من التفاوض إلى فرض الوقائع.. ماذا بعد إخراج "قسد" من حلب؟

"ما حدث بحلب مرتبط بالموقف الإقليمي والدولي الداعم لاستعادة وحدة سوريا"
قدّمت الدولة السورية نموذجًا غير متوقَّع في التعامل مع ملف تفكيك قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي ما تزال تماطل في مسار الاندماج عبر التمسك ببعض أوراق الضغط على دمشق.
وقد أعاد التطور الميداني العسكري في مدينة حلب خلط الأوراق التي كانت تستند إليها مليشيا قسد كلاعب في المداولات السياسية مع الحكومة السورية لتحديد مصير مناطق شمال شرقي البلاد.

طرد "قسد"
أحكمت وزارة الدفاع السورية، في 11 يناير/كانون الثاني 2026، سيطرتها على كامل مدينة حلب بعد استعادة آخر الأحياء التي كانت تسيطر عليها مليشيا قسد، وسمحت بخروج عناصرها إلى شمال شرقي سوريا، في خطوة أعقبت أيامًا من معارك عنيفة بين الطرفين.
وبدأ السكان بالعودة إلى أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، بعدما كانت محافظة حلب قد طلبت منهم مغادرتها حفاظًا على سلامتهم إثر اندلاع الاشتباكات، ويُقدَّر عددهم وفق السلطات بنحو 155 ألف شخص.
وسمحت وزارة الدفاع لنحو 400 عنصر من مليشيا قسد بالخروج إلى محافظة الحسكة، حيث النفوذ الأكبر للتنظيم، فيما جرى اعتقال أكثر من 300 عنصر آخر، وفق وزارة الداخلية السورية.
وأدّت الاشتباكات إلى مقتل 24 شخصًا وإصابة 129 آخرين بجروح، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مدير صحة حلب.
وقبيل إعلان انسحاب قادة وعناصر وعائلات ميليشيا قسد من حي الشيخ مقصود، دعا الموفد الأميركي إلى سوريا، توم باراك، عقب لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، الطرفين إلى «استئناف الحوار» و«ضبط النفس».
من جانبه، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، في 10 يناير/كانون الثاني 2026، أن إخراج عناصره جرى «بوساطة أطراف دولية» بعد التوصل إلى «تفاهم أفضى إلى وقف إطلاق النار» وتأمين خروجهم من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال وشرق سوريا.
وانسحب عناصر قسد الذين كانوا يتحصنون في آخر معاقلهم داخل مستشفى بحي الشيخ مقصود فجر 11 يناير/كانون الثاني 2026 بموجب اتفاق إجلاء، تاركين أسلحتهم، بحسب ما ذكرت قناة الإخبارية السورية.
وما تزال مليشيا قسد تسيطر على مساحات واسعة من ثلاث محافظات هي دير الزور والحسكة والرقة، تضم نحو 90 بالمئة من حقول النفط والغاز في البلاد، في وقت تعمل فيه الحكومة السورية على استعادة السيطرة على كامل هذه المناطق.
وكان حيا الشيخ مقصود والأشرفية، ذوا الغالبية الكردية، خاضعين منذ عام 2012 لنفوذ ما يُعرف بوحدات حماية الشعب والمرأة، وبإدارة أمنية من «الأسايش» الكردية، قبل أن يُلحَقا بقوات قسد عقب تشكيلها عام 2015 بدعم أميركي.
ولفت مراقبون إلى أن هذه القوة الكردية ساندت نظام بشار الأسد المخلوع عام 2016 في حصار مدينة حلب، عبر قطع الإمدادات عن فصائل المعارضة المحاصرة آنذاك في شرقي المدينة.
ومع مماطلة قوات سوريا الديمقراطية في تنفيذ اتفاق الاندماج مع الدولة السورية، الموقَّع بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع في دمشق بتاريخ 10 مارس/آذار 2025، بدا واضحًا أن قسد كانت تبحث عن ظروف جديدة لتحسين شروطها التفاوضية عقب سقوط الأسد.
إذ مثّل احتفاظ قسد بنفوذ داخل مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا، خيارًا استراتيجيًا لإبقاء ورقة ضغط في مواجهة الحكومة السورية، فضلًا عن سعيها لتعزيز حضورها في أي تسوية مقبلة بتقدير أن غالبية سكان الشيخ مقصود والأشرفية من المكوّن الكردي، ومحاولة تقديم نفسها ممثلًا وحيدًا لحقوقه.

