأس المال.
كما أعلن ترامب تعيين أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين كبيرين لـ"مجلس السلام"، لتولي قيادة العمليات اليومية والإستراتيجية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية على أرض الواقع.
مجلس غزة التنفيذي
وفي السياق ذاته، كشف البيان عن تشكيل "مجلس غزة التنفيذي" لدعم مكتب الممثل الأعلى واللجنة الوطنية لإدارة غزة. مشيرا إلى أن المجلس سيعمل على تعزيز الحوكمة الرشيدة، وتقديم خدمات نوعية تدعم السلام والاستقرار والازدهار لسكان القطاع.
ويضم "مجلس غزة التنفيذي" أعضاء من المجلس التنفيذي التأسيسي، وهم ويتكوف وكوشنر وبلير وروان، إضافة إلى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ووزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي ريم الهاشمي، والدبلوماسي القطري علي الثوادي، ورئيس المخابرات المصرية حسن رشاد، إلى جانب الدبلوماسي البلغاري والمبعوث الأممي السابق إلى الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، ورجل الأعمال ياكير غاباي، والسياسية الهولندية سيغريد كاغ.
وسيتولى ملادينوف مهام "الممثل الأعلى" لغزة؛ حيث سيعمل كحلقة وصل ميدانية بين "مجلس السلام" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، وسيدعم إشراف المجلس على إدارة القطاع وإعادة إعماره وتنميته، إلى جانب ضمان التنسيق بين الجوانب المدنية والأمنية. بحسب البيان.
كما تضمن البيان تعيين جاسبر جيفرز قائدا لـ"قوة الاستقرار الدولية" في غزة؛ حيث سيتولى قيادة العمليات الأمنية، ودعم جهود نزع السلاح، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن.
وأشار البيت الأبيض إلى أنه سيتم الإعلان عن أعضاء إضافيين في كل من "المجلس التنفيذي التأسيسي" و"مجلس غزة التنفيذي" خلال الأسابيع المقبلة.
وفي أعقاب الإعلان الأميركي، شنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية على مناطق ضمن نطاق انتشارها شرقي مدينة غزة ووسط القطاع، فيما أظهرت صور أقمار صناعية توسيع الجيش الإسرائيلي للمناطق الخاضعة لسيطرته خارج ما يعرف بـ"الخط الأصفر".
وذكر مراسل الجزيرة أن الجيش الإسرائيلي نفذ سلسلة غارات شرق مدينة غزة، وأخرى شرق مدينة دير البلح ومخيم البريج وسط القطاع، بالتزامن مع توغل آليات عسكرية إسرائيلية شرق دير البلح، وإطلاق نار كثيف قرب السياج الفاصل.
وفي السياق ذاته، كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، استنادا إلى صور أقمار صناعية، أن الجيش الإسرائيلي دفع "الخط الأصفر" إلى عمق إضافي، موسعا بذلك مساحة المناطق التي يسيطر عليها.
بالتوازي، ندد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بالتشكيل المعلن لما يسمى "مجلس السلام" لقطاع غزة، ويرون أن غالبية أعضائه شخصيات أميركية، إلى جانب توني بلير، الذي وصفوه بـ"سيئ السمعة". وعدّوا ذلك بمثابة إعلان انتداب أميركي لغزة بموافقة غربية.
وأكد الناشطون، عبر منشوراتهم على منصات "إكس" و"فيسبوك"، وتحت وسوم أبرزها #مجلس_السلام و#البيت_الأبيض و#ترامب و#غزة، أن إدراج أسماء عربية في المجلس التنفيذي ليس سوى تمويه لتمرير المخطط الأميركي.
وخلصوا إلى أن المجلس المعلن لإدارة غزة، والأسماء التي تم الكشف عنها، يمثلون شكلا من أشكال الوصاية والاحتلال والاستعمار، برضا عربي وإسلامي، ويستهدفون تصفية القضية الفلسطينية، وتحويل غزة إلى نموذج يخدم رؤية الاحتلال.
مخطط "قذر"
وفي سياق الرفض الشعبي والسياسي لتشكيل ما يسمى "مجلس السلام" لإدارة قطاع غزة، عبّرت شخصيات سياسية وأكاديمية وناشطون عن استيائهم الشديد من الخطوة، عادين إياها مخططا أميركيا لفرض وصاية مباشرة على القطاع، وتكريسا لفصل غزة عن محيطها الوطني الفلسطيني.
وقالت الناشطة مايا رحال: إن "مجلس السلام" الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويضم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ليس سوى "مخطط قذر لتصفية القضية الفلسطينية"، يهدف إلى عزل غزة عن الضفة الغربية والقدس. مؤكدة أن أي مسار سياسي يفترض إنهاء الانقسام الفلسطيني وتوحيد الفصائل على برنامج وطني جامع.
بدوره، عرض الناشط تامر قديح تفاصيل التشكيل الذي أعلنه البيت الأبيض، مستنكرا تعدد الهيئات واللجان المخصصة لإدارة قطاع صغير كغزة، ورأى أن السيطرة الأميركية عبر "مندوب سامٍ" تعيد إلى الأذهان نماذج الاستعمار التقليدي.
وسخر الباحث السياسي أحمد طناني من التسمية، قائلا: إن ترامب شكّل "نادي أصدقاء إسرائيل" وأطلق عليه وصف "مجلس السلام". محذرا من أن تشكيلة المجلس تفرض على القوى الفلسطينية رفع مستوى الحذر في التعامل مع الأخطار الإستراتيجية التي تحملها خطة ترامب ذات البنود العشرين.
