السعودية ضد الإمارات وأميركا مع الاثنين.. من يحسم حرب السودان؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بحلول صيف 2025، وبعد عامين من القتال المحتدم، بدا أن الولايات المتحدة قد وضعت يدها أخيرا على نهج عملي لإنهاء الحرب في السودان؛ تلك الحرب التي مزقت البلاد منذ اندلاعها في أبريل/نيسان 2023.

وتسببت الحرب في انهيار الدولة السودانية، مخلّفة وراءها أكبر أزمة إنسانية في العالم. وقد تنقلت خطوط المواجهة في أنحاء البلاد، مخلفة دمارا هائلا في العاصمة الخرطوم والعديد من المدن السودانية الكبرى التي طالها الخراب.

واليوم، تفرض القوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال "عبد الفتاح البرهان" سيطرتها على الخرطوم والمناطق الواقعة شرق نهر النيل. وفي المقابل، يخضع الشطر الغربي من البلاد لسيطرة غريمها اللدود، قوات الدعم السريع بقيادة "محمد حمدان دقلو" (حميدتي).

وفي يونيو/حزيران 2025، عقدت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، اجتماعا للرباعية الدولية -التي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة- لبحث مسار لإنهاء الحرب. وتتجاوز هذه الدول دور الوساطة؛ إذ قدمت مصر والسعودية دعما للجيش، بينما ساندت الإمارات قوات الدعم السريع.

ونظرا للدور المحوري الذي لعبته هذه القوى الإقليمية في الحرب، كان الأمل معقودا على أن يُسفر الحوار بينها عن وقف دائم لإطلاق النار، وذلك بحسب أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي، والأستاذ الباحث في كلية فليتشر بجامعة تافتس.

ليست حربا أهلية

وقال "دي وال"، في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، إن "التنافس في الشرق الأوسط حوّل هذه الحرب المحلية إلى أزمة إقليمية"، مؤكدا أن "الحرب تجاوزت حدود السودان".

وأضاف: "لا يملك المحللون والدبلوماسيون إلا التكهن بأسباب دعم الإمارات لقوة دموية مثل الدعم السريع. 

ويرجح معظمهم أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد تربطه بحميدتي علاقة حماية ورعاية، ترسخت قبل عشر سنوات عندما أُرسلت قوات الدعم السريع إلى اليمن لمحاربة الحوثيين".

غير أن الحرب في اليمن طال أمدها دون تحقيق النصر الموعود، ما أدى إلى تصدّع التحالف السعودي–الإماراتي الذي يقوده.

فقد أصبحت السعودية أكثر ميلا إلى عقد هدنة مع الحوثيين، بينما أبدت الإمارات اهتماما أكبر بالسيطرة على الموانئ والمنشآت البحرية الحيوية في اليمن، ودعمت في هذا السياق المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي.

وقبل شهر واحد فقط، شن المجلس الانتقالي الجنوبي هجوما على شركائه في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، مهددا بجولة جديدة من الحرب، ومعمّقا في الوقت نفسه الشرخ بين أبو ظبي والرياض.

وتابع "دي وال": "يتبنى الإماراتيون نهجا مختلفا عن السعودية تجاه جماعة الإخوان المسلمين في السودان، مع العلم أن الجماعة داعمة للجيش السوداني".

"فبينما تسير السعودية على خطى مصر في ثقتها بقدرة البرهان على إبقاء الإسلاميين تحت السيطرة، لا تُبدي الإمارات أي تسامح مع اقترابهم من دوائر السلطة".

"وتربط الإمارات أيضا علاقات تجارية مع قوات الدعم السريع -إذ تُصدّر شركة عائلة حميدتي الذهب السوداني إلى دبي- إلا أن المصالح التجارية وحدها لا تُفسّر انحياز الإمارات"، وفق "دي وال".

حيث يرى أن "العامل الحاسم في البعد الإقليمي للحرب السودانية يتمثل في التنافس الحاد بين الإمارات والسعودية، وبين ابن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حول من سيكون صاحب النفوذ الأبرز على امتداد شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر".

"وكما هو الحال في اليمن، بات هذا التنافس يتجلى اليوم في ليبيا والسودان وسوريا والقرن الإفريقي، حيث تجد "المملكتان الشقيقتان" نفسيهما على طرفي نقيض في سلسلة من الصراعات الإقليمية".