"نموذج حلب"
في المقابل، بدا جليًا أن الحكومة السورية باتت أكثر استعجالًا في ترسيخ وحدة البلاد واستعادة الثروات الطبيعية التي تسيطر عليها قسد ضمن موارد الدولة، لا سيما بعد إلغاء الولايات المتحدة «قانون قيصر» للعقوبات المفروض على سوريا منذ عام 2020، والذي كان يعرقل الاستثمارات الأجنبية.
وجاءت العملية العسكرية المحدودة للجيش السوري في حلب لإنهاء ملف نفوذ مليشيا قسد هناك، بعد إعلان مصدر حكومي في 4 يناير/كانون الثاني 2026 أن الاجتماعات التي عُقدت مع قسد في دمشق، بحضور مظلوم عبدي، لم تُسفر عن نتائج ملموسة تُسرّع تنفيذ «اتفاق 10 مارس»، الذي كان يفترض إنجازه بنهاية 2025.
وأضاف المصدر، في تصريحات لقناة الإخبارية السورية، أنه تم الاتفاق على عقد اجتماعات لاحقة دون تحديد جدول زمني لها.
من جهتها، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية في بيان آنذاك انتهاء اللقاء الذي جمع قياداتها بمسؤولي الحكومة السورية في دمشق، بمشاركة العميد كيفن لامبرت، قائد «قوات العزم الصلب» التابعة للتحالف الدولي بقيادة واشنطن.
وفي ظل ذلك، وبينما كانت قسد تراهن على عامل الوقت لتحسين شروطها التفاوضية، جاءت تطورات حلب لتعيد رسم المشهد وفرض معادلات جديدة على طاولة السياسة.
إذ لم يكن بسط الدولة السورية سيطرتها على آخر جيوب قسد داخل حلب حدثًا أمنيًا عابرًا، بل حمل دلالات أعمق تعكس انتقال دمشق من سياسة الانتظار والضغط المحدود إلى فرض الوقائع الميدانية.
وفي هذا السياق، يرى رئيس مركز رصد السوري للدراسات الإستراتيجية، العميد عبد الله الأسعد، أن عملية الجيش السوري في حلب جاءت نتيجة تراكم مؤشرات تؤكد أن «تنظيم قسد لا يمكنه الاندماج في الجيش العربي السوري، لأنه لا يملك فكرة العيش ضمن دولة، وفكره قائم على الانفصال، وما يزال يناور ولم يتخلَّ عن مشروعه».
وأضاف الأسعد، في حديثه لـ«الاستقلال»، أن «التطورات الأخيرة في حلب كشفت حجم الخلافات الداخلية العميقة داخل تنظيم قسد، لا سيما رفض بعض عناصره الانسحاب إلى شمال شرقي سوريا دون قتال».
ورأى أن «القراءة العسكرية التحليلية تشير إلى أن قسد غير قادرة على الانخراط في مسار تفاوض سياسي جاد بسبب وجود عناصر من حزب العمال الكردستاني التركي، وهم أصحاب القرار الفعلي في هذا الملف».
واستدرك قائلًا: إن «نموذج حلب ستكون له انعكاسات عسكرية وسياسية مباشرة على طاولة المفاوضات المقبلة بشأن مصير المناطق التي تسيطر عليها قسد شرق وغرب نهر الفرات».

شروط وضمانات
تشير المعطيات إلى أن ما جرى في حلب يتقاطع مع تعاطٍ إقليمي ودولي يميل بصورة متزايدة إلى دعم مسار استعادة وحدة الدولة السورية وسيادتها على كامل أراضيها.
وبناءً عليه، باتت قسد أمام خيارات محدودة: إما الانخراط الجدي في تنفيذ اتفاق الاندماج ضمن سقف الدولة السورية، أو مواجهة سيناريوهات تصعيدية قد تعيد رسم خريطة النفوذ بالقوة.
في المقابل، تسعى دمشق إلى استثمار اللحظة الإقليمية والدولية لفرض مسار نهائي ينهي حالة ازدواجية السلطة والسلاح.
وفي هذا الإطار، قال الباحث في مركز «جسور» للدراسات، وائل علوان، لـ«الاستقلال»، إن «اتفاق مارس/آذار 2025 لن يسقط، ليس بسبب تطورات حلب وحدها، ولا بسبب عدم امتثال قسد لبنوده، بل لأنه ينسجم مع إرادة إقليمية ودولية تسعى إلى حل يضمن الاستقرار في سوريا».
وأضاف أن «ما جرى في حلب يؤثر شكليًا على موقف قسد، لكن المعطيات العملية تشير إلى أن جميع نقاط قسد غرب نهر الفرات محكومة بالحل العسكري، وفق اتفاق خارطة طريق منبج الموقَّع بين الولايات المتحدة وتركيا منتصف عام 2018».
وأشار علوان إلى أن قسد ما تزال تسيطر على نقاط إستراتيجية في ريف حلب الشرقي، أبرزها سد تشرين قرب منبج، الذي يضم ست مجموعات توليد كهربائية تغذي مدن وبلدات واسعة في المنطقة.
وأوضح أن «خارطة طريق منبج تتيح للحكومة السورية، وبالتنسيق مع تركيا عند الحاجة، إنهاء نفوذ قسد غرب الفرات دون تدخل أميركي، استنادًا إلى التفاهمات القائمة بين واشنطن وأنقرة».
واستدرك بأن الحكومة السورية لم تطلب دعمًا تركيًا في حلب، إذ لم تكن مضطرة لذلك، ومنحت فرصة للضغط العسكري المحدود كي يؤدي دوره دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة، إلا أن الاستفزازات المتكررة من قسد دفعت دمشق إلى المضي قدمًا في العمل العسكري.
ولفت علوان إلى أن مناطق شرق الفرات ما تزال محكومة بالمسار السياسي، معتبرًا أن ما جرى في حلب قد يُسهم، على عكس التوقعات، في تسريع تنفيذ اتفاق الاندماج لتفادي تصعيد أوسع.
ورجّح أن يكون هذا التوجه مدعومًا أميركيًا، مع توقع ممارسة ضغوط إضافية لتنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025 ودمج قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وختم علوان بالقول إن تنفيذ الاتفاق لن يكون سهلًا في ظل معوقات ميدانية عديدة، إلا أن الحكومة السورية ستربط أي تمديد للمهل بضمانات واضحة تضمن التطبيق الفعلي، لا كسب الوقت ومنح قسد فرصًا إضافية للمماطلة.
