وأكد طناني أن المطلوب فلسطينيا مرونة عالية دون التفريط بالثوابت، وعلى رأسها الأرض والشعب، بالتوازي مع تفكيك المخاطر الإستراتيجية. خصوصا محاولات تدويل غزة أو إخراجها من النظام السياسي الفلسطيني، أو فتح الباب أمام التهجير. مشددا على ضرورة الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار وتحويله إلى وقف دائم للعدوان.
وفي سياق ساخر، قال الأكاديمي عبدالله قنديل: إن غزة "استفاقت فجأة على مجالس وهيئات يتصدرها لوردات العالم". في إشارة إلى فرض قيادة خارجية على القطاع دون إرادة أهله.
وصاية وانتداب
وأكد الكاتب وائل قنديل أن تركيبة المجلس تمثل "إعلانا صريحا للوصاية الأميركية على غزة". مشيرا إلى أن المجلس يضم ترامب ومساعديه وصهره وتوني بلير، وهو ما يعيد التذكير بتصريحات ترامب السابقة حول رغبته في تحويل غزة إلى "ريفييرا".
ورأى الباحث في الشأن السياسي والإستراتيجي سعيد زياد أن المجلس يمثل "انتدابا أميركيا جديدا" بوجه استعماري معاصر، فيما قال الناشط السياسي فايز أبو شمالة: إن غزة أصبحت، بعد ما وصفه بالموافقة العربية، "في قبضة المندوب السامي الأميركي".
واستنكر الناشط السياسي فايز أبو شمالة، إعلان أميركا تشكيل ما تسميه مجلس السلام الذي سيشرف على حياة الناس في غزة بموافقة عربية. قائلا: إن بعد موافقة الأنظمة العربية، صارت غزة الصمود والبطولة في قبضة المندوب السامي الأميركي.. مندوب سامي أميركي لغزة!".
وخلص المحلل السياسي ياسر الزعاترة إلى أن ما يجري "استعمار سافر لقطاع غزة"، يندرج ضمن مسار تصفية القضية الفلسطينية، وفرض ما يسمى "السلام الاقتصادي". متسائلا عن مستقبل القطاع بين مشاريع الريفييرا، أو التقسيم، أو التهجير. مؤكدا أن مرجعية هذا المسار هي حكومة نتنياهو.
وأشار الزعاترة إلى أن حركة حماس اضطرت للتعامل مع وعود الضامنين في ظل حرب عالمية وخذلان واسع، لكنها لن تتخلى عن برنامج المقاومة الذي أحبط مشاريع تصفية سابقة. مؤكدا ثقته في إفشال المشروع الجديد.
من جهتها، رأت الصحفية منى حوا أن تعيين جنرال أميركي لقيادة "قوة الاستقرار" ووضع نيكولاي ملادينوف كممثل سامٍ، يعني عمليا وضع غزة تحت وصاية أمنية دولية، لا سيادة فيها لا للفلسطينيين ولا حتى لإسرائيل، بل لمقاول أمني دولي.
وأضافت أن حصر دور "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" في الخدمات فقط، يفرغ القيادة الفلسطينية من مضمونها السياسي، ويحولها إلى هيئة بلدية تتلقى التعليمات من مجلس أعلى دولي.
ورأت أن وجود توني بلير يعكس الحاجة إلى "سمسار سياسي" قادر على تسويق مشاريع اقتصادية مشبوهة، فيما يشير حضور كوشنر ومستثمرين كبار إلى محاولة تطبيق نموذج "اتفاقيات أبراهام" على غزة، وتحويلها من قضية تحرر وطني إلى منطقة اقتصادية حرة.
إنتاج الفشل
وقال المحلل السياسي ياسين عز الدين: إن تركيبة المجلس سيئة ومتوقعة. مشيرا إلى أن الفصائل الفلسطينية قبلت بلجنة الإدارة اضطرارا لتجنب عودة المجازر، لكنها لن تقبل بتمرير مخطط نزع السلاح.
بدوره، أكد الكاتب إبراهيم المدهون أن المجلس يعاني من انحياز بنيوي واضح لصالح إسرائيل، ويفتقر لأي تمثيل فلسطيني حقيقي، ما ينزع عنه صفة الحياد، ويجعله إطار وصاية محكوما بالفشل.
وأشار السياسي أسامة الأشقر إلى أن الهدف الأساسي للمجلس هو نزع سلاح المقاومة. وإنشاء جهاز أمني تابع لقوة دولية، محذرا من أن لجنة التكنوقراط ستجد نفسها في مواجهة ضغوط اجتماعية هائلة، دون غطاء سياسي أو سيادي.
ووصف الأشقر المشروع بأنه "سلام بلا محتوى، وإعمار بلا ضمانات، ونزع سلاح بلا تسويات". مؤكدا أن غياب أي حديث عن رفع الحصار أو وقف الاغتيالات يعني بقاء القطاع في حالة اشتعال دائم.
واستنكر المغرد سامح، نشر البيت الأبيض بيانا ذكر أن مجلس السلام المزعوم، سيضم أعضاء مثل روبيو، ويتكوف، كوشنر، وذكر أسماء أخرى، منهم جزار العراق توني بلير، قائلا: إن هذا ليس مجلس سلام، هذا مجلس تقسيم تركة غزة بين أميركا والكيان بعد نزع سلاح المقاومة وطرد سكان القطاع".
وفي ختام المواقف، قال رئيس المرصد الأورومتوسطي رامي عبده: إن الشعب الفلسطيني "لا يقبل الوصاية". مؤكدا أن هذا المشهد القاتم لن يكون نهاية المطاف، وأن غزة ستبقى عصية على محاولات الإخضاع مهما بلغ حجم الضغوط.















