بعد تحجيم "الانتقالي" جنوبي اليمن.. هل جاء الدور على طارق صالح؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تشير التحولات الأخيرة في المشهد اليمني إلى دخول البلاد مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز إعادة تموضع سعودي منفرد في إدارة الملف اليمني، بعد انحسار الدور الإماراتي الذي طبع مسار التحالف العربي طوال عقد من الزمن.

ويعكس هذا التحول توجهاً سعودياً لإعادة هندسة البنية السياسية والعسكرية في اليمن وفق مقاربة مختلفة، تقوم على تقليص أدوار الحلفاء السابقين وإعادة مركزية القرار في الرياض.

في هذا السياق، جاء تحجيم المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه خطوة مفصلية، فتحت باب التساؤلات حول مصير بقية التشكيلات المرتبطة بالمشروع الإماراتي، وعلى رأسها مجلس المقاومة الوطنية الذي يقوده طارق محمد عبد الله صالح في الساحل الغربي اليمني.

الشريط الساحلي الغربي

منذ تأسيس "المكتب السياسي للمقاومة الوطنية" في مارس 2021، برز طارق صالح كفاعل يسعى إلى الجمع بين الشرعية السياسية والقدرة العسكرية المستقلة. ثم تعزز حضوره بتعيينه عضوا في مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022 بدعم إماراتي واضح.

ويقود صالح قوات "المقاومة الوطنية/حرّاس الجمهورية"، المتمركزة في الشريط الساحلي الغربي، وتمتد أنشطتها إلى مناطق إستراتيجية في البحر الأحمر، تشمل باب المندب وجزيرتي ميون وزقر.

وتشير تقارير وتحقيقات صحفية دولية إلى أن هذه القوات شكّلت جزءاً من شبكة نفوذ إماراتية أوسع في البحر الأحمر، هدفت إلى تأمين ممرات الملاحة عبر قواعد وموانئ تمتد من الجزر اليمنية إلى القرن الإفريقي، مع حضور تقني واستخباراتي إسرائيلي، شمل منظومات رصد وإنذار مبكر.

وقد أُنيط تنفيذ هذا المشروع بوكلاء محليين، من بينهم المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات طارق صالح، بما خفف الكلفة السياسية المباشرة على أبوظبي وحلفائها.

وعلى الصعيد العسكري، تحدثت تقارير عن لقاءات غير معلنة جمعت طارق صالح بضباط أميركيين وإسرائيليين في جيبوتي، بوساطة إماراتية، جرى خلالها بحث ترتيبات أمنية في البحر الأحمر، ودور محتمل لقواته في تأمين الملاحة، إضافة إلى تسريبات حول مساعٍ لإنشاء مرافق رصد إسرائيلية في جزيرة ميون على باب المندب.

سياسياً، عملت الإمارات على تسويق مقاربة بديلة داخل الدوائر الغربية، خاصة في واشنطن، تقوم على توصيف الدولة اليمنية الموحدة ككيان غير قابل للإصلاح، مقابل الترويج للتعامل مع فاعلين محليين وترتيبات أمر واقع بصفتها أقل كلفة وأكثر واقعية.

وقد أسهم هذا التوجه في تحويل النقاش الدولي من استعادة الدولة اليمنية إلى إدارة التفكك وتعدد مراكز النفوذ، دون إعلان صريح لمشاريع انفصالية تتحمل كلفة قانونية مباشرة.

حساسية عالية

تاريخياً، أظهرت السياسة السعودية تجاه اليمن حساسية عالية تجاه مسألة الولاء السياسي والاستقلالية العسكرية للقوى المحلية. فالتجربة مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وما آلت إليه من تحالفه مع الحوثيين وإيران، شكّلت مرجعية سلبية حاضرة بقوة في الوعي الإستراتيجي السعودي.

وعلى مدى ثلاثة وثلاثين عاماً (1978–2011)، كانت المملكة العربية السعودية الداعم السياسي والمالي الأبرز لنظام الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح.

وتشير مذكرات الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر إلى أن الرياض لعبت دوراً حاسماً في إيصال صالح إلى السلطة عقب اغتيال الرئيس أحمد الغشمي عام 1978، عبر ضغوط سياسية ودعم مالي واسع لإقناع مشايخ اليمن.

واستمر هذا الدعم لاحقاً من خلال مخصصات شهرية قدمتها "اللجنة الخاصة" السعودية لصالح وغيره من النخب السياسية والقبلية اليمنية، غير أن العلاقة تعرضت لاهتزاز كبير إثر موقف صالح الداعم للعراق خلال غزو الكويت، قبل أن تُرمم نسبياً بتوقيع اتفاقية مكة لترسيم الحدود عام 2000.

ومع اندلاع انتفاضة 2011، بادرت السعودية إلى إنقاذ صالح سياسياً عبر المبادرة الخليجية التي ضمنت له الحصانة وخروجاً آمناً من السلطة، إلا أن صالح لم يغادر المشهد فعلياً، بل وظّف نفوذ "الدولة العميقة" لعقد تحالفات مضادة، بتحالفه مع جماعة الحوثي وإيران، ما حوّل اليمن إلى ساحة تهديد مباشر للأمن السعودي.

مثّل هذا التحول قطيعة نهائية مع الرياض التي فقدت ثقتها بصالح، وظهر ذلك في مواقف لاحقة، أبرزها رفض استقباله للمشاركة في تشييع الملك عبد الله بن عبد العزيز عام 2015، ورفضها العرض الذي قدمه نجله أحمد قبيل انطلاق عملية "عاصفة الحزم"، والذي تضمّن الانقلاب على الحوثيين وطردهم مقابل رفع العقوبات الدولية عن صالح ودعم عودته إلى الحكم.

