القروض والسلاح والتكنولوجيا.. ثلاثية النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا

تخترق إسرائيل إفريقيا عبر تزويدها بمنظومات تكنولوجية وزراعية متطورة
أثار تحقيق نشرته صحيفة الغارديان البريطانية في فبراير/شباط 2026 عاصفة من الجدل في كينيا، بعدما كشف أن السلطات استخدمت أدوات اختراق تابعة لشركة سيلبريت الإسرائيلية لفك تشفير هاتف الناشط والمرشح الرئاسي المحتمل بونيفاس موانغي أثناء احتجازه عام 2025.
واعتمد التحقيق على تحليل تقني أجرته مجموعة سيتزن لاب الكندية، أظهر وجود حزمة تطبيقات مرتبطة بشركة سيلبريت داخل الهاتف، ما يرجّح أن الشرطة تمكنت من استخراج محتوياته كاملة، بما في ذلك الرسائل والصور وكلمات المرور والبيانات الحساسة الأخرى.
ويأتي هذا التطور في سياق تصاعد التقارير حول استخدام حكومات إفريقية تقنيات تجسس إسرائيلية لاستهداف صحفيين ومعارضين ونشطاء، ما يعيد فتح ملف النفوذ التكنولوجي الإسرائيلي في القارة، ويثير تساؤلات جديدة بشأن حدود استخدام أدوات “الأدلة الجنائية الرقمية” وتحولها إلى وسائل رقابة سياسية.

تكنولوجيا التجسس
حادثة اختراق هاتف الناشط الكيني لم تكن الأولى من نوعها التي تُستخدم فيها تقنيات إسرائيلية في إفريقيا؛ فقد سبقتها وقائع مشابهة في دول مثل نيجيريا وأوغندا وإثيوبيا، ما يعكس اتساع نطاق حضور شركات التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية في القارة.
في مايو/أيار 2024، تعرّض الصحفي الأنغولي تيكسيرا كانديدو لهجوم ببرنامج “بريداتور” التجسسي الذي تبيعه مجموعة إنتيليكسيا، وهو تحالف شركات أسسه الضابط الإسرائيلي السابق تال ديليان.
وذكرت لجنة حماية الصحفيين (ومقرها نيويورك) أن كانديدو تلقى رابطًا عبر تطبيق واتساب أدى إلى تحميل البرنامج على هاتفه. وبعد أقل من يوم، اكتشف الباحثون العدوى وأزيلت، في أول حالة موثقة في أنغولا، ما كشف مدى وصول برامج التجسس الإسرائيلية إلى دول جنوب القارة.
كما أفادت اللجنة بأن سلطات غانا حصلت عام 2017 على أجهزة UFED لاستخراج الأدلة الرقمية من شركة سيلبريت عبر الإنتربول، وتلقت معدات تحليل جنائي إضافية من الولايات المتحدة في 2019.
وقد حذّر صحفيون غانيون من إساءة استخدام هذه الأدوات لخرق خصوصيتهم، لا سيما بعد تقارير عن استخدام السلطات في نيجيريا أجهزة مماثلة لتفتيش هواتف صحفيين.
وفي نيجيريا أيضًا، ذكرت وكالة رويترز أن شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية وقّعت عام 2013 عقدًا بقيمة 40 مليون دولار لتزويد البلاد بمنصة لتحليل البيانات والاستخبارات والإنذار المبكر. وكشفت صحف محلية أن النظام أتاح مراقبة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ما أثار جدلًا واسعًا بشأن انتهاك الخصوصية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ برز برنامج “بيغاسوس” التابع لشركة NSO Group كأحد أخطر أدوات التجسس في العالم، ولم تكن إفريقيا استثناء من نطاق استخدامه.
فقد حصلت منظمتا فوربيدن ستوريز ومنظمة العفو الدولية على قائمة تضم نحو 50 ألف رقم هاتفي يُعتقد أنها لأشخاص اختارهم عملاء الشركة الإسرائيلية للمراقبة منذ عام 2016.
ومن بين 14 قائدًا عالميًا وردت أسماؤهم ضمن الأهداف المحتملة، كان نصفهم من القارة الإفريقية، بينهم رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا وملك المغرب محمد السادس.
وفي يوليو/تموز 2021، نشرت 17 مؤسسة إعلامية دولية تحقيقًا موسعًا بشأن البرنامج، أشار إلى أن حكومات إفريقية عدة تعتمد على “بيغاسوس” وأدوات مماثلة لتعقب “الإرهابيين” ومكافحة الجريمة، لكن الاستخدام الفعلي توسّع ليشمل صحفيين ومعارضين ونشطاء حقوقيين.