تهديد متزايد

وشدد الباحث على أنه "مع ازدياد تمسك الداعمين الإقليميين للسودان بمواقفهم، تُشكّل الحرب تهديدا متزايدا لمنطقة القرن الإفريقي بأكملها".

وأوضح "دي وال" أن "الحرب في السودان تجسد حقيقة مرة، مفادها أنه لم تعد هناك حروب محلية خالصة في القرن الإفريقي".

"فقد تنطلق شرارة القتال من تنافس محلي، وقد يتغذى الصراع على مظالم وعداوات داخلية متراكمة، لكن الحروب الأهلية لم تعد محصورة داخل حدود الدول، ولم يعد بالإمكان التوصل إلى تسويات تقتصر على الفاعلين الوطنيين وحدهم".

"فالحروب السابقة في السودان من الحربين بين الشمال والجنوب، إلى النزاع السابق في دارفور، وإن تجاوزت في بعض مراحلها الحدود واستقطبت دولا مجاورة، فإن مسار الحل ظل في جوهره مسارا داخليا".

أما اليوم، فلم يعد الأمر كذلك إذ بات السلام في السودان رهنا بتسوية أوسع، تُصاغ في إطار إقليمي، وربما حتى ضمن مقاربة دولية أشمل.

وقال "دي وال": "يُحسب لترامب ووزير خارجيته، ماركو روبيو، أنهما لم يستسلما، فهما يضغطان من أجل وقف إطلاق النار. لكن الأمر يبدو صعب المنال".

وأضاف: "وسيكون هذا اختبارا لمدى استعداد البيت الأبيض للانخراط في وساطة لا تحقق مكاسب فورية، ولقدرة كل من مصر والسعودية على ضمان امتثال البرهان، وكذلك لمدى استعداد الإمارات لإبداء قدر من ضبط النفس".

وأردف: "حتى إذا جرى التوصل إلى اتفاق، فلن يكون أكثر من مصافحة عابرة ما لم يستند إلى مهارات الدبلوماسية التقليدية القائمة على الصبر والتنسيق مع المنظمات متعددة الأطراف".

خارج المشهد

وتابع الباحث: "أصبحت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، اللذان كانا في السابق قادرين على التأثير في مسار الدبلوماسية الدولية تجاه السودان، شبه خارجين عن المشهد".

واستدرك بأنه "مع ذلك، يبرز درس أساسي مفاده أن أي اتفاق يجري التوصل إليه سيحتاج حتما إلى قوات حفظ سلام، لمراقبة وقف إطلاق النار وحماية المدنيين".

"وعلى مدى عشرين عاما، اضطلعت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي بهذا الدور الحيوي، قبل أن يجري إغلاق البعثة المشتركة في دارفور قبل ست سنوات".

ولذلك أكد "دي وال" على أن "إعادة تشكيل مثل هذه القوة ونشرها ستكون مهمة صعبة ومكلفة، لكنها تظل أقل كلفة من ترك نيران الحرب مشتعلة إلى أجل غير مسمى. وهنا تحديدا يمكن للمؤسسات متعددة الأطراف، وللقارة الإفريقية عموما، أن تستعيد قدرا من فعاليتها ودورها".

وقال: "مع وجود قوات حفظ سلام إفريقية على الأرض، يمكن انتزاع مسار السلام من أيدي الحكام العرب المستبدين، وقد يحظى السودانيون أخيرا بفرصة حقيقية لإقامة حكم مدني وبناء نظام ديمقراطي".

"وبالنسبة لبلد عرف نصيبه الوفير من الحروب، فإن مقومات تحقيق السلام في السودان باتت معروفة جيدا، إذ تراكمت خبرة تمتد لنحو خمسة وعشرين عاما حول ما ينجح وما يفشل".

غير أن التحدي الأصعب -وفق المقال- يظل في دفع اللاعبين الدوليين الذين يغذون الصراع اليوم إلى توظيف هذه المعرفة.

وختم بالقول: "مع تحول السودان إلى نموذج لحرب دولية من نمط جديد، فإنه سيغدو أيضا اختبارا حاسما لإمكانية صناعة السلام في مثل هذه الظروف القاتمة".