وأسفر هذا الافتراق عن ترك صالح لمصيره، لينتهي مقتولا على يد الحوثيين في ديسمبر 2017.

في السياق نفسه، يُنظر إلى طارق صالح بوصفه قد أعاد إنتاج المسار ذاته، من خلال انحيازه الواضح للمشروع الإماراتي على حساب التوجهات السعودية.

فقد اصطف منذ بدايات تحركات المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة إلى جانبه، وقلّل من خطورة تلك التحركات بوصفها إعادة ترتيب لمسرح العمليات.

كما شارك إلى جانب قيادات محسوبة على أبوظبي داخل مجلس القيادة الرئاسي، في توقيع بيان رفض قرارات رئيس المجلس واعتبرها أحادية.

وعلى المستوى المؤسسي، واصل طارق صالح رفض دمج قواته في وزارتي الدفاع والداخلية، واحتفظ بجهاز استخباراتي مستقل يقوده شقيقه عمار، في تعارض مع مساعي توحيد البنية الأمنية للدولة.

وبالنظر إلى التجربة السابقة مع علي عبد الله صالح، فإن هذا الاصطفاف لا يُنظر إليه في الذاكرة السعودية بوصفه تفصيلاً عابراً، بل كعامل مؤثر في تقييم مستقبل طارق صالح ودوره السياسي والعسكري الذي صار على المحك.

تغيرات مرتقبة

تعمل السعودية على تهيئة شاملة للمسرح السياسي والعسكري في اليمن، في إطار تحضيرات إستراتيجية لتغيرات مرتقبة يُرجّح أن تُعيد رسم الخارطة السياسية والعسكرية، وتُعيد توزيع أدوار الفاعلين المحليين وفق رؤية سعودية جديدة لإدارة الصراع وتسويته. ويجري هذا التحول عبر مسارين متوازيين ومتكاملين، سياسي وعسكري.

على المستوى السياسي، جاء الإعلان عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه خطوة تأسيسية لمسار جديد لمعالجة القضية الجنوبية تحت رعاية سعودية مباشرة، وفي هذا السياق، أكد الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، أن القضية الجنوبية دخلت مرحلة مسار سياسي فعلي ترعاه المملكة، ويحظى بدعم المجتمع الدولي.

أما على الصعيد العسكري، فقد أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عن تشكيل لجنة عسكرية عليا تعمل تحت قيادة قوات تحالف دعم الشرعية، تتولى مهام إعداد وتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات العسكرية.

ويهدف هذا الإجراء إلى توحيد القرار العسكري، ورفع مستوى الجاهزية القتالية لمؤسسات الدولة، تمهيداً لاستعادة سلطتها ومؤسساتها.

وحسب تقديرات مراقبين، يندرج هذا القرار ضمن مسعى سعودي أوسع لتوحيد ودمج جميع التشكيلات المسلحة، بما فيها قوات طارق صالح المرتبطة سابقاً بالدور الإماراتي، ويُفهم هذا التوجه أيضاً في إطار الاستعداد لسيناريو المواجهة مع جماعة الحوثي في حال رفضها المسار التفاوضي.

وفي رسالة ذات دلالات إستراتيجية غير مباشرة إلى قوات طارق صالح، حذّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي من أن استمرار الفوضى الأمنية، وتعدد مراكز القوة، وشرعنة السلاح خارج إطار الدولة، يمثل البيئة المثالية لتنامي الجماعات المتطرفة، ويُنتج مساحات رمادية تتقاطع فيها المليشيات بمختلف أشكالها مع أهداف التنظيمات الإرهابية. 

في ضوء ذلك، يواجه طارق صالح معادلة سياسية وعسكرية واضحة، قوامها خياران لا ثالث لهما. الخيار الأول: ويتمثل في القبول بإعادة هيكلة قواته ودمجها تدريجياً ضمن التشكيلات العسكرية الرسمية الخاضعة لوزارة الدفاع، بما يؤدي إلى تفكيك استقلاله العسكري والأمني مقابل استيعابه سياسياً ضمن منظومة الدولة.

ويعزز هذا المسار ما شهده الساحل الغربي لمحافظة تعز من تطور ميداني لافت، تمثل في انتقال الإشراف على قوات طارق صالح في مدينة المخا من الإدارة الإماراتية إلى الإشراف السعودي المباشر، في خطوة تحمل دلالات إستراتيجية في سياق إعادة توجيه الأدوار العسكرية نحو مهام استعادة الدولة اليمنية لا إدارة التفكك.

أما الخيار الثاني، فيقوم على مسار التحجيم والتفكيك التدريجي لنفوذ طارق صالح العسكري والسياسي في حال رفضه الاندماج الكامل ضمن المنظومة العسكرية الرسمية.

ووفق هذا المسار، قد تُبقي المملكة مؤقتاً على بعض قواته بحكم حساسية مواقع انتشارها كخط تماس مباشر مع جماعة الحوثي، ولحسابات توازن مرحلية مع حزب الاصلاح، قبل الشروع في تفكيك هذه القوات وإعادة توزيعها ودمجها ضمن وحدات عسكرية خاضعة لوزارة الدفاع، بما يتوافق مع متطلبات توحيد القرار العسكري وترتيبات المرحلة المقبلة.