وضمّت القائمة أرقام ما لا يقل عن 180 صحفيًا، و600 سياسي، و85 ناشطًا حقوقيًا، و65 رجل أعمال، فيما تأكد اختراق أو محاولة اختراق 37 هاتفًا بواسطة برمجيات المجموعة الإسرائيلية.
وأظهر التحقيق أن رواندا استخدمت البرنامج لاستهداف الرئيس رامافوزا ومسؤولين معارضين ونحو 3500 ناشط وصحفي وسياسي، بينما استخدمته المغرب للتجسس على مسؤولين جزائريين وفرنسيين.
كما أشار تقرير حديث صادر عن سيتزن لاب إلى أن تقنيات سيلبريت بيعت إلى دول إفريقية أخرى، من بينها أوغندا وإثيوبيا وغانا.
وتعاقدت نيجيريا كذلك مع إلبيت سيستمز لتوفير منصة مراقبة للإنترنت، فيما اشترت عدة دول إفريقية — من بينها الكاميرون وتشاد وغينيا الاستوائية وليسوتو ونيجيريا ورواندا وسيشيل وجنوب إفريقيا وأوغندا — أسلحة وتقنيات مراقبة إسرائيلية خلال الفترة بين 2006 و2010، واستمرت بعض هذه الصفقات في السنوات اللاحقة.
وتكشف هذه الحالات مجتمعة عن اتساع رقعة استخدام التكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات المراقبة والتجسس داخل القارة، وما يرافق ذلك من مخاوف متزايدة بشأن تأثيرها على حقوق الإنسان وحرية الصحافة والخصوصية الرقمية.

نفوذ إسرائيلي
تسعى إسرائيل إلى توسيع حضورها في القارة الإفريقية عبر بوابة المنظومات الأمنية المتطورة وتقنيات الزراعة والري، في مسار يجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن.
وذكرت صحيفة Mail & Guardian الجنوب إفريقية أن مبيعات التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية في إفريقيا بلغت نحو 100 مليون دولار بحلول عام 2014، وواصلت نموها حتى 2025 بدعم مالي من الحكومة الإسرائيلية.
فعلى سبيل المثال، حصلت إثيوبيا عام 2016 على قرض بقيمة 200 مليون دولار من بنك هبوعليم لتمويل مشاريع ريّ بالتنقيط تنفذها شركة نتافيم المتخصصة في حلول الري الدقيق. غير أن تضخم التكاليف وسوء الإدارة أدّيا إلى تعثر المشروع، بينما واصل المواطنون الإثيوبيون سداد أعباء القرض.
وفي زامبيا، وُقّع عام 2019 قرض بقيمة 47 مليون دولار لإنشاء مركز زراعي مع شركة Green 2000، إلى جانب قرض آخر عام 2017 بقيمة 176 مليون دولار لمشروع مياه، ما أسهم في ارتفاع مديونية البلاد.
أما في أنغولا، فقد حصلت شركة تاهال عام 2016 على عقد بقيمة 370 مليون دولار لتنفيذ مشروع زراعي ضخم، أعقبه عقد إضافي بقيمة 291 مليون دولار.
وغالبًا ما تُدعَم هذه الصفقات بآليات “ائتمان المشتري” عبر بنوك إسرائيلية؛ حيث تُحوَّل الأموال مباشرة إلى الشركات الإسرائيلية، بينما تتحمل الدول الإفريقية عبء الديون.
عسكريًا، يتراوح حجم صادرات إسرائيل إلى الدول الإفريقية في هذا القطاع بين 200 و400 مليون دولار سنويًا، وفق تقديرات الصحيفة ذاتها.
ففي عام 2023، وقّع المغرب صفقة بقيمة مليار دولار مع شركة Israel Aerospace Industries للحصول على قمر صناعي للتجسس، كما اشترى نظام الدفاع الجوي “باراك MX” بقيمة 540 مليون دولار، وطائرات مسيّرة من طراز “هيرون” بقيمة 48 مليون دولار منذ 2014.
كما تعاقدت نيجيريا عام 2013 مع شركة إلبيت سيستمز لتأسيس منصة لمراقبة الإنترنت بقيمة 40 مليون دولار.
وفي المجال السيبراني، تنشط شركة Check Point في الدار البيضاء، فيما تشارك شركات مثل إلبيت سيستمز وسيلبريت في برامج تدريب وتوريد معدات أمنية في دول من بينها غانا وأوغندا.
تُظهر هذه المعطيات أن الصفقات الإسرائيلية في القارة لا تقتصر على الجانب التجاري، بل تمنح تل أبيب نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا متناميًا، وتزوّد بعض الحكومات الإفريقية بأدوات رقابة تعزز قبضتها على السلطة.
وفي هذا السياق، يشير تحليل صادر عن معهد مونتان إلى وجود فرص واسعة للتعاون بين إسرائيل وإفريقيا في مجالات الزراعة والأمن و"مكافحة الإرهاب"، لافتًا إلى أن الخبرة الإسرائيلية المتقدمة في تقنيات الري والزراعة — الناتجة عن ندرة المياه والأراضي — تجعلها وجهة تدريبية جاذبة للطلاب والخبراء الأفارقة في مؤسساتها المتخصصة.

دوافع الاهتمام
وتركّز إسرائيل في انفتاحها على القارة الإفريقية على جملة من الأهداف السياسية والاقتصادية والإستراتيجية.
أولًا، تسعى تل أبيب إلى تعزيز دعمها الدولي داخل المؤسسات الأممية. فبين عامي 2015 و2023، صدر 154 قرارًا ضد إسرائيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو رقم يفوق عدد القرارات الصادرة ضد جميع الدول الأخرى مجتمعة.
لذلك تعمل على بناء علاقات وثيقة مع دول إفريقية أملاً في تحسين أنماط تصويتها داخل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
وفي هذا السياق، أوضح معهد دراسات الأمن القومي (INSS) أن مواقف الدول الإفريقية من الحرب على غزة عام 2023 كشفت عن مكامن قوة وضعف في الدبلوماسية الإسرائيلية، خصوصًا بعد أن رفعت جنوب إفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
ويرى المعهد أن تعميق التحالفات مع دول مختارة قد يساعد إسرائيل على تحسين موقعها في البحر الأحمر، والحفاظ على “إنجازات” اتفاقيات أبراهام، فضلًا عن تعديل توازن الأصوات الإفريقية داخل الأمم المتحدة.
ثانيًا، تسعى إسرائيل إلى منافسة النفوذ الصيني والروسي والتركي والإيراني في إفريقيا، لا سيما في المجال الاقتصادي.
ويُعد قطاع الأمن السيبراني أحد أبرز أدواتها في هذا الإطار؛ إذ يشكّل نسبة كبيرة من صادرات التكنولوجيا الفائقة، فيما بلغت قيمة الصادرات الدفاعية الإسرائيلية نحو 13 مليار دولار عام 2023، وهي عائدات تُعدّ أساسية لاستدامة مجمعها الصناعي العسكري.
وذكرت دراسة صادرة عن معهد مونتان أن إسرائيل تنظر إلى إفريقيا بوصفها “فرصة حيوية” لتعزيز التجارة والاستثمار، خصوصًا في قطاعات الزراعة والأمن، وتعد حصولها على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي خطوة مهمة لتعزيز حضورها السياسي في القارة.
كما أشارت صحيفة Mail & Guardian إلى أن إسرائيل توظّف قروضًا مدعومة من بنوكها لتمويل مشاريع زراعية ومائية، بما يخلق اعتمادًا ماليًا طويل الأمد على التكنولوجيا الإسرائيلية.
في المقابل، ترى دول إفريقية في إسرائيل مصدرًا لتقنيات متقدمة في مجالات الزراعة وإدارة المياه والأمن السيبراني.
ويشير تحليل معهد مونتان إلى أن ندرة المياه في إسرائيل دفعتها إلى تطوير تقنيات ري متقدمة، وأن نسبة مقدرة من صادراتها إلى إفريقيا تتركز في الصناعات الكيميائية والمعدات والمنتجات الزراعية، ما يجذب حكومات تبحث عن حلول لأزمات الأمن الغذائي والجفاف.
وعلى الصعيد الأمني، تنظر بعض الأنظمة الإفريقية إلى الأسلحة والتقنيات الإسرائيلية بوصفها وسيلة لتعزيز الأمن الداخلي والخارجي، خاصة في ظل سعي أنظمة عسكرية شهدت انقلابات أخيرا إلى ترسيخ بقائها في السلطة.
كذلك، تبحث بعض الحكومات الإفريقية عن شركاء سياسيين بديلين عن القوى الاستعمارية التقليدية، مثل فرنسا.
وقد رأت دول مثل السودان والمغرب في اتفاقيات أبراهام فرصة لإعادة ترتيب علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب وتحقيق مكاسب اقتصادية، انطلاقًا من قناعة لدى بعض القادة الأفارقة بأن الطريق إلى البيت الأبيض يمر عبر إسرائيل.
المصادر
- Cellebrite Used on Kenyan Activist and Politician Boniface Mwangi
- The Security Element in Israel-Africa Relations
- Kenyan authorities used Israeli tech to crack activist’s phone, report claims
- Israel's Elbit wins $40 mln African intelligence systems deal
- About the Pegasus Project
- Israel in Africa – a friend with no benefits
- US, UK, Interpol give Ghana phone hacking tools, raising journalist concerns on safety and confidentiality















